تطوران إسرائيليان دفعا بالتوتر بين إسرائيل وإيران في سورية الى مستويات متقدمة، وساهما في تعزيز الاعتقاد بأنهما سلكا مسار تصادم ومواجهة، وأن اللعبة بينهما أصبحت مباشرة ودقيقة وعند حافة الهاوية:
٭ التطور الأول تمثل في غارات وضربات صاروخية هي الاعنف طاولت مواقع عسكرية سورية ـ إيرانية قرب حماة وحلب، وأدت الى وقوع قتلى بينهم إيرانيون، وهي المرة الثانية التي يسقط فيها إيرانيون، مستشارون برتبة عالية، بعد غارة استهدفت مطار «التيفور»... الهجوم استهدف مخازن أسلحة كبيرة بينها صواريخ أرض أرض في اللواء 47 بحماة.
٭ التطور الثاني تمثل في كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن «أدلة قاطعة حصلت عليها إسرائيل عبر اختراق استخباراتي وصلت بموجبه الى «الأرشيف السري» للبرنامج النووي الإيراني في ضاحية طهران الجنوبية، وهذه الأدلة تؤكد تضليل طهران للوكالة الدولية للطاقة الذرية حول عدم وجود مشاريع لتطوير رؤوس نووية... وبدا توقيت الكشف عن الأرشيف النووي الإيراني قبل أيام من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره بشأن بقاء بلاده في الاتفاق النووي أو انسحابها منه، بمثابة تمهيد لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، كما جاء استباقا لموقف الدول الأوروبية المعارضة لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق. والواقع أن المؤتمر الصحافي لنتنياهو عقد بالتنسيق مع الجانب الأميركي، غداة قيام وزير الخارجية الأميركي الجديد مايك بومبيو بجولة شرق أوسطية شملت السعودية وإسرائيل والأردن. والموقف الإسرائيلي حيال تمدد إيران في سورية يتقاطع مع موقف الإدارة الأميركية الحالية التي تعتبر أن الاتفاق النووي لم يعدل سلوك طهران الإقليمي، بل إنه شكل مناسبة وأداة لها من أجل المضي قدما في بسط سيطرتها على محيطها الإقليمي بشكل أو بآخر.
إذا كل المؤشرات تدل الى أن إسرائيل دخلت في مسار تصعيدي كبير لمواجهة التمدد الإيراني في سورية، وأن السباق الراهن هو بين الديبلوماسية الساخنة والمواجهة المستعرة التي حددت لها أميركا وإسرائيل عنوانا هو المشروع الإيراني التوسعي في المنطقة والبرنامج النووي السري.
كيف سترد إيران وأين لبنان في ذلك؟!
ترى أوساط في بيروت قريبة من إيران أن إسرائيل تجد نفسها معنية بتوجيه ضربات منتقاة، أولا لردع الإيرانيين عن تنفيذ وعيدهم بالرد على غارات مطار «التيفور» في حمص، وثانيا لإضعاف هيبة الإيرانيين وإظهارهم غير قادرين على الرد، وثالثا حشر الإيرانيين واستدراجهم الى رد فعل غير محسوب، يكون ذريعة لإدخالهم في سجال ناري في توقيت لا يبدو مناسبا لطهران. رابعا وقد يكون الأهم منع الإيرانيين ومعهم حزب الله من القيام بعملية عسكرية بالمشاركة مع الجيش السوري في جنوب سورية على حدود الجولان. وفي هذا الإطار تأتي الغارات الاستفزازية في هذه اللحظات الحاسمة حيث تنشغل القيادة الإيرانية في التحضير لردود الفعل المناسبة على الخطوات الأميركية التالية والتي يتوقع لها أن تنسحب من الاتفاق النووي. إيران تؤكد مجددا أنها سترد في الوقت والمكان المناسبين، ويرى محللون إسرائيليون في هذا المجال أن إيران تدرك تبعات أي ضربة توجهها الى إسرائيل، وهي محرجة ومحشورة في خياراتها وبينها أن ينفذ الضربة حزب الله عبر الحدود اللبنانية، أو أن تأتي على شكل صواريخ طويلة المدى تطلقها إيران من أراضيها، أو من خلال استهداف مصالح إسرائيلية في الخارج. ولكن الخيار الأول مستبعد، في ظل الاستحقاق الانتخابي الذي يشهده لبنان وتبعاته، حيث سيتم انتخاب برلمان جديد، وربما فضل حزب الله في هذه الفترة عدم الظهور كأداة بيد إيران. أما بشأن إطلاق صواريخ بشكل مباشر تجاه إسرائيل، فإن ذلك سيثبت خطورة المشروع الصاروخي الإيراني، ويزيد الضغوط الدولية على طهران. ولذلك فإن الجبهة السورية هي الخيار الأمثل بالنسبة لإيران في هذه المرحلة.
إسرائيل توحي بأنها اتخذت قرارها بمواصلة مهاجمة أهداف إيرانية في سورية حتى لو كلفها ذلك الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، وهي تستبعد الرد الإيراني وتراه احتمالا ضعيفا لأن الإيرانيين يدركون ضعفهم النسبي في المنطقة مقابل إسرائيل، وليس من مصلحتهم حاليا دفع إسرائيل لشن هجوم واسع ضد منشآتها وقواعدها في سورية.
مصادر ديبلوماسية فرنسية تتوقع في هذا المجال أن تكون إيران حذرة جدا إزاء افتعال أي تصعيد عبر حزب الله في لبنان لأنها مدركة أنها مستهدفة من الولايات المتحدة وربحت الكثير في سورية ولا تريد خسارة ذلك، لذا ترى أن حزب الله يتخذ مواقف متعقلة بأكثر من موضوع مثل المفاوضات بين لبنان وإسرائيل بإشراف «اليونيفيل» حول الخط الأزرق وبناء الجدار، إذ قال الحزب إنه سيتبنى موقف الحكومة.
كما أنه اتخذ موقفا متعقلا إزاء الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية الذي أعلن الرئيس ميشال عون أنه ينوي إطلاقه. باريس لديها حوار عبر سفارتها في لبنان مع أعضاء الحزب وهم يستمعون إلى ما تقوله الأوساط الفرنسية ليس حبا بالدولة الفرنسية ولكنهم مدركون خطورة الوضع ولا يتمنون أزمة مع إسرائيل وهم في حرب في سورية.