تسعى إيران لأن تكون القوى السياسية العراقية والقرار الاستراتيجي العراقي مواليا لها بأكبر مقدار ممكن، ومطابق لما بات عليه النظام السوري، أي أن يكون لإيران سطوة مركزية في العراق، وألا تظهر قوى عراقية معترضة على القرار الإيراني الاستراتيجي المركزي، خصوصا في هذه المرحلة التي من المتوقع أن تنشغل طهران بمنافسة أميركية على دورها في سورية والعراق.
وترى إيران أن القوى السنية التي كانت تعترض في شكل دائم على نفوذها في كلا البلدين، باتت بحكم المحطمة، وفوق ذلك يملك حلفاء إيران آليات وإمكانية غير بسيطة لتحطيم إمكانية نهوضها من جديد.
ولا تملك القوى السنية أي قدرة على إيجاد علاقات سليمة مع القوى الدولية.
بناء على ذلك بات الأكراد في شمال خط التماس، بهيمنتهم العسكرية وعلاقاتهم السياسية الإقليمية والدولية المشكوك فيها إيرانيا، يشغلون مكانة تقلق طهران، وذلك بحسب ما خلصت اليه مجمل آراء خبراء في الشؤون العراقية والكردية.
لقد كان إقليم كردستان العراق من قبل يسعى إلى أن يكون حالة توافق بين كل من تركيا وإيران، ونجح في ذلك طوال الأعوام بين ١٩٩١ و٢٠٠٣.
وبعد عام ٢٠٠٣، أضيفت الولايات المتحدة إلى هذا التوازن كلاعب داخلي.
لكن الأمر تغير تماما مذ بدأت الحرب على «داعش»، وتوسع الطموح الكردي فأصبح الاستقلال عن العراق أحد عناوينه.
وهنا بات الإيرانيون يشعرون بأن حليفهم الاتحاد الوطني الكردستاني يميل إلى التطابق في قراره الاستراتيجي مع الحزب الديموقراطي الكردستاني.
لكن الأمر أكثر تعقيدا في الحيز السوري، فالرؤية الإيرانية كانت تأمن للقوى العسكرية الكردية الرديفة لحزب العمال الكردستاني، لإدراكها بأن هذه الأخيرة لا يمكن أن تكون على علاقة مع التنظيمات السورية المعارضة والمرتبطة بتركيا.
والأمر عينه فيما يتعلق بإمكانية علاقتها مع الولايات المتحدة.
بالتواتر بنت قوات الحماية الكردية مناطق هيمنة واسعة، وبالمستوى ذاته وسعت من علاقتها التي قد تغدو استراتيجية، مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، خصوصا أن القوات الكردية باتت تمثل صورة المحاربين الأشداء للتطرف في الوجدان الأوروبي والأميركي.
وما يقلق الإيرانيين بالضبط في الحيز الكردي السوري هو المشروع الأميركي في تلك المناطق، أكثر مما تخشى من مشروع كردي بذاته، فهم يدركون عدم وجود إمكانية موضوعية لأن يحقق الأكراد السوريون شيئا شبيها بما حققه اكراد العراق، لكن القوى العسكرية الكردية هناك قابلة لأن تمشي في أي رؤية أميركية تؤمن لهم مستوى معقولا من الأمان والشرعية، في مواجهة إيران وتركيا والنظام السوري في الآن عينه.
ووفقا للمراقبين، فإن ثمة ثلاث ديناميكيات يمكن إيران أن تستخدمها في عملية مناهضتها للنفوذ الكردي غير المريح في سورية والعراق:
- أن تغرق خط التماس بسلسلة من الأزمات العسكرية، سواء بدفع الحشد الشعبي لأن يضغط على إقليم كردستان العراق، بحجة إعادة المناطق المتنازع عليها إلى السلطة العراقية المركزية.
- أو قد يصل الأمر حتى إلى تحريض الدولتين المركزيتين العراقية والسورية لمزاحمة تلك المنطقة عسكريا، لأنها القوى الشرعية التي يجب أن تحكم كامل البلاد.
- أو حتى بناء ميليشيات عشائرية ومناطقية سنية ودعمها مناهضة للاكراد.
ولا تطمح إيران إلى تحطيم النفوذ الكردي عبر هذه القلاقل العسكرية، كما فعلت مع القوى السنية، لكنها ستسعى لأن يأخذ الأكراد المصالح والاستراتيجية الإيرانية في حساباتهم جيدا، خصوصا في ترك أي أوهام بأن الولايات المتحدة تستطيع أن تستخدمهم كقوة مناهضة للنفوذ الإيراني في كلا الدولتين.
وعلى مستوى ثان، فإن إيران ستلعب على التناقضات الداخلية في كلا الساحتين الكرديتين.
وهي تملك حظا أكبر في إقليم كردستان العراق في هذا المجال.
وفي سورية، لا تملك إيران أي نفوذ على المجلس الوطني الكردي السوري، الطرف الكردي المناهض سياسيا لقوات سوريا الديموقراطية.
وتملك إيران خبرة غير قليلة في هذا المجال، فليس من حزب كردي إلا وله علاقات ومصالح وتداخلات مع إيران، التي كانت تاريخيا مناهضة للنظامين العراقي والتركي اللذين خاضت الحركة القومية الكردية معهما أشرس معاركها.
أخيرا، فإن لإيران أن تستفيد من شبكة المصالح الإقليمية المتضررة من هذا التمدد الكردي في كلا البلدين، خصوصا تركيا التي قد يمسها الأمر في صلب أمنها القومي، فهي وفق هذا التموضع الراهن، باتت محاطة بأكثر من ألف كيلومتر من الحدود المسيطر عليها من جانب أطراف كردية.
و بهذا المعنى، فإنه يمكن لإيران أن تعطي تركيا ضوءا أخضر في أي لحظة لتضغط على مناطق النفوذ الكردي في كلا البلدين، سواء كان اقتصاديا على كرد العراق، أو عسكريا على المناطق المسيطر عليها كرديا في سورية.
ولو استطاعت إيران إعادة بناء علاقتها الاستراتيجية مع تركيا على أساس أن النفوذ الكردي في كل من سورية والعراق يمس أمنهما القومي، فإن الأكراد سيجدون أنفسهم من جديد بين فكي كماشة.