يستبعد تقرير لإدواردو ووكر على موقع «موسكو تايمز» أن يقوم الكرملين بتغيير سياسته في سورية قبل الانتخابات الرئاسية الروسية في مارس ٢٠١٨، ولكن في هذه المرحلة قد يبدأ الريس فلاديمير بوتين بالتساؤل عما إذا كانت التكاليف الطويلة الأجل للعمليات العسكرية الروسية في سورية تفوق فوائدها والمرتجى منها.
وفاقم التدخل عسر التقارب مع الغرب، كما جعل روسيا عدوا أساسيا للمقاتلين السنة المتطرفين، وحمل كثيرا من المعتدلين السنة على الاستنتاج بأن موسكو إلى جانب إيران وحلفائها.
ويترتب على التدخل أخطار أخرى إذا مضى بوتين قدما في سياسته هذه، وعلى سبيل المثال، قد تقرر واشنطن تحدي الجيش الروسي في سورية، وتنشر موسكو قوات كبيرة على طول حدودها الغربية الأوروبية، لكنها مكشوفة في سورية وشرق البحر المتوسط، وهذا ما سلطت الضربات الأميركية الأخيرة الضوء عليه. ونشرت روسيا منظومتي الدفاع الجوي «أس- ٣٠٠» و«أس - ٤٠٠»، ولكن مثل هذه الأنظمة لا يسعه ان يحمي الجزء الأكبر من الأراضي التي تسيطر عليها دمشق وحلفائها من صواريخ كروز أو الجيل الخامس من طائرات الشبح الأميركية، وأميركا قادرة على تهديد روسيا والرد عليها ردا رادعا في سورية.
وهذا يعني أن الرئيس دونالد ترامب يمكنه نظريا أن يحرج بوتين سياسيا من طريق توجيه ضربات أميركية على مواقع عسكرية سورية في الزمان والمكان الذي يختاره، حتى لو خاطر بقتل أو إصابة عسكريين أو مدنيين روس، وإذا عصفت بروسيا موجة من التطرف أو الإرهاب في الداخل، قد يلقي الرأي العام الروسي لائمة هجمات إرهابية على التدخل في سورية، والدعم الشعبي للحرب في سورية متدن.
وإذا ارتفعت وتيرة العمليات الإرهابية، وبخاصة إذا قام بها عائدون من ساحات القتال في سورية أو العراق، تضمحل حجة الكرملين القائلة بأنه من الأفضل محاربة الإسلاميين في الخارج عوض الداخل، فتهبط مستويات تأييد التدخل في سورية، وربما في نهاية المطاف، تؤدي إلى هبوط نسبة تأييد بوتين نفسه.
وتواجه روسيا مشكلة «عدم تناسب المصالح» أو «مصالح غير متكافئة» في سورية، فالبلد بعيد نسبيا عنها. ولم تكن معدلات التجارة بين روسيا وسورية يوما مرتفعة، وموسكو غير قادرة على المساهمة في إعادة بناء الاقتصاد السوري، أما المرفق الروسي للتزود بالوقود في طرطوس فليس محوريا في ميزان العمليات الروسية في البحر المتوسط (والعمليات هذه أهميتها محدودة في ميزان المصالح الأمنية أو الاقتصادية الروسية)، ولا يجمع تقارب تاريخي أو ثقافي بين السوريين والروس، والمصالح الاقتصادية والأمنية الأميركية والأوروبية والإيرانية والتركية في سورية أكبر من المصالح الروسية.
عاد التدخل العسكري الروسي في سورية على الكرملين بعائدات سياسية خارجية وداخلية بارزة، فأثبتت موسكو قدرتها على استخدام قوتها العسكرية بعيدا من جوارها القريب، وساهم التدخل الروسي في تعقيد الحملة العسكرية للتحالف الدولي ضد «داعش» في سورية، وفاقم إزعاج أوروبا حين إطلاقه موجات من اللاجئين، وجعل التدخل هذا روسيا لاعبا جيوسياسيا في الشرق الأوسط، وساهم في تعميق الخلاف بين تركيا وحلفائها في الناتو، وفي تعزيز شعبية بوتين في الداخل، لكن، وفيما خلا إعادة التموضع الجيوسياسي التركي، المرجح أن تكون المكاسب الروسية موقتة، ونتائج الحرب السورية مدمرة، وروسيا اليوم هي، عمليا، راعية دولة ضعيفة ومضطربة وبعيدة من مصالحها الأوراسية.