Note: English translation is not 100% accurate
سورية تتجه نحو اللامركزية: أربعة «نماذج ـ خيارات».. كلها صعبة
18 يونيو 2016
المصدر : الأنباء - بيروت
كل الدول المعنية بالحرب في سورية والمتورطة فيها على قناعة بأنه لا حل عسكريا للأزمة، وأن الحل السياسي من الصعب أن يعيد سورية الى ما كانت عليه في ظل دولة موحدة وحكومة مركزية تمثل كل السوريين، وبالتالي فإن خيار «اللامركزية أو الفيدرالية» بات خيارا واعدا لأنه يساهم في تحويل التركيز بعيدا عن خلافات لا يمكن حلها عبر التوزيع الرأسي للسلطة داخل الحكومة المركزية لتوزيعات واعدة أكثر تناقش التوزيع الأفقي للسلطة، كما يساهم في المساعدة على التغلب على انعدام الثقة بين الأطراف المتنازعة حيث يقلل من مخاطر الصراع ويقدم وعودا لكل الأطراف بقدر من الحكم الذاتي والأمن. وهناك أربعة «نماذج خيارات» مختلفة لـ «اللامركزية» بحسب دراسة اعدتها مؤسسة «راند» للأبحاث الأميركية المرتبطة بالپنتاغون:
٭ الخيار الأول: لا مركزية خفيفة أو محدودة تتمثل بإصلاح محدود في هيكلية الإدارة المحلية التي تم تحديد صلاحياتها وفقا للتعديلات الدستورية في العام 2012، وتحديدا المادتين 13 و131 اللتين تدعوان إلى تطبيق مبدأ اللامركزية في الصلاحيات والمسؤوليات وتؤكد على استقلال مالي وإداري للمؤسسات الحكومية المحلية، إضافة إلى إقران الدستور ومواده المذكورة بتنفيذ المرسوم التشريعي رقم 107 الصادر في العام 2011 والذي تعهد فيه النظام السوري بمنح سلطات أوسع للأقاليم والمدن والبلدات بتخصيص نسب معقولة من الموازنة العامة للدولة للإدارة المحلية (البلديات)، ومنحها فرصا لزيادة الإيرادات. وهذا الخيار قابل للتنفيذ بشكل كبير من خلال تطبيق حقيقي للقوانين القائمة، كما أنه لا يتطلب تعديل التقسيمات الإدارية في سورية ولا إصلاحا دستوريا أو تشريعيا. ويقلل هذا الخيار من فشل العملية الانتقالية ويوفر الكثير من الزخم لإصلاح أجهزة الدولة «القمعية».
من المرجح أن يلقى هذا الخيار استحسان النظام السوري ومؤيديه، لكنه سيواجه معارضة من المجموعات الكردية التي تسعى لمزيد من الحكم الذاتي. أما بالنسبة لـ «المعارضة السنية العربية» ومن خلفها داعموها الأجانب، فإن هذا الخيار لن يكون مقبولا إلا إذا اقترنت اللامركزية مع تشكيل حكومة انتقالية.
٭ الخيار الثاني: إضفاء الطابع المؤسساتي على الإدارة المحلية، بحيث يؤول الحكم الذاتي إلى المستوى المحلي في كل الوظائف الحكومية الرئيسية بما في ذلك الشرطة والإدارات، ما يساهم في رفع مستوى النظام المعمول به في «المناطق المحررة» مثل درعا وإدلب والمناطق التي تسيطر عليها المعارضة في حلب وريف دمشق وحماه واللاذقية. ومن شأن استمرار وقف القتال أن يسمح لهذا النموذج بالتحول إلى مزيد من المدنية ويمكن أن يطبق في مناطق سيطرة النظام كذلك. ولا يتطلب هذا النهج أي تغييرات في التقسيمات الإدارية، بحيث تؤول السلطة الفعلية إلى المجالس المنتخبة التي تمثل المدن والبلدات عبر تعديلات قانونية.لكن التحدي الأبرز يكمن في «إخلاص» الإدارة المحلية للدولة المركزية وهو ما يمكن الدولة من منح الحكومات المحلية سلطات كالجمارك ومراقبة الحدود والانضمام للجيش الوطني للتصدي للتهديدات الخارجية، وفرض الضرائب على التجارة.
يواجه هذا النموذج العديد من التحديات، فسورية تمتلك تاريخا طويلا من السيطرة المركزية، لذلك فإنه ليس من الواضح إذا ما كانت القيادات المحلية قادرة على توفير الخدمات الأساسية وخدمات الحكم المختلفة حتى في ظل وجود دعم خارجي.
