ما أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد لقائه الرئيس السوري بشار الأسد منتصف هذا الشهر من «أن الوضع ملائم لتفعيل العملية السياسية، ومع بداية هذه العملية في أكثر مراحلها نشاطا ستنسحب كل القوات الأجنبية من سورية» تفاعل بقوة لدى كل الدول والأطراف المعنية بالورقة السورية ومختلف الأوساط الديبلوماسية وطرح تساؤلات عدة لجهة:
- توقيت هذا الموقف عقب التصعيد الإيراني ـ الإسرائيلي في سورية والتصعيد الأميركي ـ الإسرائيلي ضد إيران.
- العملية السياسية وما إذا كان حان وقتها ونضجت ظروفها.
وهل يعتبر بوتين أن ما تحقق عسكريا كاف للبدء بمحادثات السلام سواء في أستانة أو سوتشي.
- انسحاب القوات الأجنبية وما المقصود بالمرحلة النشطة من العملية السياسية التي يبدأ معها هذا الانسحاب.
السؤال الأول الذي يطرح هو: من يقصد بوتين بالقوات الأجنبية، وهل يشمل في كلامه إيران أيضا؟!
الإيرانيون نفوا أن يكونوا هم المقصودون بكلام بوتين حول القوات الأجنبية.
ووزارة الخارجية السورية شككت في أن تكون التصريحات الروسية قد قصدت القوى التي دخلت بموافقة النظام وعملت بتنسيق تام، وهذا ينطبق على القوات الروسية والإيرانية وحزب الله.
أما في موسكو، فقد ساد لغط وارتباك، بداية أوضح المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون التسوية في سورية ألكسندر لافرينتيف أن تصريح بوتين يشمل كل القوات الموجودة في سورية، بما فيها حزب الله والقوات الإيرانية.
لاحقا أوضح المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن إعلان بوتين يتعلق بالقوات الأجنبية الموجودة بحكم الأمر الواقع بطريقة غير شرعية، وهذا يستبعد ضمنا إيران حليفة دمشق.
هناك انطباع بأن إيران هي المقصودة في تصريحات بوتين وأكثر من غيرها.
الرئيس الروسي اجتمع مع الأسد لوضع خريطة طريق جديدة على قاعدة أن الأمر من الآن فصاعدا سيكون لروسيا.
فلا الأميركيون والأوروبيون، ولا العرب والأتراك، يعترضون على الدور الروسي في سورية، وإنما يدعمونه بشروط حان الوقت لإيفائها، لأن الدور الروسي لن يكون مقبولا في حالات ثلاث: إذا ساهم في تثبيت الوجود الإيراني في سورية، وإذا لم يدفع النظام الى تفاوض جدي على الحل، وإذا لم يكن هناك حل سياسي حقيقي فلن تكون هناك أي مساهمة دولية في عملية إعادة الإعمار.
الخلاصة أن بوتين يعتبر أن النصر في سورية قد تحقق ولم تعد هناك حاجة الى الوجود الإيراني، وذلك من منطلق علمه بأن الطرف الوحيد الذي سيعارض الحل السياسي في سورية هو إيران.
ولكن هذا الانطباع لا تؤيده أوساط ديبلوماسية ترى أن الشراكة بين روسيا وإيران لايزال أمامها طريق طويل، وأن الدعوة التي أطلقتها روسيا ليست منعطفا محتملا في تحالفها مع إيران.
ومع أن إيران ليست شريكا سهلا لروسيا، إلا أن بوتين لا يريد الإضرار بالشراكة الاستراتيجية مع إيران.
السؤال الثاني: هل يفكر بوتين بصفقة مع ترامب وجاهز لها؟!
عدة مؤشرات تدفع الى طرح هذا السؤال كان آخرها حديث بوتين عن العملية السياسية وانسحاب القوات الأجنبية.
قبل ذلك كان لافتا امتناع موسكو عن تزويد النظام السوري بمنظومة صواريخ «أس ٣٠٠»، والتي كانت قد تعهدت بمنحها له خشية أن يستخدمها الإيرانيون.
مثلما كان لافتا عدم تحريك أي ساكن تجاه الضربات الإسرائيلية المتكررة للمواقع والأهداف الإيرانية.
ورغم تعرض القوات الإيرانية المنتشرة على مساحات واسعة في سورية لضربات إسرائيلية صاعقة ومدمرة، فإن بقاء القوات الروسية على الحياد، رغم علمها المسبق بالضربات، أمر مثير للانتباه.
يقول محللون أتراك إن توقيت الدعوة الروسية للرئيس الأسد عقب الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، وتركيز بوتين على ضرورة مغادرة القوات الأجنبية للأراضي السورية لبدء العملية السياسية لا يمكن تفسيره سوى بـ«صفقة مقايضة إيران» من طرف الروس للأميركيين.
وكما هو معلوم، فإن ترامب رجل الأعمال تروق له مثل هذه الصفقات الكبيرة، خصوصا وأن العرض ينسجم مع رغبة إسرائيل بتقليص النفوذ الإيراني في المنطقة.
كما أن حديث بوتين خلال لقائه الأسد عن النصر العسكري وضرورة تحويله الى ثمن سياسي وتأكيد ضرورة مغادرة القوات الأجنبية للأراضي السورية، ما هو إلا صفقة يعرضها بوتين على الأميركيين وتشمل نظاما جديدا في سورية والتخلي عن إيران وإخراجها من سورية مع الميليشيات الحليفة لها، مقابل ضمان مصالح روسيا الحيوية في سورية وربما في أماكن أخرى.
