مع اقتراب هزيمة تنظيم داعش في سورية يضع النظام السوري نصب عينيه أراضي تسيطر عليها الميليشيات الكردية منها أكبر حقول النفط في شرق البلاد، بما يهدد باندلاع مواجهة جديدة قد تستدرج الولايات المتحدة إلى مواجهة جديدة مع روسيا أكثر عمقا وتعقيدا.
ويقول محللون إن الرئيس السوري بشار الأسد وحلفاءه الإيرانيين تشجعوا فيما يبدو بعد الصفعة التي تلقاها الأكراد في اقليم كردستان، منذ أن حشدت دول إقليمية جهودها ضد الاستفتاء الذي أجراه الإقليم على الاستقلال.
وبدأ يظهر النزاع بين قوات سوريا الديموقراطية «قسد» التي يهيمن عليها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة وبين النظام السوري المدعوم بإيران وروسيا.
اذ تأمل الميليشيات الكردية في بدء مرحلة جديدة من المفاوضات لدعم حكمها الذاتي في المناطق التي تسيطر عليها شمال سورية. بيد أن حكومة دمشق تؤكد على أحقيتها في السيطرة على المناطق التي انتزعتها «قسد» من داعش، وتعتبر أن الرقة، المعقل الرئيسي السابق للتنظيم «محتلة» إلى أن يسيطر عليها الجيش السوري فيما يمثل تحديا لواشنطن التي قدمت مساعدات هائلة لقسد في السيطرة على المدينة بعد أشهر من القتال.
وذكر مسؤول سوري وقائد عسكري غير سوري في التحالف الذي يقاتل دعما للأسد أن حقول النفط الشرقية التي سيطرت عليها قسد في أكتوبر، ومن بينها أكبر حقل في سورية، ستكون هدفا للنظام في محاولة لاستعادة الموارد اللازمة لميزانته.
وقال القائد العسكري غير السوري الذي طلب عدم نشر اسمه «الرسالة واضحة جدا لمسلحي سوريا الديموقراطية ولداعميهم في التحالف وعلى رأسهم أميركا أن كل الأراضي التي حرروها من داعش هي حق للدولة السورية ولا سلطة شرعية غير الشرعية السورية ولهذا صدر كلام رسمي من الدولة السورية عدة مرات كان آخرها موضوع مدينة الرقة».
وأضاف «وكذلك نقول هنا بخصوص ثروات الشعب السوري من آبار نفط وغير ذلك في المناطق الشرقية لن نسمح لأحد بأن يستمر بالسيطرة على ثروات البلد وعمل كانتونات أو التفكير بالحكم الذاتي».
وأفاد المسؤول السوري بأن قسد لا يمكنها الاحتفاظ بالسيطرة على الموارد النفطية. وقال المسؤول الذي تحدث لرويترز شريطة عدم الكشف عن هويته حيث أنه يعطي رأيه الشخصي «لن نسمح لهم».
ولم توضح الولايات المتحدة حتى الآن كيف ستكون طبيعة الدعم العسكري لقسد بعد هزيمة داعش وهي نقطة تتسم بالحساسية بسبب مخاوف تركيا حليفتها في حلف شمال الأطلسي.
وتعتبر أنقرة الميليشيات الكردية السورية تهديدا لأمنها القومي اذ تعتبرها امتداد لحزب العمال الكردستاني المصنف ارهابيا من قبلها.
وقد ساعد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي أقام عدة قواعد عسكرية في شمال سورية، قسد على تعزيز سيطرتها على حقل العمر النفطي الذي استولت عليه في الآونة الأخيرة في محافظة دير الزور.
وقال جوشوا لانديس الخبير بشأن سورية ورئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما «كثير من الناس سيقولون إن ذلك سيساعدهم في المفاوضات (السياسية) لكن بشرط بقاء الولايات المتحدة معهم وإلا فسيمنون بهزيمة ساحقة».
وأضاف «أعتقد أن الحكومة السورية بصدد التقدم صوب بعض من هذه الآبار النفطية بنفس الطريقة التي تقدم بها العراق للسيطرة على نفط كركوك.. وبذات الطريقة يعطي التقدم العراقي الجيش السوري قوة دافعة».
«درس» كركوك
وسيطر أكراد العراق على مناطق كبيرة خارج إقليمهم شبه المستقل خلال القتال ضد داعش. بيد أن الاستفتاء على الاستقلال الشهر الماضي أثار معارضة الغرب ومقاومة بغداد وأنقرة وحلفاء الأسد الإيرانيين لهذه الخطوة. وفقدت السلطات الكردية منذ ذلك الحين كثيرا من الأراضي التي استعادتها بغداد بما في ذلك مناطق منتجة للنفط حول مدينة كركوك.
وقال المسؤول السوري إن ذلك يجب أن يكون «درسا للأكراد في سورية كي يفكروا في المستقبل».
وتقول مصادر إقليمية إن عدم استعداد الولايات المتحدة لمنع القوات الحكومية العراقية، المدعومة من فصائل شيعية مسلحة، من استعادة كركوك بعث برسالة مشجعة للأسد وحلفائه الإيرانيين لاستعادة المناطق النفطية في سورية التي تسيطر عليها الميليشيات الكردية.
وتسيطر وحدات حماية الشعب الكردية، القوة المهيمنة في قسد، على ثاني أكبر رقعة من الأراضي السورية والتي تقارب ربع مساحة البلاد. ويقول زعماء الأكراد السوريون إنهم لا يسعون للانفصال.
وذكرت سياسية كردية كبيرة أن البيانات الحكومية الموجهة للمناطق التي يقودها الأكراد في شمال سورية متضاربة، مشيرة إلى أن وزير الخارجية قال في سبتمبر إن مطالب الأكراد بالحكم الذاتي قابلة للتفاوض.
وقالت فوزة يوسف في مقابلة بالهاتف مع رويترز «يقولون يوما ما إنهم مستعدون للتفاوض ثم ينفي شخص آخر هذا أو يدلي ببيان مناقض... أحدهم يعلن الحرب والآخر يريد التفاوض. ما هي استراتيجية النظام؟ الحوار أم الحرب؟»
وأضافت أنه بعد الهزيمة النهائية لداعش في دير الزور «سيدفع الوضع جميع الأطراف السياسية والمقاتلين لبدء مرحلة المفاوضات».
كما توغلت قسد في مناطق ذات أغلبية عربية، ومنها الرقة وأجزاء من دير الزور، حيث تعمل على تأسيس نموذجها من الحكم المحلي المتعدد الأعراق.
ويعتقد محللون أن الجماعات الكردية السورية قد تستغل المناطق العربية التي تسيطر عليها قسد كأوراق مساومة في المفاوضات مع دمشق.
وقالت فوزة يوسف «لا خيار آخر غير التفاوض... إما أن تبدأ مرحلة جديدة من التوتر والاستنزاف، وهو ما نعارضه 100%، أو تبدأ مرحلة حوار ومفاوضات».