كما يفرض هذا النموذج تنازلات كبيرة من قبل النظام، ناهيك عن أن هذا النموذج يعزز خطر استخدام كل من الجماعات المتشددة ومنظمات المجتمع المدني القوة أو الرفاه الاجتماعي كوسيلة للحفاظ على السيطرة المحلية وزيادة القواعد الشعبية الداعمة لها. وبعبارات أخرى، فكرة الإدارة المحلية لا تضمن الوصول إلى إدارة معتدلة أو ديموقراطية.
لذلك، قد تحتاج القوى الخارجية إلى المساهمة بشكل فعال، وفي بعض الأحيان استخدام الجنود، لإنجاح كل منطقة محلية.
٭ الخيار الثالث: لا مركزية متفاوتة يمكن أن يجمع بين الخيارين الأول والثاني أو التوصل إلى اتفاق حول حصول الأكراد على حكم ذاتي.والسيناريو الأكثر وضوحا يكمن في أن تمنح «الكانتونات» الكردية في كل من عفرين والجزيرة وعين العرب، والتي أعلنت نفسها اتحادا قبل فترة، قدرا من الاستقلالية أو الحكم الذاتي، من دون أن ينسحب الاتفاق على المناطق السورية الأخرى التي ستظل تعمل تحت إدارة الحكومة المركزية.
وفي حال بقيت المناطق الكردية الحالية في حالتها، حكم ذاتي لم تعترف دمشق به، فإن النتيجة ستكون مشابهة للحالة التي مر بها الأكراد في شمال العراق في التسعينيات، حيث تحول استقلال الأكراد إلى أمر واقع في ظل ضعف النظام العراقي وفرض منطقة حظر جوي في إطار «عملية مراقبة الشمال».أما إذا قبلت الحكومة السورية المركزية بالاتفاق وضمنته في الدستور، سيكون الوضع مشابها للوضع الحالي القائم في العراق، حيث يتمتع إقليم كردستان بحكم ذاتي، لكنه يساهم في صناعة القرار على المستوى الوطني.
السمة الأساسية في هذا الخيار تكمن في التباين في تمتع الأكراد بحكم ذاتي من دون أن يتمتع به أي من «المعارضة السنية العربية» أو اي من الطوائف الاخرى.
على الرغم من كون هذا النموذج الأكثر ترجيحا، نظرا للتطورات الميدانية، إلا أنه يعتبر الأكثر إثارة للجدل، حيث يرفضه كل من النظام السوري و«المعارضة السنية العربية» وتركيا والدول الإقليمية التي تخشى من تداعياته على الأقليات لديها. ومن غير الواضح كيف يمكن إجبار الأكراد على التراجع عن قرار الحكم الذاتي.
٭ الخيار الرابع: لا مركزية متماثلة تقوم على منح الأكراد و«المعارضة السنية العربية» نوعا من الحكم الذاتي، بحيث تقسم سورية إلى ثلاثة أقاليم (مثلا، إقليم تابع للنظام وآخر للأكراد وثالث للمعارضة) تتمتع بأوضاع متساوية. ويتمتع كل إقليم بحرية التصرف في شؤونه الخاصة، ويكون مسؤولا عن جمع العائدات لتقديم الخدمات داخل حدودها، وإنشاء قوات أمن خاصة بها لحماية نفسها. ويلقى هذه النموذج، الذي ينظر إليه على أنه شكل من أشكال الفيدرالية، رفض كل من النظام السوري و«المعارضة السنية العربية» اللذين يصر، كل منهما، على تحقيق الانتصار الكامل. كما أن معظم الشعب السوري يعتبر الفيدرالية نوعا من المؤامرة الغربية التي تستحضر مخططات الاستعمار لتقسيم سورية إلى دويلات.
وتعارض معظم الدول الإقليمية هذا التوجه لأنه يبقي على النظام السوري والنفوذ الروسي والإيراني، كما تعارض تركيا، بشدة، إقامة دولة كردية مستقلة على حدودها، نظرا لتخوفها من انتقال العدوى إليها.
سواء استمر الأسد في الحكم أو رحل، وسواء تم توحيد الدولة السورية على الورق، فإن سورية ستبقى مقسمة بشكل كبير بين مناطق خاضعة لسيطرة النظام ومناطق خاضعة لسيطرة المعارضة واخرى لسيطرة الاكراد.
ونظرا لانعدام الثقة بين الأطراف المتحاربة، يستبعد أن تحقق أي من الصيغ الأربع المذكورة (أو أي تصور آخر) السلام الدائم في ظل غياب بعض الترتيبات لضمانات ورقابة دولية على شكل حفظ للسلام، من قبل القوى العالمية المشاركة في الحرب على سورية كالولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا والأردن.