Note: English translation is not 100% accurate
خبر.. وتحليل
الانسحاب الروسي «الجزئي» من سورية.. ماذا يعني؟! ولماذا حصل؟!
16 مارس 2016
المصدر : الأنباء
إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فاجأ العالم بقرار التدخل العسكري المباشر في سوريةقبل 6 أشهر، فإنه فاجأ العالم مرة ثانية بقرار الانسحاب العسكري «الجزئي» من سورية مثبتا أنه «رجل القرارات والمفاجآت»، يختار «توقيته»، ويتصرف وفق أجندته السياسية وما تمليه عليه مصالحه وحاجاته.
إذا كان التدخل الروسي في سورية شكل نقطة تحول في مجرى الحرب وخلط أوراقها وبدل مسارها وميزان القوى على الأرض فإن الانسحاب الروسي من سورية يشكل أيضا نقطة تحول في مجرى الحرب والحل السياسي في آن ويعيد خلط الأوراق.بعد التدخل العسكري شهدت الأزمة السورية طغيانا لـ «المسار العسكري» ودخلت مرحلة المعارك والجولات العنيفة، وبعد الانسحاب العسكري ستشهد الأزمة السورية جنوحا في اتجاه «المسار السياسي» وتدخل مرحلة المفاوضات الجدية.
يحاول الروس التخفيف من وقع قرارهم بوصف انسحابهم بـ «الجزئي» وأنه يقتصر على سحب القوات العسكرية الجوية الرئيسية التي لم يعد لها دور ومهام في المرحلة المقبلة، ولكن «الانسحاب الجزئي» في حرب كهذه في حجمها وتعقيداتها وفي هذا التوقيت بالذات يعادل انسحابا شاملا في مفاعيله ونتائجه، إذ تترتب عليه مفاعيل ميدانية وسياسية مهمة، ويؤدي الى إعادة تحديد قواعد اللعبة على الأرض من جهة ورسم إطار الحل السياسي من جهة ثانية.
هذا القرار يعني أمرين أساسيين:
٭ أن روسيا لا تريد انخراطا أو تورطا عسكريا أكثر في سورية لأسباب عدة منها الكلفة المالية الباهظة في ظل ضغوط قوية يواجهها الاقتصاد الروسي، وعدم إمكانية الحسم العسكري في سورية. روسيا لا تريد تكرار تجربتها المرة في أفغانستان التي انتهت الى انسحاب قسري مهين بعد خسائر بشرية كبيرة، فبادرت في سورية الى انسحاب طوعي ومبكر، والى خروج آمن في التوقيت الأنسب.
٭ أن روسيا تريد تسوية سياسية للأزمة السورية وبالتفاهم مع الولايات المتحدة، وتريد إنجاز هذه التسوية مع الرئيس باراك أوباما وفي المدة المتبقية من ولايته.فما يمكن تحقيقه مع أوباما يصعب تحقيقه مع أي رئيس أميركي آخر بعد تجربة مثمرة في أوكرانيا وسورية (من التفاهم على موضوع السلاح الكيماوي الى تفاهمات كيري لافروف)، فكان لابد من أخذ المواقف والمصالح الأميركية في الاعتبار، وحيث لا يمكن لروسيا لا الحسم في الحرب ولا التفرد في الحل.
هذا القرار الروسي تقف وراءه جملة أسباب وعوامل دافعة ومكونة له وأبرزها:
1 ـ وصول الأزمة السورية الى مفترق طرق حاسم: إما انتهاز فرصة التسوية التي تلوح في الأفق، اما الذهاب الى حرب طويلة لا أفق لها وموسكو تريد «خيار التسوية» وتغلبه على خيار الحرب، وهي إذا تدخلت قبل أشهر فليس من أجل الحسم بالقوة العسكرية وإنما من أجل تهيئة الأرضية للحل السياسي الذي كان متعذرا قبل أشهر عندما كان النظام السوري يواجه ضغوطا وخسائر على الأرض.
2 ـ الخلاف الناشئ بين موسكو والنظام والذي تمحور في الأسابيع الأخيرة على نقاط ثلاث: الاعتراض السوري على التوقيت الروسي للهدنة ولقرار وقف العمليات العسكرية، لأن ذلك يساعد التنظيمات المسلحة على التقاط أنفاسها وإعادة تنظيم صفوفها ويوقف دينامية عسكرية على الأرض أعطت المبادرة للجيش السوري الذي انتقل من الدفاع الى الهجوم، والنقطة الثانية هي تشديد القيادة السورية على مفهومها للمرحلة الانتقالية التي ستكون في ظل رئاسة بشار الأسد ولا تعني إلا حكومة انتقالية تشارك فيها المعارضة.وفي إطار هذه النظرة، جاء طرح النظام السوري لمشروع الانتخابات التشريعية الشهر المقبل من خارج سياق المفاوضات وبمنزلة التفاف على المرحلة الانتقالية، وأما النقطة الثالثة، فإنها تتعلق بمستقبل سورية الذي تفاهمت عليه أميركا وروسيا في إطار «تقسيم فيدرالي» بعدما تجاوزتا مسألة «مستقبل الأسد» ووضعتاه جانبا، وهنا تصدت دمشق لمشروع الفيدرالية حتى وهو مازال في بداياته ويطرح من قبيل «جس النبض والاستكشاف».