الرسالة الروسية تنطوي على عرض صفقة للحل في سورية تبدأ بإخراج الإيرانيين الذين يشكلون العقبة الرئيسية أمام الحل، ثم التفاهم على صيغة تضمن مصالح جميع الأطراف.
السؤال الثالث الذي يطرح: هل الانسحاب الإيراني من سورية محتمل ووارد؟!
الوجود الإيراني مترسخ.
وروسيا وإيران تحتاجان الى مواصلة العمل معا... فإيران تعتمد على الدعم الجوي الروسي، فيما تعتبر القوات الإيرانية والحليفة لها مهمة في الحرب الميدانية التي لم تنته بعد... أما الرسائل الروسية الأخيرة، فإنها تنطوي على أمرين أساسيين: الأول هو أن النزاع السوري يجب ألا يتحول الى حرب بين إيران وإسرائيل، والثاني هو أن هناك حدودا للنفوذ الإيراني في سورية.
أما مسألة انسحاب إيران من سورية، فإنها غير مطروحة ولم يحن وقتها.
جوابا على هذا السؤال، أورد موقع «يوراجيا فيوتشر» الأوراسي تحليلا يرجح «الانسحاب الإيراني مقابل بقاء الأسد» وجاء فيه:
الانسحاب المرحلي للحرس الثوري الإيراني وحزب الله في حلة محترمة، هو الاحتمال الأكبر... فالإنهاك نال من حزب الله في حرب متواصلة منذ سبع سنوات، في حين أن إيران تواجه تحديات أكثر أهمية من الحفاظ على دورها في سورية، وتحتاج إلى الانصراف إليها في الوقت الحاضر، وسط مساعي زعزعة الاستقرار في الداخل التي تقودها الولايات المتحدة ضدها.
والانسحاب من سورية سيسمح لحزب الله بإعداد الجبهة الداخلية اللبنانية لصد عدوان صهيوني جديد، بينما في وسع إيران تهدئة بعض اضطرابات المجتمع المدني المتصاعدة في مدنها والتحركات الشعبية، من طريق إعلان أنها ستعيد توجيه الأموال التي كانت تخصصها لإرساء السلام في سورية إلى التنمية المحلية وتخفيف أثر العقوبات.
أما بالنسبة لمهمتهما الأساسية في محاربة الصهيونية، فيسع كل من حزب الله والحرس الثوري الإيراني القيام بها خارج سورية، بعد إدراك أن قواتهما مكشوفة أمام النيران الإسرائيلية.
ويعود هذا الانكشاف إلى الضوء الأخضر الذي أعطاه الرئيس بوتين قبل أسبوع ونصف لنتنياهو، فتحولت الجمهورية العربية السورية إلى مرمى رماية إسرائيلي كبير.
أما مصلحة البلد الحليف والمضيف فتقضي بالتراجع التكتيكي الإيراني من سورية.
وهذا التراجع يريح كاهل الأطراف الثلاثة، ويسمح لها بإعادة تجميع قواتها وتقييم استراتيجياتها استعدادا للقتال بفعالية أكبر في يوم آخر وفي ظروف أفضل.
وطالما أن الفرصة سانحة أمامهما للمغادرة، حري بإيران وحزب الله اقتناصها، فهي تصب في مصالحهما الخاصة، على نحو ما تقدم.
أما رفض هذه الصفقة، فيعني ببساطة توقف الرئيس بوتين عن لجم جماح صديقه الصدوق بنيامين نتنياهو، وإطلاق العنان له، فيكون متوحشا على قدر ما يريد لإجبارها على الخروج.
ولا يخفى أن «بيبي» (بنيامين نتنياهو) متعطش للدماء، وما يحول دون بل غليله هي الوعود الطيبة التي قطعها الرئيس بوتين في يوم النصر.
ومفادها بأنه سينجح قريبا في إقناع الرئيس الأسد بتنظيم انسحاب إيران المرحلي بكرامة في المستقبل القريب، وبالتالي تجنب سيناريو التصعيد الخطير الذي تعمل موسكو لمنعه.
وإذا سارت الأمور وفق الخطة، يمكن لإيران وحزب الله مغادرة سورية في الصيف، بالتزامن مع عملية الإصلاح الدستوري من طريق وساطة الأمم المتحدة لالتزام معظم المسودة الروسية للدستور.
والبدء في التزام هذه المسودة يترتب عليه تجميد الوجود التركي والأميركي في البلاد، وإرساء نوع من السلام البارد.
والخطوة التالية بعد تغيير الدستور، هي تنفيذ البنود الأخرى في قرار ٢٢٥٤، أي تنظيم انتخابات جديدة.
ويرجح أن تكون برلمانية، وليست رئاسية.
فالرئيس الأسد سيبقى على الأغلب في منصبه في الفترة الانتقالية كرئيس «اسمي» في مساومات دستورية متفق عليها.
ويرجح أن ينتاب القلق أولئك الذين يخشون على المستقبل السياسي للأسد.
ولذا، ستوافق الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل على بقائه في منصبه وتجنب تعريض استراتيجية التوازن التي سعت إليها روسيا جاهدة.