الواضح أن الرئيس فلاديمير بوتين عزز تفاهمه مع تركيا أثناء معركة حلب ثم في ضمانهما وقف النار. وهو يعول على دورها في إقناع المعارضة السياسية والمسلحة بالمشاركة في المسار السياسي. لكن هذا التفاهم الثنائي عكس تضاربا بين موسكو وإيران يتعمق أكثر وأكثر. الأخيرة انتقدت موافقة روسيا على القرار الأخير لمجلس الأمن الخاص بحلب. وكانت عارضت التفاهم الروسي - التركي على خروج المقاتلين من عاصمة الشمال السوري إلى أن شمل بلدتي الفوعة وكفريا الشيعيتين. وعبر «الحرس الثوري» وحلفاؤه عن اعتراضهم على دعوة فصائل عسكرية معارضة إلى العاصمة الكازاخية، فضلا عن دعوة مفتوحة إلى قوى أخرى بينها قوى عربية داعمة للمعارضة. وهو ما تحرص عليه روسيا على عدم وصمها بالوقوف في وجه السنة عموما في الإقليم، علما أن دعوة الفصائل المقاتلة إلى أستانا بدعم تركي تشكل اعترافا صريحا بهذه الفصائل من جانب جميع المشاركين وفي مقدمهم النظام وإيران. لذلك يواصل هذان الطرفان خرق وقف النار. ويصعدان خطابهما بوجه تركيا، مرة بدعوتها إلى سحب قواتها من الشمال السوري ومرة بالتهديد بحملة لاستعادة إدلب وريفها.
والواقع أن الهوة واسعة بين أجندات «الحلف الثلاثي». موسكو لا تشعر بأنها حققت القسم الأكبر من استراتيجية تدخلها في بلاد الشام فحسب. بل تستعجل الخروج وبيدها إنجاز كبير يتيح لها استثماره في السياسة، سواء مع الولايات المتحدة أولا ثم مع تركيا وأوروبا ومع دول الخليج أيضا بإصرارها على المسار السياسي اليوم. أي أنها ليست في وارد مواصلة حرب ستطول لتحقيق نصر عسكري ناجز. وليست مستعدة للمجازفة والغرق في مستنقع مشابه لما حل بالسوفيات في أفغانستان، أو حتى لما حل بالأميركيين في العراق. وقد حقق لها التفاهم مع أنقرة خروجا للمقاتلين من حلب وحفظ بعض ما يمكن أن يحافظ عليه وسط الحملة التدميرية التي قادتها هناك. وهو التفاهم نفسه الذي سيوفر لها الانسحاب التدريجي من المستنقع السوري. إنها تعول على قدرة تركيا على ضبط الفصائل المعارضة بعدما بات القسم الأكبر منها تحت رحمة القوات التركية ورعايتها في الشمال والشمال الغربي لبلاد الشام. ويشكل هؤلاء المقاتلون قوة عسكرية كفيلة بتعديل ميزان القوى مع الميليشيات التي ترعاها إيران. لذلك تنادي هذه بخروج القوات التركية من سورية لأنها لم تدخل بناء على طلب النظام. وهي رسالة جوابية على مطالبة أنقرة بوجوب خروج حزب الله وغيره من الميليشيات الشيعية الوافدة والمدعومة من طهران.
رسائل كثيرة تتوالى يوميا من قادة الحلف الثلاثي في سورية. مواقف متبادلة من أعلى القمة في كل من موسكو وطهران وأنقرة. بعضها ودي وبعضها الآخر يحمل في طياته صراعا خفيا. وثمة أوساط في المعارضة السورية تراهن على صدام مقبل بين روسيا وإيران. أو بالأحرى تأمل بقيام حلف ثلاثي بديل تحل فيه الولايات المتحدة محل طهران. وترى إلى مثل هذا التطور خطوة تعوضها الكثير من الخسائر التي منيت بها بعد استرجاع النظام مدينة حلب.
قوى سياسية تنتظر تولي الرئيس المنتخب دونالد ترامب مهماته، ليساهم في تقويض بعض دعائم هذا الحلف لعلها تستعيد ما خسرت من دور في الميدانين السياسي والعسكري. وما يبدل في ميزان النفوذ لمصلحة موسكو في سورية ليس الصدام المباشر مع طهران. فالرهان على ذلك ليس في محله. ما يحقق للمعارضة بعضا من آمالها هو تفاهم محتمل بين الإدارة الأميركية المقبلة والكرملين. فلا يخفى أن أجواء الوجوه الجديدة في إدارة الرئيس ترامب معادية لإيران، وتنذر بصراع مقبل معها. وهي لن تكون مرتاحة إلى أي صفقة بين الكرملين والبيت الأبيض. ما يعزز قبضة روسيا في سورية، ويرجح كفتها هناك، التفاهم على آلية لتنفيذ القرار ٢٢٥٤ تصدر بقرار عن مجلس الأمن تسمح بإطلاق المرحلة الانتقالية بتشكيل حكومة مشتركة تعد لدستور جديد يحمل تغييرات حقيقية سياسية وعسكرية، وتهيئ لانتخابات عامة ورئاسية. والإصرار على مواصلة الحل العسكري بلا مدد روسي لن يؤدي إلى الحسم الناجز. لن يتحقق ذلك في ظل المعطيات القائمة والتفاهم بين تركيا وروسيا.
النظام الإيراني قلق الى أبعد الحدود مما يجري، فهو لا يمتلك أدوات الضغط الكافية لعرقلة التوجه الروسي، لكنه في الوقت ذاته يدرك أن استمرار هذه الأمور ربما كان مقدمة لبلورة ملامح التفاهم الروسي ـ الأميركي على أرض الواقع، وهو تفاهم من شأنه أن يحد من النفوذ الإيراني في سورية. وهذا النفوذ الذي يتمثل في صيغة من تغلغل لافت في مفاصل الدولة والمجتمع ومساع لإحداث تغيير ديموغرافي يثير غضب السوريين جميعا وهواجسهم، وفي اتجاهات مختلفة.
روسيا تعد العدة لمؤتمر استانا، وستشاركها تركيا وإيران أيضا. وليس سرا أن حاجات حيوية قد جمعت بين هذه الدول في الوقت الحالي. لكن الأولويات والمنطلقات والمصالح متغايرة. كما أنه ليس سرا أن الجميع في انتظار الرئيس الأميركي المقبل. ولعل هذا ما يفسر الحرص الروسي على نيل مباركة مجلس الأمن، مقابل التأكيد على أن ما جرى وسيجري لن يكون بعيدا من الجهود الدولية لمعالجة الوضع السوري. ولكن يستشف وجود نزعة تستهدف تغيير قواعد اللعبة عبر استانا.