Note: English translation is not 100% accurate
المسيحيون في لبنان... «الأزمة الوجودية» 4 أسباب.. و3 تيارات
3 سبتمبر 2016
المصدر : الانباء- بيروت
يبقى الهاجس الرئيسي هو ما رست عليه نتائج الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد أكثر من 16 عاما وضمور الدور السياسي للمسيحيين في لبنان منذ وضعت أوزارها، أي منذ عام 1990.
يعزو البعض ضمور هذا الدور: أولا: إلى اتفاق الطائف الذي قلص من صلاحيات رئيس الجمهورية وعدم تطبيق بنود أخرى منه بشكل متلازم.ثانيا: التأثير السلبي للوجود السوري في لبنان الذي كرس غلبة فريق على آخر.ثالثا: تنامي سيطرة حزب الله كقوة ذات انتماء خارجي تتحكم في زمام السياسة الداخلية والخارجية للبلاد وتسعى بشكل بات جليا إلى تغيير النظام السياسي الذي قام عليه لبنان منذ استقلاله. رابعا: ما رافق الحرب الأهلية من موجات هجرة من كل الطوائف اللبنانية طبعا، ولكن كان للمسيحيين النصيب الأكبر منها. إن ضمور الدور السياسي وحتى الاقتصادي - الاجتماعي للمسيحيين في لبنان بات مصدر قلق لهم بالدرجة الأولى، كما يقلق أيضا المسلمين أو قسما كبيرا منهم باعتبار أنهم مقتنعون بأن لبنان لن يبقى لبنان من دون دور مسيحي أساسي في حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
(...) اليوم، وفي ظل انتشار الفكر الديني المتطرف، بات الفكر الجماعي المسيحي على قناعة بأنه مهما فعل المسيحيون فسيبقون عاجزين عن تغيير نظرة المتشددين إليهم وتهديدهم لوجودهم.
وبمعزل عن صحة خطورة «فزاعة» داعش في لبنان من عدمه، لا نستطيع إزالة الخوف من نفوس المسيحيين وهم يشهدون ما يشهدون من قتل لأقرانهم في المنطقة.المسيحيون يهاجرون، ويتم ذلك ببطء، كنوع من نزيف داخلي خفيف.
جراء كل ذلك، تتنازع الساحة المسيحية في لبنان 3 تيارات لمواجهة هذه المشكلة الوجودية:
٭ التيار الأول والأكثر شيوعا هو فكرة تحالف الأقليات أي التحالف مع الشيعة، وبشكل خاص مع القوة الأكبر ضمن هذه الطائفة، أي حزب الله. فهم يعتبرون أن الخطر المحدق بهم حقيقي، وهم مجبرون تاليا على العمل بالوسائل كافة حتى لا يتعرضوا للمصير نفسه الذي تعرض له المسيحيون في الجوار. وهذا ما يفسر إلى حد ما حال التسامح غير المفهومة وغير المبررة تجاه نظام الرئيس بشار الأسد في سورية، على الرغم مما يفعله بحق الشعب السوري والممارسات التي سبق ان مارسها على اللبنانيين بعامة والمسيحيين بخاصة على مدى أكثر من 30 سنة متواصلة.
لهذا الخيار مخاطر عدة. فإذا قدر لهذا النظام بما يتلقاه من دعم إيراني وروسي أن يحكم منطقة معينة في سورية يصطلح اليوم على تسميتها بسورية المفيدة تضم علويين ومسيحيين وسنة متعاطفين معه، وإذا قدر لأصحاب هذا الخيار الإمساك بزمام السلطة في لبنان، فسيتحالف مسيحيو لبنان مع نظام سورية المفيدة هذه على حساب مجمل القوى السنية في سورية والمنطقة. وهذا يؤذن على المدى المتوسط والبعيد بحرب الـ 100 عام في الداخل اللبناني مع مجمل السنة والمسيحيين الذين ليسوا على الموجة نفسها، وبين لبنان والمحيط العربي السني. ويؤذن على المدى القصير بأن يصبح لبنان هدفا مركزا للتشدد العنيف. فتصبح نهاية الحرب في سورية بداية للحرب في لبنان.
٭ التيار الثاني يقول بالعلمنة ويعتبر أن المواطنة في ظل أنظمة علمانية هي الحل لكل الأقليات في المنطقة. فالمطلوب إذن هو تخلي المسيحيين عن مسيحيتهم كهوية، والدخول في بوتقة المواطنة الجامعة التي تعطي للجميع الحقوق نفسها وتفرض عليهم الواجبات نفسها. الرد على هذا التيار يأتي من بعض المشككين في إمكانية أن يتخلى المسلمون بدورهم، المسلمون بعامة وليس المتشددون منهم فقط، عن إسلاميتهم كهوية على غرار المسيحيين ليدخلوا سياسيا واجتماعيا، لاسيما في مجال الأحوال الشخصية، في بوتقة المواطنة.يعتمد هؤلاء في الدفاع عن وجهة نظرهم بفشل محاولة المسيحيين في العالم العربي بعامة ولبنان بخاصة بعد أفول السلطنة العثمانية في العشرينيات من القرن الماضي، في حمل لواء العروبة كانتماء يستند اليه لقيام أنظمة سياسية تساوي بين مواطنيها بغض النظر عن دينهم أو طائفتهم.يضاف إلى ذلك تنامي الفكر الديني المتطرف والذي ألقى بظلاله على بعض المجتمعات اللبنانية لاسيما المهمشة منها، ما يجعل خيار العلمنة وفكرة المواطنة الشاملة بعيد المنال في الوقت الراهن.
٭ التيار الثالث تعبر عنه الرؤية المسيحية التي تستلهم وتؤمن بدولة المواطنة، إنما تعتبرها مرحلة متقدمة ينبغي النضال لتحقيقها. وعليه، ينادي هذا التيار بضرورة الإبقاء على الطائفية السياسية في لبنان في ظل الظروف الداخلية والإقليمية ليحافظ المسيحيون على وجودهم فيه وعلى امتيازاتهم.الهاجس الأكبر اليوم هو المحافظة على الوجود أولا بانتظار تغير الظروف مستقبلا للمشاركة بشكل فعال في طرح قضية المواطنة. والمحافظة على الوجود لا يتم إلا عبر تكتل المسيحيين ضمن جماعة واحدة لها رؤية واحدة. لعل تراجع حماسة «القوات البنانية» لتفعيل قوى حركة 14 آذار ودورها والتفاهم مع التيار العوني مؤشر ينبغي الالتفات إليه. وأمام هذا الرأي مخاطر وعقبات عدة، أولها الانزلاق مجددا نحو هاوية الانعزال المسيحي الذي حصل مرارا بدءا بأحداث عام 1958 وصولا إلى الحرب الأهلية.سام منسي ـ كاتب ومفكر سياسي. (المصدر ـ جريدة النهار اللبنانية)