تعترض إسرائيل بشدة على اتفاق وقف النار في جنوب سورية الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وروسيا خلال قمة العشرين في مدينة هامبورغ الألمانية، على رغم محاولات روسيا طمأنتها من أن موسكو وواشنطن ستأخذان في الاعتبار مصالحها، وستفعلان كل ما يلزم لمراعاة ذلك، عند إنشاء مناطق خفض التوتر في الجنوب السوري.
وأوضحت للأميركيين أنها تتحفظ عن أن تناط مهمة فرض وقف النار في مناطق التهدئة بالقوات العسكرية الروسية وحدها.
إسرائيل تعتبر أن الاتفاق بصيغته الحالية سيئ للغاية، فهو لم يتضمن كلمة واحدة واضحة عن إيران وحزب الله.
والاتفاق يبعد إيران مسافة 30 كيلومترا فقط عن الحدود مع إسرائيل، ما يعزز الوجود الإيراني على الحدود الشمالية لإسرائيل ويهدد مصالحها الأمنية.
وإسرائيل واعية لنوايا إيران التوسعية الجدية في سورية، خصوصا أن طهران ليست معنية فقط بإرسال مستشارين إلى سورية إنما أيضا إرسال قوات عسكرية كبيرة لإقامة قاعدتين بحرية وجوية تستخدمها الطائرات والسفن الإيرانية، وهذه خطوة تغير تماما صورة الأوضاع في المنطقة، وإسرائيل لن تسلم بوضع كهذا.
هذا الموقف يكشف خلافات حقيقية بين إسرائيل وكل من أميركا وروسيا، واحتجاجا إسرائيليا على أن الدولتين لم تأخذا في اعتباراتهما القلق الإسرائيلي من الوجود الإيراني ولم توافقا على مطلب إسرائيل باشتراط الاتفاق بإخراج القوات المدعومة من إيران من الأراضي السورية.
ولكن، مصادر ديبلوماسية مراقبة ترى أن التوافق الأميركي - الروسي على الترتيبات في الجنوب الغربي السوري هو انتكاسة لطموحات استراتيجية لإيران وحزب الله، وإسرائيل مستفيدة جدا من إبعاد إيران وحزب الله عن المنطقة المحاذية للجولان.
الأمر الذي بدوره لا يعجب إيران إنما اضطرت للرضوخ له تطبيقا للتفاهم الأميركي والروسي بأن الوجود العسكري غير السوري في الجنوب غير مقبول.
الأسس الثلاثة لسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سورية هي: تحرير الرقة من «داعش»، وضمان مصلحة إسرائيل الاستراتيجية، وقطع الطريق على مشروع الهلال الإيراني الممتد عبر العراق وسورية الى لبنان.
هكذا أكد أكثر من مصدر، نافيا تراجع إدارة ترامب عن العنصر المعني بإيران.
إيران في سورية يعتبرها ترامب مسؤولية روسية، ولذلك طهران قلقة من الأجندة الروسية ما بعد قمة ترامب - بوتين في هامبورغ وما سيليها من تفاهمات على الأرض، إنما هل إدارة ترامب قادرة على رغم تبعثرها على أن تقطع الطريق على مشروع الهلال الذي استثمرت إيران فيه غاليا؟
هناك من يحذر من التقليل من قدرات الولايات المتحدة الأميركية، وهناك من يحذر من الاتكال على التعهدات والوعود الأميركية.
أين مصير بشار الأسد من كل هذا؟ يقول أحد المصادر إنه «لا أحد يشترط زوال الأسد الآن.
وإزالة الأسد لاحقا ستكون عبر عملية سياسية».
مصدر آخر يؤكد أن «طبيعة النظام في دمشق تجعله غير قادر على تحمل التغييرات الآتية».
إذن، الأسد باق الآن والكلام عن رحيله عبر توافق أميركي - روسي يميز بين رحيل الأسد وبقاء النظام قد لا يكون بعيدا، إذا تمت الصفقة الصعبة.
وهنا أيضا تتضارب الآراء حيث يؤكد البعض أن العد العكسي الى الانتهاء من النزاع في سورية بدأ على أساس تدمير «داعش»، وتأمين خروج معقول للقوات الروسية، ومغادرة الميليشيات، وانخراط الأوروبيين في إعادة البناء، وعملية سياسية آتية تستعد لها الأمم المتحدة.
الرأي الآخر هو أن مرحلة ما بعد «داعش» ستطول وأنه لا استقرار آتيا قريبا الى سورية والعراق ما دامت إدارة ترامب في تخبط وتبعثر تبدو ساذجة أمام الحنكة الروسية - الإيرانية.
هذا البعض لا يوافق على أن إيران خاسرة، لا في سورية ولا في العراق.
يعتبر أن الجيوب الآمنة التي هي في نهاية الأمر عملية إضعاف للمعارضة السورية، إنما تريح إيران وطهران تريد توسيعها، وإن إدارة ترامب تقدم للعرب الكلام المعسول للمجاملة فيما هي تبارك وتتعايش عمليا مع امتدادات إيران في سورية والعراق.
يشير هذا البعض الى أن واشنطن ناشطة في دعم رئيس وزراء العراق حيدر العبادي، لكن مواجهة «الحشد الشعبي» فوق طاقته.
المعادلة الأميركية - الروسية تفيد، أولا، بأن الرئيس الأميركي الذي يتخبط في زوبعة داخلية تلو الأخرى بسبب تهم التواطؤ مع روسيا أثناء الحملة الانتخابية لم يتمكن بعد من الإمساك جديا بالخيوط المعقدة في السياسة الخارجية بالذات في منطقة الشرق الأوسط، حيث أركان إدارته في خلافات أساسية في شأن التكتيك والاستراتيجية.
وثانيا، تفيد تلك المعادلة بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يتباهى بإمساك زمام الأمور في المسيرة السورية منذ تحالفه مع إيران والنظام في دمشق، على أساس خطة نجحت في فرض ما يريده يجد نفسه اليوم غير قادر على تنفيذ استراتيجية خروج يحتاج اليها كي لا تصبح الأزمة السورية مشكلة روسية.