لم ينتظر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وصول صديقه الرئيس الاميركي الجديد دونالد ترامب الى البيت الأبيض وتسلم سلطاته، ولم يتأخر في استغلال الفترة الانتقالية في الولايات المتحدة، فترة الفراغ وغياب القرار، ليفرض أمرا واقعا على الأرض بحسم معركة حلب، ويستتبعه على الفور بأمر واقع سياسي لجهة وضع خارطة طريق لتسوية الأزمة السورية تحت مظلة الدول الثلاث التي لها وجود وتأثير في الميدان السوري وهي روسيا وتركيا وإيران.
والخطوط العريضة لهذه التسوية وردت في «إعلان موسكو» وأبرزها:
ـ وقف إطلاق نار شامل على الأراضي السورية واستهداف الفصائل الإرهابية التي تعيق وقف إطلاق النار.
ـ التوحد ضد تنظيمي «داعش» و«النصرة» وعزل الأخيرة عن فصائل معتدلة وإسلامية قريبة الى تركيا، ووقف الدعم الخارجي لكل المسلحين والميليشيات.
ـ توازي العملية السياسية مع محاربة الإرهاب (وليس إعطاء الأولوية للعمل العسكري على السياسي).
ـ البحث في كيفية انضواء الفصائل المعتدلة للمعارضة في الجيش السوري النظامي أو التنسيق معه.
ـ الإقرار بمبدأ بقاء النظام السوري وعدم طرح مصير الرئيس السوري بشار الاسد على بساط البحث.
ـ على أن يكون المجال مفتوحا للأخذ والرد في هذا الموضوع في فترة المرحلة الانتقالية ومدتها سنتان.
إذا التسوية فحواها أن الرئيس الأسد باق، والنظام باق، والأولوية هي لإطلاق عملية سياسية تجري تغييرات وإصلاحات عسكرية لاستعادة متدرجة للأراضي ومناطق النفوذ السورية وإصلاحات سياسية متدرجة لا تهدد استقرار النظام ومحاربة الإرهاب... وجرى الاتفاق على استضافة حوار سوري- سوري في الأستانة (كازاخستان) لتصبح منصة دولية بديلة عن جنيف أو موازية لها، وليصبح «إعلان موسكو» مرجعية بديلة عن المرجعية الدولية، مرجعية الأمم المتحدة والقرار ٢٢٥٤ الصادر عن مجلس الأمن.
وهكذا، فإن معركة حلب هي آخر المعارك الكبرى، ولابد «ما بعد حلب» من الجنوح الى وقف القتال بعد تبادل التهجير والذهاب الى المسار السياسي.
«إعلان موسكو» الثلاثي (روسيا- تركيا- إيران) أزعج ثلاث قوى دولية:
١ ـ الولايات المتحدة التي حيدت عن المسار السياسي الجديد، ويزعجها أن تصبح التسوية والمفاوضات تحت إشراف روسي وليس تحت إشراف أممي.
ولكن واشنطن لن تكون معترضة على خطة روسيا المنبثقة عن ميزان القوى الجديد في سورية، ولا بديل عنها واقعيا.
فالولايات المتحدة تركت الملف السوري لروسيا وجعلت نفسها غير ذات تأثير على الوضع في سورية، ما عزز الدور الروسي في المنطقة.
٢ ـ دول الخليج التي وضعتها تركيا في أجواء ما جرى في موسكو، ولكنها تجد نفسها خارج دائرة التأثير على المجريات الميدانية والسياسية، وأنها أخرجت من المعادلة السورية بشكل أو بآخر.
٣ ـ الدول الأوروبية التي قابلت «إعلان موسكو» بفتور ظاهر وشعرت أنه لم يعد من لزوم وحاجة لدورها وجهودها في وجود تركيا وإيران في صف الشراكة مع روسيا حول وضع إطار الحل السياسي، ثم «ضمان» اتفاق النظام والمعارضة على صياغته»... والرئيس بوتين الذي كان دعا الأوروبيين لشراكة كهذه من دون أن يلقى حماسة وتجاوبا، تحول في اتجاه تركيا لتوليد صفقة أساسها مصادقة أردوغان على تسليم حلب مقابل سماح موسكو بالعملية العسكرية التركية شمال سورية.
وبعد معركة حلب أصبح الاتفاق الروسي- التركي ثلاثيا بانضمام إيران إليه، وساعد شعور الأطراف الثلاثة بامتلاك عناصر القوة والتقدم في الميدان وعلى الرغم من تعاكس الأجندات في صدور «إعلان موسكو» الذي يشكل أرضية تسوية سياسية مقبلة.
وهذا التنسيق الثلاثي المشترك أدى الى تحييد التجاذب الروسي الغربي.
لكن يبقى التساؤل حول قدرة هذه الدول الثلاث على تحييد خلافاتها جانباً، إذ بدا واضحاً في المؤتمر الخلاف التركي- الإيراني حول اعتبار حزب الله من المنظمات الإرهابية التي يجب وقفها في سورية فيما بدا أيضا خلاف بين روسيا وإيران التي كانت تريد الحسم العسكري ومتمسكة ببقاء الاسد حتى النهاية.