Note: English translation is not 100% accurate
خبر.. وتحليل
سورية عند «مفترق طرق الحرب والحل»: نجاح وقف إطلاق النار ثم مفاوضات.. أو التقسيم
25 فبراير 2016
المصدر : الأنباء
الاتفاق الروسي ـ الأميركي على وقف لإطلاق النار في سورية ابتداء من ليل الغد مهم ولا يشبه محاولات سابقة جرت للجم الحرب والدفع باتجاه العملية السياسية.هذا الاتفاق الأميركي الروسي حول سورية يعد بمثابة الإنجاز الثاني بعد اتفاقية مينسك حول أوكرانيا وتسوية الأزمة فيها، ويؤكد أن التفاهم الثنائي الأميركي ـ الروسي قادر على حل النزاعات في العالم ضمن نظام عالمي متعدد الأقطاب.وأهمية اتفاق وقف النار، الذي ينص على قيام آليات مراقبة أميركية ـ روسية، تكمن في أنه يفتح الباب للعودة الى مفاوضات جنيف التي جرى تعليقها منذ شهر بعد اصطدامها بالشروط والشروط المضادة وانطلاق الحملة العسكرية الجوية والبرية في حلب وريفها، فضلا عن أن واشنطن وموسكو تضعان مصداقيتهما على المحك ولديهما مصلحة عليا في أن يحترم الاتفاق وفي إظهار أن تفاهمهما قادر على تحريك الوضع وإنتاج دينامية سياسية حقيقية.
والانطباع السائد ان روسيا جادة في تطبيق هذا الاتفاق لسببين: الأول هو حاجتها الى تسوية، وكلما سيطرت على مزيد من الأراضي تعاظمت الحاجة الى تسوية، لأن السيطرة شيء والإمساك بالأرض شيء آخر، ونظام الأسد لم يعد في الوضع الذي يقدر فيه على الإمساك بالأراضي التي يستعيدها.وبالتالي فإن روسيا تريد التسوية السياسية للحفاظ على مكاسبها ولتتجنب مصيرها في أفغانستان وكذلك مصير أميركا في أفغانستان والعراق.والسبب الثاني هو أن روسيا وصلت في سورية الى الوضع الذي تريد، وحيث كان تدخلها العسكري جسرا الى أهداف سياسية.فقد نجح بوتين في تغيير مسار الحرب بصورة جذرية وباتت لموسكو اليد الطولى في إنهاء الصراع ووقف تدفق اللاجئين على أوروبا.والآن يعتبر وقف النار، كما فعل في أوكرانيا، خطوة تكتيكية في ظل غياب «استراتيجية أميركية» واضحة حيال الأزمة السورية.ولتبرير الانكفاء الاستراتيجي أو تعويضه، كانت المراهنات الأميركية التي لم تصح على غرق روسيا في المستنقع السوري وعن فشل الحملة الجوية الروسية في إحداث تغيير على الأرض.وحتى بعد بدء البحث السياسي في فيينا اعتبر الأميركيون أن روسيا تبحث عن مخرج سياسي بعد إخفاقها والخيبة من أداء الجيش السوري، لكن موسكو لم تكن تسعى للخروج من مأزق الحرب وإنما كانت تسعى الى تغيير موقف واشنطن من الأسد واستدراجها الى خطتها السياسية، وهو ما نجحت فيه إلى حد كبير.
مقابل التفاؤل الحذر جدا، تحوم شكوك عميقة حول اتفاق وقف النار وإمكانية نجاحه وسط التعقيدات الهائلة والصعوبات العملية على الأرض.والانطباع العام بأن اتفاق وقف النار يشكل بارقة أمل وخطوة متقدمة لكن من الصعوبة والسذاجة اعتبارها خطوة نهائية وناجزة بسبب تضارب المصالح والرهانات المتناقضة للأطراف المحلية والخارجية.
فالاتفاق لا يشمل كل القوى والتنظيمات المقاتلة، وتحديدا تنظيمي «داعش» و«النصرة».والحال أن التداخل الميداني القائم بين «النصرة» والفصائل الأخرى المقاتلة في بعض الجبهات ربما يستغل من النظام وحلفائه لإحراج القوى المعتدلة القابلة بالحل السياسي ودفعها الى الرد، وبالتالي تحميلها مسؤولية إفشال الاتفاق.وبالتالي فإن انتشار تنظيم «النصرة» في مواقع متداخلة مع باقي الفصائل السورية المعارضة يجعل من مسألة تحييد المعارضة وغير المتشددة أمرا بالغ الصعوبة.وهذا الواقع يفيد بأن «تصنيف» الجماعات الإرهابية في سورية بات ثغرة فاضحة كفيلة بتقويض أي اتفاق، إذ يمكن النظام وحلفاءه من النفاذ منها لمواصلة هجومهم العسكري، وخصوصا في حلب حيث تتداخل الجبهات والمحاور ومعها الفصائل المتحاربة.والثغرة نفسها تتيح لأنقرة مواصلة قصفها لـ «وحدات حماية الشعب» الكردية.أما واشنطن التي حاولت عبثا الضغط على تركيا لوقف هجومها على هذه الوحدات، فلن تكون قادرة هذه المرة أيضا على وقفها.وستمضي روسيا في غاراتها على الفصائل التي تصنفها إرهابية، وقد توسعها الى إدلب حيث تسيطر «جبهة النصرة»، وبغطاء دولي واسع.فمقاتلو الجبهة منتشرون لا في إدلب فحسب، وإنما أيضا في حلب وجنوب سورية، وهكذا ستكون الفصائل التي لا تدور في فلك «النصرة» ولا «داعش»، ومعها مدنيون، هدفا لمزيد من الغارات الروسية، وهذه المرة بغطاء دولي.
