إنهاء واشنطن برنامج دعم الثوار السوريين (وهو برنامج استفاد منه 20 ألف مقاتل، ومنهم مقاتلو مجموعات مثل «الفرقة 13» و«كتيبة حمزة» في الشمال الغربي والجنوب و«جيش أسود الشرقية» في الجنوب الغربي) هو إقرار براغماتي بواقع عسكري، وقرار أميركي بالتخلي عن سورية لروسيا. وأبرز نتائج هذا القرار خسارة واشنطن صدقيتها في أوساط حلفائها في الشرق الأوسط بحسب تقرير لمجلة «فورين أفيرز» الأميركية.
ولكن تطورات الحرب في السنوات الأخيرة، أي انفضاض الأردن وتركيا عن الحلف المعادي للأسد، زادت عزلة الثوار وقوضت أكثر فأكثر فاعليتهم. وعلى الجبهة الجنوبية، أخفقت مساعي الثوار في السيطرة على دمشق وعلى درعا والسويداء. والقتال على هذه الجبهة جمد منذ بدء التدخل الروسي في سبتمبر 2015، إثر اتفاق روسيا والأردن واميركا على وقف إطلاق نار في محافظة درعا. وأغلق الأردن الحدود في وجه تعزيزات الثوار وأمرهم بوقف المواجهات مع الجيش السوري، وهؤلاء اضطروا إلى الامتثال.
ومنذ اغسطس 2016، تقاربت تركيا مع روسيا، ولم تعد ترمي إلى إطاحة نظام الأسد بل إلى الحؤول دون إحكام «الاتحاد الديموقراطي» الكردي السيطرة على المنطقة الممتدة من عفرين في شمال غرب سورية إلى نهر دجلة، ومساحة المنطقة هذه نحو 500 ميل على الحدود التركية ـ السورية. ومقابل سماح الروس للأتراك بالتدخل في منطقة الباب في شمال شرق سوريا، والخطوة هذه تقطع اتصال المناطق التي يسيطر عليها الكرد، سحبت تركيا دعمها للثوار في شرق حلب في ختام 2016، فساهمت في هزيمتهم أمام النظام المدعوم من روسيا وايران. واليوم تؤيد أنقرة مشاريع إيران وروسيا لوقف إطلاق النار فيما يسمى عملية الأستانا. وتدعم تركيا مجموعات مثل «أحرار الشام»، وتحضهم على جبه «هيئة تحرير الشام» في إدلب، وعدم قتال الأسد. فأنقرة بتت أمرها، وترى أنها تحتاج إلى دولة مركزية سورية للحد من نفوذ «الاتحاد الديموقراطي» على حدودها الجنوبية.
وفي غياب دعم الأردن وتركيا، تكاد لا ترتجى فائدة من دعم الـ «سي.آي.إيه» ثوارا سوريين. وآخر عملية بارزة شنها هؤلاء على دمشق ووصلوا إثرها الى ساحة العباسيين في قلب العاصمة السورية قبل وقف الدعم. وفي شمال سورية، أطاحت «هيئة تحرير الشام» و«داعش» بالثوار ممن دعمتهم أميركا. وفي الجنوب، لم يشارك المعتدلون في هجمات «هيئة تحرير الشام» الأخيرة للسيطرة على درعا. وفي جوار دمشق، تساقطت بؤر الثوار، ولم تصمد سوى الغوطة الشرقية، ولن يغير وقف برنامج دعم الثوار السوريين توازن القوى في سورية لأنه لم يكن ذا تأثير باعتراف الاميركيين انفسهم، غير انه سمح لجيش النظام بالتقاط انفاسه والانصراف إلى جبه مجموعات الثوار في غرب سورية، وهم في الأغلب إسلاميون مثل «هيئة تحرير الشام» أو «جيش الإسلام». ولا يقيم الجيش السوري وزنا لمناطق التهدئة و«خفض التصعيد» في درعا والغوطة الشرقية، فهو يقتنص الفرص السانحة لينقض الاتفاق.
