مؤتمر أستانا الخاص بالأزمة السورية يعد من النتائج المباشرة للتدخل الروسي في سورية، وترجمة عملية لـ«إعلان موسكو» ولمسار التعاون الثلاثي بين روسيا وإيران وتركيا، لا يمكن توقع الكثير من هذا المؤتمر، ولكن أهميته تكمن في أنه يدل على مسار جديد للوضع في سورية من دون أن يعني ذلك أن العملية السياسية ستصل الى اتفاق وحل للأزمة، وأن العمليات العسكرية ستتوقف، وأن وقف النار سيكون ثابتا وشاملا.
مشهد أستانا يعلن «بداية نهاية الحرب» في سورية، بداية متعثرة لـ«نهاية طويلة ومعقدة»، ومؤتمر الأستانا بغض النظر عن سقفه السياسي المنخفض وما تمخض عنه من نتائج هزيلة لم تتجاوز الاتفاق على وضع آلية لمراقبة وقف اطلاق النار، حفل بأمور ومؤشرات كثيرة تحدث للمرة الأولى:
1- انها المرة الأولى منذ بداية النزاع الدموي التي يجلس فيها ممثلون من النظام والفصائل المعارضة المسلحة حول طاولة واحدة.
2- انها المرة الأولى التي يتحرك فيها المسار التفاوضي خارج جنيف مع سعي روسي ـ إيراني الى إبعاد «الهيئة السورية العليا للمفاوضات» عن المسار الجديد.
3- انها المرة الأولى التي تكون فيها المفاوضات عسكرية أكثر منها سياسية، إذ يشارك فيها ضباط كبار من الجيش السوري ومسؤولون عسكريون من المعارضة، وتهدف بشكل أساسي الى تثبيت اتفاق وقف النار من دون التوغل في مبادئ الحل السياسي.
4- انها المرة الأولى التي لا يكون فيها دور وحضور لواشنطن في مفاوضات سورية تجري برعاية روسية ـ تركية ـ إيرانية، بعدما كانت واشنطن شكلت مع موسكو الطرفين الضامنين لاتفاقات الهدنة السابقة التي مهدت لجولات المفاوضات بين طرفي النزاع في جنيف.
5- انها المرة الأولى التي يكون فيها إقصاء وتجاهل للدور الأوروبي الذي تقوده فرنسا، وحيث يبدو أن الفرنسيين خصوصا والأوروبيين عموما لا يستطيعون اللحاق بالتطورات والتكيف معها، ومازالوا واقفين عند النقطة التي تقول بضرورة الاستناد الى بيان «جنيف ١» والى القرار الدولي رقم ٢٢٥٤ الذي يحدد مسار عملية الانتقال السياسي، ولديهم شكوك في شأن الغموض والنواقص التي تعتري عملية أستانا وغياب أجندة واضحة لها.
6- انها المرة الأولى التي يكون فيها هذا التناغم بين روسيا وتركيا في مقاربة الأزمة السورية وإيجاد حل سياسي لها.
فقد بذلت تركيا جهودا مركزة لإقناع المعارضة بالذهاب الى الأستانا ولتشكيل وفدها على أسس جديدة.
وربما تكون في حساباتها أن مؤتمر الأستانا سيعزز مسار تباين روسي ـ إيراني بدأ يظهر في سورية، وأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ستنتهج سياسات في سورية تشجع التعاون التركي ـ الروسي على حساب إيران، وسينتج مطالبة إيران بإنهاء أذرعتها العسكرية في سورية.
7- انها المرة الأولى التي يظهر فيها هذا القدر من التباين في وجهات النظر بين روسيا وإيران ويخرج فيها الخلاف الى العلن، هذا ما حدث عندما وجهت موسكو دعوة الى واشنطن للمشاركة في المؤتمر رغم رفض طهران هذه المشاركة، وهذا ما ظهر في معرض التشديد الروسي على التزام وقف النار والإصغاء الى الشكوى التركية في شأن الخروقات الحاصلة من جانب إيران والميليشيات الحليفة.
إيران لا تريد أن تتحمل والنظام السوري مسؤولية أي فشل، وهي مرتاحة فقط الى الظروف المحيطة بهذه المفاوضات التي وصلها النظام قويا بعد سقوط حلب، وبإمكانه أن يضغط لفرض أجندته الداعية أولا الى وقف النار وتوحيد الجهود بين النظام والمعارضة لمقاتلة الإرهاب، أي «داعش» و«النصرة».