فاجأ العماد ميشال عون الكثيرين في الآونة الأخيرة ومرتين على الأقل:
الأولى: عندما أدخل تعديلا ملحوظا على أسلوبه وأدائه السياسي والإعلامي، بأن نأى بنفسه عن الأضواء والتزم الصمت وأخذ جانب الحيطة والحذر ووضع «انفعالاته» جانبا وعندما قرر الخروج عن صمته فعل ذلك بهدوء وبلغة سياسية مرنة أظهر فيها قدرته على تدوير الزوايا والمشي بين النقاط، والمفارقة هنا أن عون تحول من الانفعال الى الهدوء، فتفادى الدخول في مواجهة مباشرة مع بري وفي سجال مباشر مع فرنجية، في وقت يتحول بري وفرنجية الى مواجهة مفتوحة مع عون ويتخليان عما عرفا به من هدوء وديبلوماسية ومرونة.
الثانية: عندما أجرى تغييرا في مساره السياسي لهذه المرحلة، الذي كان مسارا تصعيديا ومسار مواجهة من الحكومة الى الحوار فالشارع، وأصبح مسارا احتوائيا وتراجعيا وهذا التبدل حصل بعد عودة الرئيس سعد الحريري حاملا «مبادرة جديدة في الملف الرئاسي» ومحدثا تحولا في مسار الاستحقاق بإعطاء أولى الإشارات باتجاه استعداده للسير بانتخاب عون رئيسا للجمهورية.
العماد عون الذي يعبر عن ثقة مطلقة بـ«شخص وموقف نصرالله» ويعبر للمرة الأولى عن ثقة مترسخة بـ«موقف د.سمير جعجع الرئاسي»، لديه ثقة بالموقف الجديد للرئيس سعد الحريري متجاوزا الخيبات والنكسات السابقة بعدما كان أعطى الحريري المبررات والأسباب المخففة متفهما ومقدرا ظروفه في عدم تنفيذ ما كان تعهد به سابقا، ومحاولا مساعدته هذه المرة على مواجهة هذه الظروف التي تضغط عليه في الداخل والخارج.
في لقائهما في الرابية الذي كان ختام الجولة الأولى من المشاورات الداخلية، عبر الحريري عن توجه واضح لديه بأن يسير بانتخاب عون رئيسا ولا يرى حاليا إلا هذا الخيار لإنهاء أزمة الفراغ الرئاسي، ولكنه عبر من جهة أخرى عن حجم الضغوط والمشاكل التي يواجهها وطلب من عون مساعدته خصوصا في مجال تطمين الطائفة السنية وتسهيل مهمته في إقناع جمهوره وحلفائه والسعودية بخياره الجديد عبر رسائل إيجابية تركز على المسائل التي تشكل هواجس ومصادر قلق لدى الحريري، وتشكل نقاط ضعف وثغرات في مشروع عون الرئاسي.
ويمكن القول إن إطلالة عون الإعلامية كانت نتيجة مباشرة للقاء الرابية واستجابة سريعة لطلب الحريري، فاتسم كلام عون بالاعتدال وحفلت إطلالته بالرسائل الإيجابية، وخصوصا في اتجاه الحريري والطائفة السنية لجهة إعطاء تطمينات والتأكيد على النقاط التالية:
ـ الحريري يشكل التمثيل الأكبر في الطائفة السنية ومن الطبيعي أن يكون رئيسا للحكومة.
ـ الالتزام بدستور الطائف والميثاق الذي كان يحترمه الرئيس الشهيد رفيق الحريري في الحكم، والتزام الديموقراطية التوافقية. أما التصويت داخل مجلس الوزراء فهو استثناء وفي الحالات الحساسة.
ـ الجزم بأن التفاهم مع حزب الله ليس موجها ضد السنة، والإشارة الى ضرورة تبديد أي «تضليل» يطول علاقته (أي عون) مع الطائفة السنية.
ـ التزام مسؤولية الدولة عن أمن مواطنيها وأراضيها.
ـ الدفع في حال تبوئه رئاسة الجمهورية باتجاه إقرار استراتيجية دفاعية لتعزيز الوحدة الوطنية التي هي السلاح الأمضى للدفاع عن لبنان مكررا أن النقاش بشأن سلاح المقاومة ليس واردا في الوقت الراهن.
ـ تأييد حسن العلاقات مع الدول العربية، مع التشديد على أن المملكة السعودية تترك موضوع الرئاسة ليقرر المسؤولون اللبنانيون مصلحة بلدهم ولا تضع خيارا لرئيس جمهورية معين. هذا أقرب الى برنامج حكم وعون تحدث كرئيس للجمهورية وليس كمرشح منافس على رئاسة الجمهورية وإذا كان خص الحريري بأكبر كمية من رسائله الإيجابية، فإنه شمل كل الفرقاء تقريبا.
ما يحصل أن عون يساعد الحريري على إخراج الكرة من ملعبه لتستقر في ملعب الثنائي الشيعي. ولكن ليس بري وحده المحرج من مسار نقله من وضعية الهجوم الى الدفاع، ولكن حزب الله أيضا الذي يتصف أداؤه السياسي الداخلي في هذه المرحلة بالضعف والارتباك ويواجه وضعا ضاغطا ومحرجا وفريدا من نوعه من علاماته:
٭ التأييد الأول وغير المشروط للعماد عون يأتي من خصوم حزب الله: جعجع والحريري، والرفض الأقوى والعرقلة الأبرز لانتخاب عون تأتي من حلفاء حزب الله: فرنجية وبري.
٭ الحريري الذي كان حتى الأمس القريب متهما بأنه العقبة المتبقية أمام انتخاب عون، تخلص من عبء هذا الاتهام الذي تحول في اتجاه آخر، في اتجاه بري.
٭ المشكلة التي كانت حتى الآن مسيحية ـ سنية على الأقل من جهة عون، لم تعد كذلك أو أن حدتها تراجعت لتبرز الآن مشكلة مسيحية ـ شيعية، وفي أن بري هو الذي يقف حائلا دون وصول عون الى بعبدا.