تقف المنطقة أمام تفاعلات استحقاقين كبيرين. قرع طبول الحرب بين إسرائيل وإيران وتوافر العناصر والشروط والظروف لهذه المواجهة الكبرى بين الدولتين نضجت، وانسحاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي.
هناك اعتقاد سائد بأن المواجهة بين إيران وإسرائيل حتمية لا مفر منها. لكن قراءة منطقية ودقيقة للأوضاع في كلا البلدين وللظروف المحيطة في الإقليم لا تقدم حوافز لاستعجال مثل هذا الاستحقاق. إسرائيل في وضع استراتيجي دولي مريح، فعلاقاتها مع الولايات المتحدة في أرقى درجات التنسيق والتناغم، وكذلك مع روسيا. ومثل ذلك وضعها على مستوى الإقليم أيضا. فخصومها الفلسطينيون والعرب عموما لا تحتاج أوضاعهم وظروفهم إلى شرح. فلا حاجة ملحة إذن إلى حرب واسعة مع طهران وأذرعها في المنطقة وصواريخها المخزنة من العراق إلى لبنان. فهي تعلن صراحة أنها ستنقل النار إذا اندلعت إلى قلب الجمهورية وأراضيها إذا تلقت بعض هذه الصواريخ. ولن تكتفي بمقارعة حلفاء طهران في الأراضي السورية واللبنانية والفلسطينية.
وفي المقلب الثاني، لا مصلحة للقيادة الإيرانية في شن حرب واسعة، فيما تخوض مواجهات ومعارك ميدانية على أكثر من جبهة، في اليمن والمشرق العربي عموما، تستنزف جهودها واقتصادها وتشتت قواها. مثلما تواجه ضغوطا دولية واسعة تقودها الولايات المتحدة لتعديل الاتفاق النووي، وإرغامها على تغيير سلوكها وسياساتها في الشرق الأوسط وفرض قيود على برنامجها الصاروخي. ولا تخفي مشاعر الريبة من احتمال تخلي حليفها الروسي عنها إذ قد يجد فائدة في تقليص نفوذها في بلاد الشام. كما أن نقل إسرائيل النار إلى داخل إيران، في ظل أوضاعها المضطربة، وانخراط الولايات المتحدة في صورة ما في هذه الحرب لمساعدة حليفتها الاستراتيجية، يهددان النظام وبقاءه. وربما شجعا أطرافا داخلية وخارجية على خطوات تغيير كبرى.
على أرض الواقع، تغيرت قواعد الاشتباك في المنطقة، فبعدما أكدت إسرائيل أن ضرباتها تهدف منع تحول سورية إلى قاعدة أو جبهة أمامية لأي تحرك إيراني ضدها، شددت على أن عملياتها العسكرية في سورية تركز على استهداف المعدات والقواعد العسكرية أكثر من ملاحقة الأفراد بغية إلحاق ضرر عميق وطويل الأمد بالمؤسسة العسكرية السورية والبنى التحتية العسكرية الإيرانية في سورية، والتي شرعت طهران في تأسيسها هناك منذ ما قبل العام 2011، حتى صارت في حاجة إلى مدى زمني، طويل نسبيا لإصلاحها. كذلك، بررت تل أبيب اقتصار الهجوم الصاروخي الإيراني على الجولان بحرص طهران على تجنب أي مواجهات عسكرية مباشرة وشاملة، هي ليست مستعدة لها، مع إسرائيل. وكان لافتا أن إيران لم تستغرب تنفيذ إسرائيل هجومها على سورية والوجود العسكري الإيراني فيها هذه المرة، بينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في موسكو التي اكدت انها اخذت علما بالضربة مسبقا.
ثمة ملمح آخر لتغير قواعد الاشتباك في المنطقة يتجلى في شروعها في التهديد بتصفية بشار الأسد حال سماحه لإيران باتخاذ بلاده قاعدة أو جبهة أمامية لتهديد أمن إسرائيل. وبينما لا يستطيع الأسد فك الارتباط الاستراتيجي والطائفي مع إيران كليا، وربما لا يريده، إلا أنه قد يجبر مستقبلا على كبح جماح النفوذ الإيراني المتعاظم في سورية. وفي هذا الشأن، أكدت تقارير استخباراتية غربية أن الأسد يرفض الانصياع للإلحاح الإيراني بإقامة قواعد عسكرية ثابتة ودائمة داخل سورية، مخافة أي رد فعل إسرائيلي عنيف، وهو أمر تتفهمه روسيا وأميركا جيدا وتباركانه، لأنهما ترفضان تموضعا عسكريا إيرانيا طويل الأمد على الأراضي السورية.
وربما يجنح الأسد للاستغناء عن التموضع العسكري الإيراني في سورية إذا تراءى له أن الكلفة الاستراتيجية لذلك التموضع تتجاوز حصيلة المكاسب التي يمكن أن يجنيها نظامه من ورائه، والمتمثلة في تحسن موقفه العسكري على مسرح العمليات، قد يحدث ذلك إذا وجد الأسد نفسه على موعد مع مشروع دولي متوازن لتسوية سياسية للأزمة السورية لا يمكن رفضه أو التنصل منه، كما يتيح له الاحتفاظ بمنصبه، ولو بشروط.
مسار الأحداث في سورية اليوم لا يبشر بالخير بالنسبة لإيران. سواء من خلال الحرب أو المفاوضات، يبدو أن إيران ستكون الخاسر الأكبر في سورية على المدى الطويل، لكن السؤال هو ما إذا كانت ستصل إلى هناك بعد أن تتسبب بالمزيد من الضرر لحلفاء الولايات المتحدة. على الرغم من تحفظات العديد من المحللين حول الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني، هناك حاجة إلى صفقة شاملة حول إيران تتضمن حوافز اقتصادية مقابل الإصلاحات المحلية والتخلي عن دورها الإقليمي في العالم العربي. لن يكون من السهل تحقيق ذلك لأن قطع وصول إيران إلى لبنان عبر سورية يعني نهاية نفوذها في المشرق. سيتطلب الأمر ضغطا وتخطيطا كبيرين من قبل الولايات المتحدة وحلفائها لإقناع إيران بالموافقة على حل وسط. وإيران لن تتساهل إلا إذا شعرت بأن جميع الخيارات الأخرى قد وصلت إلى طريق مسدودة، ولكن قلقها الحالي يشير إلى أنه رغم صعوبة الوصول إلى هذا الهدف، فإنه ليس مستحيلا.