بالإجمال، لم تكن موسكو راضية عن الأداء السياسي للنظام السوري، لأنه لم يكن أداء يخدم خططها ورؤيتها بقدر ما كان يعاكسها ويشوش عليها، إن لجهة إعطاء تفسير خاص للمرحلة الانتقالية أو لجهة رفض أي تقسيم وتقاسم لسورية، وظهر هذا الموقف في أكثر أشكاله حدة ووضوحا مع مؤتمر وزير الخارجية وليد المعلم الذي حسم أن بشار الأسد خط أحمر، وقال أنه «لا يحق لديمستورا ولا لغيره الكلام عن انتخابات رئاسية»، والذي رد على تصريحات روسية بشأن مستقبل سورية بالتشديد على وحدة سورية.
النظام كان يعول على الدعم الروسي سبيلا ليس الى إعادة التوازن على الأرض وإنما الى الحسم العسكري والى تسوية سياسية بشروطها، فيما الحسابات الروسية مختلفة وموسكو تريد أن تضع تدخلها العسكري في خدمة الحل السياسي وأن تستثمر زخم هذا التدخل في صياغة التسوية بالاتفاق مع الأميركيين، إذ تعتبر أن عملياتها العسكرية بلغت أقصى ما يمكن أن تبلغه وحققت أفضل ما يمكن أن تحققه من الأهداف الموضوعة لها وهي: إبعاد خطر السقوط عن نظام الأسد، وإطلاق مفاوضات سياسية، والعودة الى معادلة الشرق الأوسط من بوابة سورية.
3 ـ التباين الروسي ـ الإيراني بشأن مصير الوضع في سورية وآفاقه المستقبلية، فإذا كان الدخول الروسي على خط الحرب السورية حصل بالتنسيق مع الإيرانيين، فإن الخروج الروسي حصل بالتنسيق مع الأميركيين، فيما أحيط الإيرانيون علما بالقرار وفوجئوا بتوقيته وبأن الروس تركوهم في منتصف الطريق ليقرروا بين أن يلتحقوا بهم ويركبوا قطار التسوية أو يمضوا لوحدهم في حرب لا هوادة فيها وغير مضمونة النتائج.
هذا التباين خرج الى العلن وبموازاة تقارب إيراني ـ تركي حول مستقبل سورية وضد التقسيم والكيان الكردي وأخذ شكل التصدي المشترك للاتفاق الأميركي ـ الروسي الذي لم يقم وزنا لمصالح وأدوار اللاعبين الإقليميين. فإذا كان الروس لا يريدون تكرار تجربة أفغانستان ويتفادون السقوط في المستنقع السوري، فإن تجربة العراق ماثلة أيضا أمامهم وهي التجربة التي بدأت عام 2003 تحت مظلة تفاهم وتنسيق إيراني ـ أميركي وانتهت بأن دفعت واشنطن ثمن تدخلها في العراق وقطفت إيران ثمار هذا التدخل وتحكمت في صياغة مستقبل العراق.
باختصار، قرار الانسحاب الروسي من سورية ولو «جزئيا» مماثل في أهميته ومفاعيله وفي توقيته المفاجئ لقرار التدخل وسيكون إشارة البدء في مرحلة جديدة عنوانها:
أ ـ تسوية سياسية تحافظ على وحدة سورية في إطار فيدرالي، وهذه التسوية باتت ظروفها متوافرة لجهة ميزان قوى متكافئ على الأرض. وبعد التدخل الروسي العسكري الذي منع سقوط الأسد ورسم خطوط الحل على الأرض حصل تدخل سياسي أميركي منع سقوط المعارضة وأقفل خطوط التدخل التركي.
ب ـ معركة عسكرية تنحصر في محاربة الإرهاب «داعش» وتنخرط فيها كل الدول الإقليمية والدولية بعد هذا القرار الروسي الذي يحفظ موقع ودور المعارضة المعتدلة ومصالح الدول الداعمة لها، ويدفع النظام السوري وحلفاءه في المنطقة على مراجعة الحسابات وتعديل الأولويات والخطط.
كل الدلائل تشير الى أن الحرب السورية دخلت مرحلة بداية النهاية وبدأت عدها التنازلي.