تضرب رغداء ذات الأحد عشر عاما بكل قوتها كرة مطاطية نحو جدار في ملعب سكواش في عمان تحت أنظار مدربيها ووالديها، فهذه الطفلة السورية اللاجئة تتدرب تحت إشراف منظمة أميركية على أمل أن تشارك يوما ببطولات عالمية لهذه اللعبة.
رغداء واحدة من أربع فتيات سوريات لاجئات تتراوح أعمارهن بين 7 و11 عاما يجري إعدادهن منذ نحو عام ضمن فريق «سكواش دريمرز» للمشاركة في بطولات هذه الرياضة، وهن يتدربن حاليا في اتحاد السكواش الأردني في المدينة الرياضية وسط عمان. تشرف على فريق «سكواش دريمرز»، مدربة سورية لجأت هي أيضا الى الأردن.
ويقول القيمون على المشروع الذي تنفذه منظمة «ريكلايم تشايلدهود» (استعادة الطفولة) الأميركية غير الحكومية انهم يسعون الى تنمية مواهب الفتيات الصغيرات كي يصبحن لاعبات قادرات على المنافسة في البطولات العربية والدولية.
ومن شأن هذا المشروع أيضا أن يقدم صورة مختلفة عن الأطفال السوريين غير صور الموت والتشرد.
ولعبة السكواش ليست جديدة في الأردن، فهي ظهرت فيه قبل خمسين عاما، وفي العام 1983 تأسس الاتحاد العربي لهذه اللعبة في عمان، ونظم هذا البلد بطولات عربية وآسيوية عدة.
أمنية حياتي
تقول رغداء ذات الجدائل السوداء الطويلة التي ارتدت نظارات بلاستيكية لحماية عينيها وقميصا أبيض رسم عليه علم الأردن «أحب هذه اللعبة التي أمارسها كل يوم تقريبا وأمنية حياتي أن أسافر حول العالم وأشارك في بطولات عربية وأجنبية وأن أعود في يوم من الأيام الى بلدي سورية».
ورغداء هي واحدة من 336 ألف طفل لاجئ من سورية موجودين حاليا في الأردن، وفق احصاءات المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة.
وتؤوي المملكة نحو 680 ألف لاجئ سوري فروا من الحرب في بلدهم منذ مارس 2011 ومسجلين لدى الأمم المتحدة، يضاف اليهم بحسب الحكومة، نحو 700 ألف سوري دخلوا الأردن قبل اندلاع النزاع.
وقبل خمسة أعوام، فرّت عائلة رغداء المكونة من 7 اشخاص (أم وأب وخمسة اطفال) من مدينة حمص التي كانت تتعرض للقصف الجوي من قبل النظام، الى بلدة القريتين في ريفها الجنوبي، ومن ثم الى دمشق وبعدها الى محافظة درعا المجاورة للحدود مع الأردن، ومنها إلى مخيم الزعتري في الأراضي الأردنية.
لكن العائلة لم تحتمل الحياة هناك في خيمة، فتوجهت إلى ماركا في ضواحي عمان.
ويقول والد رغداء، نزار يوسف الحصرية الموظف الحكومي السابق «لو لم أقرر الفرار حينها، الله وحده يعلم ما الذي كان قد حلّ بي وبأطفالي الخمسة الآن».
ويضيف «لا افهم شيئا عن هذه اللعبة، ولكن يفرحني جدا منظر بناتي الثلاث وهن يلعبن السكواش وهن سعيدات وأتمنى أن أراهن في يوم من الأيام وقد أصبحن من بطلات العالم، هذه أمنية حياتي».
فريق الأحلام
يقول الأميركي كلايتون كير (32 عاما) مؤسس فريق «سكواش دريمرز» للاجئات السوريات في الأردن لوكالة «فرانس برس»: «حاليا لدينا أربع فتيات صغيرات ونتطلع لتوسيع الفريق ليصبح 15».
ويضيف «نتدرب خمس مرات في الأسبوع ويشمل التدريب تعلم اللغة الانجليزية كي يتمكن من المنافسة في البطولات سواء هنا في الأردن او حول العالم».
ويأمل كير أن يصبح هذا البرنامج «أردنيا تماما» وأن «يديره مدرب أردني وأن يستمر من تلقاء نفسه من بعدنا».
وهو يجمع التبرعات كي يتمكن من دفع ثمن المعدات والتدريب والتنقل، وتوفير تعليم اللغة الإنجليزية.
وتقول مدربة الفريق ريم نياز وهي سورية من دمشق لجأت الى الأردن مع عائلتها قبل نحو خمسة أعوام وتعمل حاليا في المنظمة انها تشرف على تدريب فريق الفتيات منذ نحو عام.
وهي تأمل أن يساهم هذا المشروع في إخراج الفتيات «من محنتهم وأوضاعهم الإنسانية والنفسية الصعبة».
أرفع رأس بلادي سورية
بعد خمس سنوات من النزوح، ما زالت الفتيات الصغيرات يحلمن بالعودة إلى بلدهن سورية ورفع اسمه في البطولات.
وتقول اللاعبة إيمان عطا الله الحسن (12 عاما) التي فرت مع والدتها وشقيقها الى الأردن قبل خمسة أعوام بعد وفاة والدها بجلطة قلبية «أمنية حياتي أن أشارك في بطولات حول العالم وان ارفع رأس أهلي وناسي وبلدي سورية».
ورغم ان طموحها الأول هو أن تصبح طبيبة إلا أن تعلقها بهذه الرياضة كبير جدا «لانها تجعلني اشعر براحة من خلال افراغ طاقتي وما في داخلي».
وتقول أمها منى محمد «لقد عانينا الأمرين كي نصل الى هذه اللحظة»، مستعيدة لحظة هربها من مدينة حمص عام 2012.
وتضيف «لم يتبق لنا شيء هناك حتى مدرستهم قصفت، لذا قررنا الهرب وبدء حياة جديدة»، وهي تنتظر الانتقال إلى الولايات المتحدة بعد ان قدمت طلبا بهذا الخصوص الى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.
وهي لا تفهم شيئا عن رياضة السكواش، لكنها تشعر بسعادة كبيرة حين ترى ابنتها «تتطاير كالفراشة هنا وهناك وتنفس عما في داخلها وتحاول أن تعيش حياة طبيعية كباقي البشر وأن تحقق اشياء عجزنا نحن عن تحقيقها في حياتنا».