ماذا إذا لم ينجح الاتفاق الأميركي الروسي لوقف النار والعودة الى طاولة جنيف والحل السياسي؟!
عن هذا السؤال يجيب وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي أبدى، في بيان أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، تفاؤلا بأن عملية انتقال سياسي في سورية يمكن أن تحدث في غضون أشهر قليلة مقبلة، إذا استمر احترام وقف إطلاق النار، واتفقت جميع الأطراف على الجلوس على طاولة المفاوضات، على أن تؤدي عملية السلام إلى دولة علمانية مستقلة يختار الشعب السوري قيادتها مع حماية يتمتع بها جميع الأقليات.
ولكن كيري حذر من انهيار سورية في حال استمر القتال لوقت اطول، ملوحا بالخيار «ب» لدى واشنطن في حال عدم صمود الهدنة التي اعلن التوصل اليها مع روسيا.
وقال: «من الخطأ افتراض أن الرئيس باراك أوباما ليست لديه خيارات أخرى إذا لم يفلح الحل الديبلوماسي في سورية»، مشيرا الى مناقشات واسعة تجري حاليا بشأن خطة بديلة إذا لم ننجح على مائدة المفاوضات، وإلى أن من الصعب الإبقاء على سورية موحدة، ويفوت الأوان إذا استغرق إنهاء القتال فترة أطول.وتابع أنه حتى إذا سيطرت القوات الحكومية على مدينة حلب، فمن الصعب الاحتفاظ بأراض في سورية».
وهذه ليست أول مرة تصدر إشارات أميركية في اتجاه تقسيم سورية، وحتى ترجيح هذا السيناريو.ففي فترة ما قبل التدخل الروسي، رجح السفير الأميركي السابق في سورية روبرت فورد (في معهد دراسات الشرق الأوسط) أن تكون النتيجة النهائية تقسيم سورية بين الفصائل والتحالفات المختلفة إلى 6 مناطق:
1 ـ منطقة يسيطر عليها العلويون وحزب الله على طول الحدود مع لبنان على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
2 ـ منطقة شمال غرب سورية ينتشر فيها «جيش الفتح» الذي يشمل «جبهة النصرة». لكن هذا الجيش لن يستطيع التحكم في هذه المنطقة.
3 ـ سيطرة «داعش» على المنطقة الشرقية التي تشكل ثلثي مساحة سورية.
4 ـ سيطرة الجيش الحر والفصائل المرتبطة به على معظم الجنوب السوري، مع وجود جيوب لـ «جبهة النصرة».
5 ـ «جيش الإسلام» سيسيطر على أحياء مختلفة في العاصمة ومحيطها، «دمشق تذكرنا ببيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية الفظيعة».
6 ـ المقاتلون الكرد، الذين أفادوا من الدعم الأميركي الجوي، سيسيطرون على مركز الشمال والشمال الشرقي.
فالرئيس الأميركي ماض بسبب التعثرات في العراق وتعقيدات الوضع في سورية في استراتيجية «احتواء» لـ «داعش» تترك مهمة هزيمة هذا التنظيم للرئيس الأميركي المقبل.لم يكن قبلا وليست هناك اليوم جدية أميركية في حل الملف السوري، والمبادرات السياسية المتلاحقة مع روسيا هي «تجميلية، للإيحاء بأن هناك جهودا ديبلوماسية، فيما القناعة السائدة في البيت الأبيض هي أن هذه حرب استنزاف، وحلها يتطلب انخراطا أميركيا عسكريا، لا نية بفعله اليوم».وشعور الإدارة والبيت الأبيض هو أن «الحرب ضد «داعش» ليست معركتنا، وهناك قناعة حاليا باحتوائها».ولخص هذا التوجه رئيس هيئة الأركان مارتن ديمبسي عندما قال مرة أمام الكونغرس بأن هذه معركة «الشرق الأوسط من الداخل، ونحن لا نستطيع حلها من الخارج».والخلاصة ان شبح حرب العراق وإمكانية وقوع قتلى أميركيين، دفعا الإدارة الحالية الى عدم المجازفة ميدانيا على الأرض ضد «داعش» أو ضد نظام الأسد، وترك المهمة للرئيس المقبل.