بعدما قصفت قوات النظام مدينة دوما هذا الشهر في هجوم قالت الولايات المتحدة إنه شمل غاز الكلور، شنت واشنطن وحلفاؤها ضربات صاروخية عقابا على ذلك الهجوم.
ولم يحدث العقاب تغييرا يذكر في مسار الحرب، لكن الهجوم الذي يشتبه في أنه وقع بالغاز السام أحدث تغييرا.
فقد كانت المعارضة تسيطر على معقلها في دوما قرب العاصمة دمشق منذ سنوات على الرغم من الهجمات المتكررة، لكنها في غضون ساعات من هجوم السابع من أبريل الكيماوي بدأت تتقهقر.
وقال محمد علوش القيادي في جيش الإسلام إن الجماعة وافقت في نهاية المطاف على تسليم دوما والمغادرة إلى الحدود التركية تحت ضغط من السكان المحاصرين وفي ظل التهديدات الروسية بشن مزيد من الهجمات.
وبحلول الوقت الذي رد فيه الغرب وكان بعد أقل من أسبوع على الهجوم، انهارت المقاومة المسلحة في المناطق المحيطة بدمشق.
ونددت سورية وروسيا بالتدخل العسكري الغربي ونفى البلدان استخدام الأسلحة الكيماوية في دوما.
ووصفت موسكو الهجوم بأنه أكذوبة تم تلفيقها بمساعدة بريطانيا، في حين قالت الحكومة البريطانية إن كمية كبيرة من المعلومات، ومنها معلومات مخابرات، أشارت إلى مسؤولية النظام.
وأيا كان الذي حدث في ذلك اليوم، فقد أحدث تغييرا جذريا على الأرض.
وقالت جماعات إغاثة طبية إن عشرات المدنيين قتلوا وظهرت في تسجيل مصور تداوله نشطاء أجساد نحو 12 رجلا وامرأة وطفلا ممددة على الأرض في أحد الأقبية دون أي مظهر من مظاهر الحياة، وكانت الرغى تخرج من أفواه بعضهم.
وقال علوش إن وسطاء من الجماعة المعارضة عقدوا بعد ساعتين محادثات مع فريق يقوده ضابط كبير من وزارة الدفاع الروسية.
وأضاف علوش، لرويترز «جاء التهديد.. شفتوا (رأيتم) اللي صار في دوما ما في أمامكم إلا أن توقعوا وإلا يتم تنفيذ عدة ضربات ما بيبقى أحد في المدينة» وأنحى باللائمة على روسيا في مساعدة الجيش السوري على تنفيذ هجمات من أجل إنهاء حراك المعارضة المسلحة.
وتابع «وضربوا. ما استطاعوا انه ننهزم بسلاح عادي فما وجدوا أمامهم إلا الكيماوي».
وقال علوش إن رسالة السكان لمقاتلي المعارضة كانت واضحة: «ما عاد فينا نصمد إذا ما انتو خرجتوا إحنا رح نخرج للنظام.. المدنيين انهاروا من منظر الموت من الكيماوي». وأبلغ عضو بالمجلس رفض نشر اسمه رويترز بأن المدنيين قالوا إنه لم يعد بمقدورهم المقاومة نظرا للتهديد بمزيد من الهجمات. وأضاف «الكيماوي يحدث المزيد من الرعب».
ولا تزال مناطق مهمة من سورية بعيدة عن قبضة الأسد بما في ذلك شمال سورية بأكمله تقريبا وجزء كبير من الشرق وجزء من جنوب غرب البلاد وهي مناطق ستعطل المصالح الأجنبية فيها تحقيق المزيد من المكاسب.
لكن الأسد حقق مكاسب كبيرة في المنطقة المحيطة بالعاصمة. وسقطت الغوطة الشرقية لتصبح دوما آخر معقل كبير لمقاتلي المعارضة.
ويمثل سقوطها إنجازا كبيرا آخر. ونقل مقاتلو المعارضة بحافلات صوب الحدود التركية خلال الأيام القليلة المنصرمة.
ووفقا لقيادي في التحالف العسكري الإقليمي الذي يدعم الأسد فقد أدارت روسيا الهجوم على الغوطة منذ البداية بينما شنت الهجوم على الأرض قوات سورية خاصة.