ويرى البعض ان وقف برنامج التسليح تنازل أميركي أمام روسيا. ولكن هذا الحسبان في غير محله. فواشنطن اليوم تعتمد على روسيا في كبح النفوذ الإيراني في سورية. وهي ترجح كفة انتشار قوات روسية في جنوب سورية على كفة انتشار حزب الله و«الحرس الثوري» في مناطق حدودية مع إسرائيل. وترى واشنطن وتل أبيب أن انتشار القوات الروسية هو أهون الشرور، على الرغم من أنه يقتضي تقديم تنازلات والنزول على مصالح روسيا. وعلى الرغم من أن دعم الثوار السوريين لم يعد يعتد به على المستوى الاستراتيجي، التخلي عنهم هو سابقة سيئة تجمع مع سوابق سلبية مثل انسحاب أميركا من العراق، وتنتصب قرينة على مقاربة واشنطن (السلبية) الحلفاء في الشرق الأوسط. وصار في وسع النظام السوري السيطرة على دير الزور في الشرق من دون أن يخشى هجمات في مناطق أخرى. وبذلك، تسلم الحدود العراقية ـ السورية إلى الإيرانيين وتطلق يدهم في إنشاء الممر البري الذي لطالما تاقوا إليه بين طهران والمتوسط. والقوى السنية المؤيدة لأميركا أضعف من أن تحول دون مثل هذه النتيجة.
ولا ترغب الميليشيات الكردية في «قوات سوريا الديمقراطية» في قتال النظام. واليوم تدرك هذه القوات، وتركيا هي خصمها اللدود، أن دعم واشنطن ليس مستداما وليس مضمونا. ويتساءل كثر من قادتها عما يلي سقوط الرقة وإطاحة «داعش». والأغلب أن يتبدد إذاك الدعم الأميركي مع انتفاء الحاجة إلى «قوات سوريا الديموقراطية» وتحول القوات هذه إلى مصدر خلاف فحسب مع تركيا، في وقت تحتاج واشنطن إلى تعاون أنقرة لضبط التوسع الإيراني في المنطقة. ومثل هذه الظروف قد يحمل «قوات سوريا الديمقراطية» على التقرب من روسيا وطلب حمايتها من تركيا.
والحق يقال، إن واشنطن تمنح الاسد وداعميه النصر. والأشهر المقبلة (إلى نهاية العام الحالي) ستشهد استعادة الجيش السوري شرق سورية، في وقت ان 2018 هو على الأغلب عام تدمير مخلفات جيوب الثوار في الغرب، وفي مناطق التهدئة ووقف التصعيد. ولا خيار أمام «قوات سوريا الديموقراطية» غير تسليم الرقة للأسد مقابل إدارة ذاتية غير رسمية في كانتوناتها (أقاليمها). ويبدو أن بوتين هو المنتصر الأكبر في الحرب السورية. فهو بعث القوة الروسية في الخارج مقابل كلفة مالية وبشرية بخسة نسبيا، وارتقت بلاده لاعبا بارزا في الشرق الأوسط. وتأمل أميركا أن يبرز شقاق في الحلف الروسي ـ الإيراني في سورية. ولكن قد يطول الأمر في انتظار وقوعه (الشقاق). وعلى خلاف إيران، لا ترغب روسيا في تعكير علاقاتها بإسرائيل. ولكن ثمة مصلحة تجمع بين طهران وموسكو. فبوتين يرغب في الاقتصاص ممن كان يحدد أسعار النفط ويدعم ماليا مجموعات إسلامية قيدت القوة الروسية في الشيشان، فيما تلتزم إيران الصبر بعد فوزها بهذه الجولة من فصول اللعبة الاستراتيجية الكبرى في الشرق الأوسط. والمنتصرون هم أصحاب استراتيجية متماسكة طويلة الأمد وهم قادرون على استمالة تعاون وكلاء محليين وحلفاء محليين. وفي هذا الميزان، تنتكص أميركا على عقبيها.