Note: English translation is not 100% accurate
رأي نفطي
معضلة H2S! - بقلم: م.فهد عبدالرحمن الفارسي
13 سبتمبر 2015
المصدر : الأنباء

قد يستغرب القارئ من عنوان المقالة لخلطها كلمة عربية بأخرى انجليزية، ولكن هذه هي الصناعة النفطية التي هيمنت عليها المفردات الانجليزية منذ عقود طويلة، فهي اللغة المتعارف عليها عالميا من حيث سرد محتويات ومصطلحات هذه الصناعة المهمة. أما المقصود بـ H2S فهو غاز كبريتيد الهيدروجين السام، والذي تعرف عليه معظم الكويتيين عن قرب خلال انفجار إحدى الآبار أثناء حفرها في شمال الكويت عام 2012، حيث حملت الرياح هذا الغاز المنبعث من البئر الى أنحاء عديدة من البلاد، ولكن بفضل من الله كانت نسبته قليلة حيث لم يتسبب في حالات اختناق حرجة.
ويتواجد غاز كبريتيد الهيدروجين في باطن الأرض غالبا نتيجة تفاعلات بكتيرية، حيث يكون مذابا في النفط أو في الغاز المصاحب، وله تأثيرات سلبية عديدة على الصحة والاقتصاد والمنشآت النفطية. فمن الناحية الصحية قد يسبب هذا الغاز الاختناق والإغماء وفي بعض الحالات الوفاة عند استنشاقه بصورة مركزة، ونقرأ في الصحف غالبا عن وفاة بعض العاملين في المجاري أثناء نزولهم في «مناهيل» الصرف الصحي نتيجة تعرضهم لهذا الغاز السام المتواجد بكثرة هناك. أما من ناحية الاقتصاد فهناك علاقة مباشرة بين وجود هذا الغاز في النفط الخام وسعر هذا النفط، حيث يقلل عنصر الكبريت الموجود في هذا الغاز من جودة النفط وبالتالي يقلل من سعره. كما يسبب هذا الغاز حدوث الصدأ والتآكل لكل ما يلامسه من أنابيب الانتاج في البئر أو على السطح ما لم تكن مهيأة لمقاومته، مما يستدعي استبدالها بشكل مكثف والذي من شأنه زيادة التكاليف على الشركة المنتجة، وقد تم تقدير نسبة 20% من مجمل حوادث تآكل الأنابيب في الشركات النفطية نظرا لوجود غاز كبريتيد الهيدروجين فيها.
ومع ذلك، تقوم الشركات البترولية بإنتاج نفوط تحتوي على هذا الغاز منذ عقود كثيرة، ويطلق عليها «نفوط حامضة» نسبة لتواجد عنصر الكبريت فيها بنسبة تزيد على 0.5%، وقد يلاحظ ازدياد نسبة انتاج هذه النفوط في السنين الأخيرة، ويعود السبب في ذلك إلى زيادة عمليات ضخ المياه غير المعالجة في المكامن النفطية، مما يؤدي إلى زيادة تلوث المكامن بمثل هذه الغازات. ولهذا تعمل الشركات البترولية على اختيار أنابيب الانتاج وغيرها من المعدات اللازمة بحيث تكون متوافقة مع نسبة وكمية هذا الغاز، بالإضافة لبناء مراكز تجميع خاصة تستطيع فصل هذا الغاز عن السوائل البترولية بدون حدوث تآكل لتلك المنشآت، فضلا عن تدريب العاملين على كيفية التعامل معه في حال تسربه.
وتحتوي بعض الحقول النفطية في الكويت على هذا الغاز شأنها شأن الحقول العالمية الأخرى، وقد تم انتاج بعضها بصورة اعتيادية كتلك الموجودة في حقول غرب الكويت، نتيجة لوجود مراكز مبنية خصيصا في تلك المنطقة للتعامل مع مثل هذه النوعية من النفوط. الا أنه توجد هناك بعض المكامن في حقول أخرى لم يتم انتاجها بالشكل الأمثل بسبب عدم وجود مثل هذه المراكز بشكل قريب منها، فكان القرار حينها بتقليل كمية النفط المستخرج من بعضها أو حتى ايقاف الانتاج منها، حتى لا تؤثر على جودة النفط الكويتي الناتج من خلط جميع النفوط من المكامن الأخرى، وكان هذا القرار صائبا فيما مضى حيث لم تكن هناك ضرورة ملحة لإنتاج مثل هذه النفوط «الصعبة»، خصوصا عند توافر نفوط «سهلة» وبكميات أكبر بكثير.
إلا أنه ومع تقدم الوقت أصبح من الضروري انتاج وتطوير مثل هذه المكامن التي كانت مغلقة سابقا بسبب تواجد هذا الغاز فيها، حيث تضيف هذه النفوط الحامضة بعد انتاجها وتنقيتها الآلاف من البراميل للناتج الكلي من النفط الخام في الكويت، والتي من شأنها تعزيز مكانة الكويت النفطية والمحافظة على حصتها في سوق الدول المنتجة.
وتخطط شركة نفط الكويت للتعامل مع هذا الغاز عبر بناء مراكز تجميع جديدة مواكبة لأحدث التقنيات لإنتاج مثل هذه النفوط الحامضة، كما يتم حاليا تجربة تقنيات أخرى لأول مرة في الكويت تعمل على ضخ مواد كيميائية داخل أنابيب الآبار وأنابيب الانتاج، والتي من شأنها التخلص من هذا الغاز قبل وصوله لمراكز التجميع، وإذا أثبتت مثل هذه التجارب فاعليتها على المدى البعيد فسيتم خفض تكلفة انتاج مثل هذه النفوط الصعبة مما سيعمل على توفير أموال طائلة من خزينة الدولة، بل وقد يتم الاستفادة من عنصر الكبريت الناتج من تنقية هذه النفوط وبيعه في السوق المحلية أو العالمية لاعتباره من المصادر المهمة لتكوين الأسمدة، وبهذا تتحول هذه «المعضلة» القديمة إلى «فرصة» جديدة للاستفادة من هذه النفوط الصعبة.
fahadalfaresi@