يرى محلل سياسي خبير في شؤون الشرق الأوسط في قراءة له للتطورات السياسية العسكرية الأخيرة (زيارة ترامب ـ قمم الرياض ـ معركة الحدود السورية ـ العراقية..) أن الصراع مع إيران لم يعد في المرتبة الثانية في سلم الأولويات الأميركية بعد الحرب على «داعش».
بات الهدفان في مسارين متوازيين معا.
والطريقة التي يدير بها الأميركيون وشركاؤهم في المنطقة معركة الرقة والحدود السورية - العراقية تسعى سلفا إلى رسم خريطة هذه الحدود.
لذلك لن يترددوا في توجيه ضربة ثانية إلى قوى حليفة للنظام في دمشق حاولت الاقتراب من قواعد تشغلها فصائل تدعمها واشنطن.
ولا يعني ذلك أن الإدارة ترغب في مواجهة ميدانية واسعة بقدر ما تريد توكيد سياسات أميركية تقليدية تقوم على استخدام القوة أو التلويح بها عصا غليظة من أجل تعزيز دور الديبلوماسية.
النشاط العسكري الأميركي في سورية رسالة واضحة إلى إيران.
وآخرها التصدي لتقدم ميليشياتها نحو قاعدة التنف والاستعداد لإقفال الحدود العراقية- السورية بوجهها.
ورسالة أخرى إليها في المحادثات بين واشنطن وبغداد لبقاء القوات الأميركية المنتشرة الآن في العراق في إطار الحملة على «داعش» بعد انتهاء هذه الحملة.
إنهما جرس إنذار صاعق لطهران.
لا يعني ذلك نهاية للدور الإيراني بقدر ما يعني أن «الفوضى الخلاقة» قد تستمر.
أي أن الحرب لن تتوقف لا في سورية ولا في العراق بعد تحرير الموصل والرقة.
من هنا تركيز قوات «الحشد الشعبي» على الاندفاع نحو غرب الموصل للاقتراب من الحدود مع سورية وتأمين الطريق لإيران بين البلدين، إذا تعذر عليها الإمساك بقاعدة التنف وانتزاعها من حلفاء واشنطن.
وهكذا بعدما بدت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة تقاتل إلى جانب «الحشد الشعبي» وقوات أخرى حليفة لطهران في العراق، هي الآن تتجه نحو تصادم حتمي.
ولا تعتمد واشنطن في هذه المواجهة على الجانب العسكري.
بل تغازل قوى سياسية في بغداد من أجل تعديل ميزان القوى.
ناهيك عن إقليم كردستان المستعجل الاستفتاء على الاستقلال، وهو ما قد يزيد الفوضى في المنطقة ويخلط الكثير من الأوراق.
أما جبهة درعا فلن يكون سهلا على «الحرس الثوري» وميليشياته انتزاعها من الفصائل السورية.
فلا الأردن يسمح باقتراب هذه الميليشيات من حدوده، ولا إسرائيل يمكن أن تتغاضى عن مثل هذا الأمر.
وهي ذهبت بعيدا في قنص كل مخازن أو قوافل السلاح الموجه إلى حزب الله، غير عابئة بموقف موسكو.
أما تركيا فلن تكون مرتاحة إلى السياسة الأميركية الجديدة، خصوصا في سورية.
ذلك أن إدارة ترامب لم تعبأ حتى الآن باعتراضاتها وتهديداتها من مغبة تسليح ميليشيات قسد «قوات سوريا الديموقراطية» والتعامل مع الأكراد ودعمهم.
بل تدخلت لحمايتهم من هجمات عسكرية تركية في مناطق التماس شمال سورية.
ووقفت قوة عازلة بين الطرفين.
ولعل أبرز ما يثير في التحرك الأميركي أن القوى الكبرى الأخرى في المنطقة، ستشعر بأن يدها لم تعد مطلقة فيه.
فما يسعى إليه الرئيس ترامب هو إعادة بلاده إلى صدارة الموقف والفعل في رسم خريطة العلاقات والمصالح في الشرق الأوسط.
وثمة قوى في المنطقة ستسعى إلى مواجهة أهدافها.
وليست إيران وحدها هنا.
هناك تركيا وروسيا أيضا.