- معركة أميركا الأساسية في سورية مع إيران لقطع طريق طهران ـ بغداد ـ دمشق
لا شيء انتهى في سورية العالق وضعها في دائرة «اللاحسم العسكري واللاحل السياسي»، وبعدما اعتقدت روسيا أنها قبضت على زمام الحل السياسي وفتحت الطريق أمام مؤتمر سوتشي، أقدمت واشنطن على خلط الأوراق من جديد مع الإعلان عن تشكيل «جيش» كردي قوامه ثلاثون ألفا مدرب تدريبا جيدا ومزود بأحدث الأسلحة لإحكام السيطرة على مناطق حدودية سورية مع العراق وتركيا وغنية بالثروة النفطية والزراعية، هذا التطور أشعل الغضب التركي وسرع في عملية تركية عسكرية للسيطرة على عفرين الواقعة بين الميليشيات الكردية «قسد» غير الداخلة في نطاق الحملة الأميركية، كما قوبل برفض من النظام السوري الذي قرر أن يتعامل مع الوجود الأميركي على أنه «احتلال» ومع الأكراد المتعاملين والمتعاونين معه على أنهم «خونة».
ثمة تقاطع بين أنقرة ودمشق ضد الأكراد لا يحجب ولا يلغي اصطدام المصالح على الأرض الذي يترجم في توجه الجيشين التركي والسوري كل في اتجاه: الأتراك هدفهم «عفرين» وانتزاعها من يد الأكراد، والنظام السوري هدفه «إدلب» وانتزاعها من يد المعارضة وفي وقت تسعى قوات الجيش السوري وحلفاؤه في ريفي حماة وحلب وفي محافظة إدلب لتطويق المدينة التي صارت مركزا لكل فصائل المعارضة، فإنها فتحت في الوقت نفسه معركة الغوطة الشرقية، فإذا لم تنجح خطة استعادة الغوطة عن طريق التسوية كما جرى أخيرا في «بيت جن»، فإن الحسم العسكري جاهز وإن كان مكلفا.
من الواضح الآن أن المشروع الكردي المدعوم أميركيا أضحى نقطة تقاطع أساسي بين «تركيا» و«سورية»، و«الكابوس» الكردي هو السبب المباشر في التباعد أكثر فأكثر بين ترامب وأردوغان، وفي التقارب أكثر فأكثر بين تركيا وكل من إيران وروسيا، ولكن أردوغان في وضع حساس للغاية وهامش المناورة لديه ضيق وخياراته محدودة: هو غاضب جدا من الدعم العسكري الأميركي للأكراد، ولكنه لا يستطيع إغلاق قاعدة «أنجرليك» احتجاجا، هو غير راض عن الاحتضان الروسي السياسي للأكراد وإشراكهم في مؤتمر سوتشي، ولكنه غير قادر على مقاطعة موسكو ومساري الأستانا وسوتشي، هو غير متقبل لفكرة بقاء الأسد، ولكنه يجد نفسه واقعيا أمام خيار التنسيق معه لوأد المشروع الكردي في شمال سورية، وماذا عن هذا المشروع وهل يلقى مصير نظيره العراقي الذي التقت ضده تركيا وإيران وتخلت عنه أميركا؟! أم أن حسابات أميركا في سورية مختلفة وبغداد ليست دمشق والنفوذ الإيراني في سورية غير مرغوب فيه ومطلوب تقويضه بخلاف ما هو عليه في العراق من رسوخ ومطلوب التعايش معه؟! والأهم أن واشنطن ليس لديها أداة وحليف على الأرض السورية إلا الأكراد إذا أرادت أن تستمر في اللعبة والمعادلة وأن تضمن مصالحها المستقبلية.
ووظيفة الأكراد لا تنتهي مع نهاية «داعش» وإنما تستمر في مرحلة ما بعد الحرب وكورقة تفاوضية أميركية عندما يحين أوان التسوية السياسية.
بعد استنفاد ذريعة محاربة «داعش» إثر هزيمته في الرقة ودير الزور للانتشار في وادي الفرات واحتلاله، بات الهدف المعلن للأميركيين مواجهة نفوذ إيران وحلفائها في سورية شرقي النهر، وصولا الى الحدود العراقية، والعودة مجددا للإشراف على طريق طهران بغداد دمشق بيروت، ولا تزال واشنطن تعتبر أن سورية ساحة رئيسية لاحتواء إيران في الشرق الأوسط، وفي سياق المؤشرات نفسها، أتى تشكيل الجيش الوطني الجديد شرق الفرات.
إن التجاذب الأميركي ـ التركي في سورية سيبقى ما بقي المشروع الكردي خط تماس، فحاجة الأميركيين إلى العامل الكردي لا فكاك منه، ما استمرت سورية ساحة مواجهة واحتواء لإيران، ومنع روسيا من الانفراد بالعملية السياسية.
وهي حاجة متبادلة مع الأكراد الذين لن يتخلوا عن الأميركيين قبل نضوج تسوية لمصلحتهم ولمنع عودة النظام إلى المناطق التي دخلوها بالتحالف مع المظلة الجوية والإمداد الأميركيين.