وعندما بدأ الهجوم في فبراير قصفت المنطقة المحاصرة من الأرض والجو قبل أن يتوغل الجنود. ويقول المرصد السوري لحقوق الإنسان إن الهجوم أسفر عن مقتل أكثر 1700 مدني.
ومنيت الجماعات المسلحة في الغوطة الشرقية بالهزيمة تلو الأخرى وأجبرت على قبول الخروج من ممر آمن إلى أراض تحت سيطرة المعارضة قرب الحدود التركية في ظل الانقسامات بينها وضعف موقفها بسبب القصف الذي يعرف باسم «الأرض المحروقة».
لكن جماعة جيش الإسلام اعتقدت أنها تستطيع تفادي هذا المصير حتما رغم محاصرة القوات السورية لدوما، وقالت إنها تريد حماية المدينة وسكانها من عمليات التهجير القسري التي تفرضها عليها حكومة الأسد.
وقال جيش الإسلام، الذي كان أكبر جماعة مسلحة في الغوطة الشرقية، إنه حصن دوما بشكل مكثف مما يعني أن قوات الحكومة قد تدفع ثمنا باهظا لاستعادتها. وأكد أنه يستطيع الصمود بفضل مصانع الأسلحة التي بنتها خلال الحرب ووجود ما يكفي من الإمدادات لإطعام الناس لمدة عام. وخلال المفاوضات مع شخصيات عسكرية روسية ضغطت جماعة جيش الإسلام من أجل إبرام اتفاق يسمح بدخول الشرطة العسكرية الروسية وإبقاء الجيش السوري بعيدا مع السماح لمقاتلي الجماعة بأن يبقوا ويصبحوا جزءا من قوة أمن محلية.
وذكر علوش أن المحادثات كانت تسير بشكل طيب قبل الهجوم الكيماوي. وقد وعد الروس بدراسة مقترحات جديدة. لكنه أضاف أن رد روسيا في اليوم التالي جاء في صورة تهديد.. إما أن تواجهوا هجمات كيماوية أو ترحلوا إلى شمال سورية. وشهدت تلك الظهيرة أعنف قصف على دوما. وأظهرت لقطات بثها التلفزيون الرسمي على الهواء مباشرة تصاعد سحب كثيفة من الدخان الأسود من المدينة.
واتهمت الحكومة جيش الإسلام بقصف مناطق سكنية في دمشق والحنث بوعدها بالإفراج عن جنود أسرى ومدنيين كانت تحتجزهم.
ونفى مقاتلو المعارضة أنهم فتحوا النار. وقال القائد العسكري الموالي للأسد، والذي طلب عدم نشر اسمه، إن الجيش احتشد في السادس من أبريل استعدادا لهجوم محتمل بعدما نقضت جماعة جيش الإسلام اتفاقا لمغادرة المدينة وقدمت طلبات لم تكن مقبولة.
ومن بين تلك الطلبات تقنين وضع الجماعة كحزب سياسي وبقاء الجيش السوري خارج دوما. وقال القائد الموالي للأسد إن الروس كانوا غاضبين.
وأضاف «غضب الروس بشدة منهم... وسألوهم ما هذه الشروط المستحيلة؟».
وتابع أن موقف الحكومة السورية كان واضحا وتمثل في ضرورة توجه المعارضة إلى مدينة جرابلس الواقعة على الحدود مع تركيا.
وقال علوش والقائد الموالي للأسد إن الهجوم الذي أعقب ذلك سحق الخطوط الدفاعية لجيش الإسلام.
ومع تواصل الضربات الجوية كرر علوش طلب جماعة جيش الإسلام السماح لها بالبقاء في دوما لحماية أهلها.
وقالت الجمعية الطبية السورية ـ الأميركية إنه في مساء اليوم التالي بدأ ما يزيد على 500 شخص، معظمهم من النساء والأطفال، في الوصول إلى مراكز طبية في دوما وعليهم أعراض مشابهة لتلك الناجمة عن التعرض لغاز كيماوي.
وبعد ذلك بساعات بدأت المعارضة في الانسحاب.