شهدت عدة مدن عراقية في الآونة الأخيرة حملات مكثفة لتجنيد المقاتلين وإرسالهم إلى سورية للقتال هناك بشكل أثار قلقا واسعا داخل المجتمع العراقي.
وتجري عملية تجنيد الشباب العراقي من قبل الجماعات المسلحة للقتال في سورية منذ اندلاع الحرب هناك قبل أكثر من خمسة أعوام وحتى الآن بطريقة غير رسمية وبدون اذن الحكومة العراقية.
«مبارك لكم استشهاد ابنكم في حلب.. جثته في المستشفى حاليا.. وسنعيده لكم الى العراق في اقرب فرصة» بهذه الكلمات الموجعة تلقى أبو حسن من محافظة ذي قار جنوبي العراق نبأ مقتل ابنه حسن (20 عاما) في حلب. ولم يعلم أصلا بأن ابنه سافر إلى هناك.
ويقول ابو حسن الذي طلب عدم الكشف عن اسمه الحقيقي لأسباب أمنية لـ (كونا) «كان الأمر أشبه بالصاعقة فلم يستأذني احد بإرسال ابني الى القتال في سورية.. صحيح انه في العشرين من العمر لكنه مازال طفلا.. فشل في دراسته وغادرنا منذ اشهر الى بغداد للعمل فيها مع رفاقه هناك».
وأضاف «كان ابني قد ارسل لنا قبل أيام من استشهاده رسالة عبر الفايبر يقول فيها انه يتدرب على السلاح لصالح احدى الجماعات العراقية المسلحة وسيغادر الى سورية للقتال.. لم يكن لديه جواز سفر وكنا نظنه يكذب ليستفزنا لإرسال المزيد من المال اليه».
وذكر «لم يخطر ببالي ان يموت ابني بهذه الطريقة فهو لم يكن ملتزما دينيا ولم يكن يصلي ولا يصوم ولا يعرف أصلا اين تقع حلب على الخارطة».
وحسن هذا ما هو الا واحد من الاف الشباب العراقيين الذين يجندون من قبل الجماعات المسلحة العراقية للقتال في سورية.
ولا توجد احصاءات محددة بعدد المجندين العراقيين للقتال في سورية، إلا ان تسريبات إعلامية غير رسمية كشفت مؤخرا عن إرسال ثلاثة آلاف شاب عراقي خلال شهري أغسطس وسبتمبر الماضيين للقتال في الاجزاء الجنوبية من مدينة حلب.
ويقول احد المقاتلين العراقيين طالبا عدم الكشف عن هويته لـ (كونا) «لم يكن الامر صعبا ولا ممنوعا فقد تقدمت بطلب التطوع عن طريق احد مكاتب الاحزاب الاسلامية في جنوب العراق.. هم متعاونون جدا مع المتطوعين».
وردا على سؤال لماذا حلب وليس الموصل والانبار اليس الاولى القتال في بلدك ضد التنظيمات الإرهابية قال إن الأمر يتعلق بالمال ليس اكثر.
وأضاف «نحن نتقاضى في سورية 1800 دولار كل 40 يوما ومثل هذه الرواتب لا يمكن الحصول عليها اذا تطوعنا هنا للقتال في العراق».
واستدرك «ليس الجميع يقاتلون في سورية من اجل المال فهناك بالفعل من يقاتل بدوافع عقائدية الا انهم قلة مقارنة بالشباب المعدم الذين يذهبون للقتال من اجل الفين او ثلاثة الاف دولار يعودون بها الى الوطن للزواج او لفتح مشروع صغير».
وبين انهم ينقلون على شكل مجاميع الى معسكرات خاصة لتلقي تدريب أولي لا يستغرق اكثر من عشرة ايام قبل نقلهم الى سورية للقتال هناك.
وعن الجهة التي تدفع لهم المال قال انه لا يعرف تماما من يمول أولئك المتطوعين لكنهم يتقاضون رواتبهم عند العودة في الاجازة كل 40 يوما.
بدوره قال متطوع آخر أصيب في سورية وتوقف عن الذهاب للقتال فيها ان الامر الإيجابي انهم يدفعون الرواتب بانتظام الا انهم يتخلون عن دعمك ماليا اذا ما أصبت في المعارك او قتلت.
وفي هذا الصدد أعربت عضو مجلس محافظة ذي قار في جنوبي العراق هدى عبدالزهرة عن «اسفها الشديد» لقيام الفصائل المسلحة بإرسال مقاتلين عراقيين دون السن القانونية للقتال في سورية علما بان معظمهم غير مؤهلين للقتال في حرب الشوارع التي يشهدها ذلك البلد.
وبينت ان العديد من هؤلاء يقتلون ويتركون دون ان يخليهم احد او يجرحون ويتركون بدون رعاية صحية لتتكبد اسرهم بعد ذلك عناء معالجتهم ورعايتهم.
وطالبت الجهات المختصة في بغداد بمتابعة هذا الملف والتأكد من هوية الحركات التي تقوم بتجنيد الصبية في الوقت الذي يحتاج العراق فيه لأبنائه للدفاع عنه.
من جهتها تنفي الجهات الحكومية العراقية الرسمية مسؤوليتها عن تجنيد الشباب للقتال في سورية وتؤكد ان الامر يتعلق برغبات المتطوعين الشخصية.
ووسط كل ذلك يبقى اللافت في الامر انك لا تجد بين صور «القتلى» المعلقة في شوارع بغداد ومدن جنوب العراق من يكتب على صورته انه «استشهد» في سورية إلا ما ندر أمر يبرره البعض بخشية الجماعات المسلحة من نقمة شعبية اذا ما كشفوا للجمهور عن حجم خسائرهم المبذولة لصالح النظام السوري فيما يراه آخرون بأنه خشية أولياء الامور من نظرات العتب التي ترمقهم متسائلة «هل أضعت ابنك من اجل الدولارات».