كما أن المظلة الكردية ستظل حيوية لبقاء الأميركيين في سورية، ومنها أيضا يستمد الأميركيون قوتهم لرفض أي حل سياسي، ومعارضة اجتماعات سوتشي كما قال ساترفيلد، لأنها تكرس الانفراد الروسي أساسا، وإلى حد ما التركي، والإيراني لرعاية الحل السياسي، كما ترفض أي حل يدمج الأكراد في أي عملية سياسية، تنزع منهم ورقة البقاء في وادي الفرات والشمال السوري، وهو ما لا تضيره كثيرا عفرين، إذا ما سقطت بيد الجيش التركي، بعيدا عن وادي الفرات.
الأتراك يستعجلون العملية غرب الفرات، إذ يمكن التحرك من دون الاصطدام بالأميركيين وحيث لا وجود لقواعد أميركية ولا لاستراتيجية لواشنطن غرب النهر ولا في إدلب، على ما قاله وزير الدفاع جيمس ماتيس في مؤتمر صحافي لقيادة الأركان الأميركية الشهر الماضي.
وقد يتحرك الأتراك بعد بروز مؤشرات متزايدة عن اتجاه الولايات المتحدة لمنح المزيد من الدعم الديبلوماسي بعد العسكري، للمشروع الكردي الفيدرالي في سورية، تحتل فيه عفرين الجناح الغربي لـ«كانتون» مرشح للتمدد نحو المتوسط كما يعتقد الأتراك، يجمع المراقبون على أن الأتراك لن يطمئنوا مادام للأكراد مناطق خاضعة لسيطرتهم في سورية، وخاصة لحزب الاتحاد الديموقراطي الذي تعتبره تركيا امتدادا لحزب «PKK» الإرهابي. ولا يخفي الأتراك نيتهم التدخل العسكري للقضاء على الكانتونات التي أنشأها الحزب بموازاة حدودها، وخصوصا في منبج ومدينة عفرين ومدينة الرقة، وإبعادهم الى القامشلي.
ويعرف الجميع أن التدخل التركي في إدلب جاء لوقف التمدد الكردي، والتعاون مع روسيا جاء مقابل تقليص روسيا دعمها للأكراد، ولكن المؤشرات الأخيرة أظهرت تجدد الخلافات بين الروس والأتراك بسبب إصرار الروس على دعوة ١٥٠ شخصية كردية الى مؤتمر سوتشي، بعضهم موالون للحزب الاتحادي، ويعتقد كثيرون أن القوات التركية تتحين الفرص للانقضاض على عفرين ومنبج ومناطق أخرى لا يحميها سوى وجود القوات الأميركية والروسية، والأرجح أن الموقف من الأكراد سيعيد ترتيب التحالفات ويقرب بين تركيا وإيران. يقف الأكراد السوريون أمام فرصة قطف ثمار ما زرعوه منذ بدايات الحرب السورية ربيع عام ٢٠١١، ولكن احتمال تغيير الموقف الأميركي وارد بقوة، بخاصة أن ساحة معركة الولايات المتحدة هي مع إيران، وهذا الأمر صعب للغاية أن تقوم به وحدات حماية الشعب الكردية. فالولايات المتحدة تركز جهدها لمنع طهران من ربط امتدادها في العراق وسورية عن طريق البادية السورية في المثلث الحدودي السوري ـ العراقي ـ الأردني، وأقامت مركزا في بلدة التنف الحدودية مع العراق، لتستخدمها لاحقا في مخططها لإقامة حاجز بين طرفي الحدود، ومنع خط طهران بغداد من الوصول إلى دمشق، ومن ثم الضاحية الجنوبية في بيروت.
ويبقى التخوف الكردي من لعبة مصالح الدول الكبرى التي خسر فيها الأكراد مرارا، وربما لن يكون آخرها اجتماع الدول المجاورة لإقليم كردستان العراق لرفض الاستفتاء الذي أجري في الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي، وأودى بمشروع الاستقلال.
الخطر الكردي مشترك لحكومات إيران، تركيا، العراق، وسورية، وعليه فإن الدول الأربع قد تتناسى كل خلافاتها البينية عند الوصول لمواجهة طموحات الأكراد القومية في هذه الدول.
لقاء سوتشي الأخير بين رؤساء روسيا، إيران وتركيا، والذي تلا لقاء الرئيسين الروسي والسوري يفتح باب التكهنات حول اتفاق الدول الأربع على مصير مناطق الفيدرالية المعلنة، والموقف الأميركي في حال حصل اقتحام تركي لمدينة عفرين، بخاصة أن المصالح الأميركية التركية متشابكة من جهة وجودهما في حلف شمال الأطلسي، وكذلك وجود قاعدة «أنجرليك» في تركيا، إضافة إلى التقارب التركي ـ الروسي الكبير في الآونة الأخيرة، والذي قد يدفع الأميركيين لاستمالة حلفائهم التاريخيين، والتنازل عن الورقة الكردية لمنع تركيا من الارتماء في الحضن الروسي.