في قراءة سريعة في وقائع وأجواء قمة هلسنكي التي جمعت الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، وهي قمة أكثر من عادية وأقل من «تاريخية»، يمكن الخروج بالاستنتاجات والملاحظات التالية:
1 - كان لقاء ناجحا باعتراف الطرفين اللذين خرجا بانطباعات إيجابية ومريحة. وفي حين وصف ترامب المحادثات بـ«المثمرة» وأنها أسفرت عن تجاوز مرحلة حرجة في العلاقات بين البلدين، بدا بوتين راضيا تماما عن القمة التي وصفها بـ«الناجحة والمثمرة»، فيما وصفها وزير خارجيته سيرغي لافروف بأنها «أكثر من ممتازة».
2 - سورية بدت مركز التلاقي الأوضح بين الجانبين اللذين التقيا عند نقاط عدة مهمة:
- الاتفاق على توفير «أمن إسرائيل» (في إشارة الى الأخذ بالاعتبار مخاوف ومطالب إسرائيل بشأن التواجد العسكري الإيراني قرب حدودها).
- التنسيق العسكري بين الجيشين الأميركي والروسي (في إشارة الى خط التنسيق الذي تستخدمه القوات الأميركية والروسية لتجنب وقوع مواجهة غير مقصودة على أرض سورية أو في أجوائها).
- العودة الى التطبيق الكامل لاتفاق فصل القوات (السورية والإسرائيلية) في الجولان (في تأكيد لعودة الوضع في الجولان الى ما كان عليه قبل الحرب السورية، وعدم انطلاق أي نشاطات أو عمليات ضد إسرائيل عبر الحدود السورية في الجولان).
- توافر الشروط لتعاون جدي حول سورية تدور بعض فصوله حاليا في الجنوب السوري، وحيث أبدى بوتين استعداده لدور في بناء سلام سوري ـ إسرائيلي بعد استعادة الجنوب. وبدا واضحا أن هناك تفاهما على عودة النظام، من خلال «عملية الجنوب»، الى خطوط وقف إطلاق النار بموجب اتفاق أيار ١٩٧٤، وأن «كلام هلسنكي» عن هذه العودة يكشف وجود تفاهم مبدئي بين ترامب وبوتين حول الملف السوري، وتحديدا الجزء المتعلق بأمن إسرائيل.
3 - إيران هي مركز التنافر والمجال الأقل وضوحا في المساحة المشتركة التي رسمتها قمة هلسنكي.
فقد ظهر اختلاف بين الزعيمين حول موضوع الاتفاق النووي الإيراني، وكرر بوتين اعتراضه المعروف على نقض الولايات المتحد للاتفاق النووي وانسحابها الأحادي منه... أما في شأن وجود إيران ودورها في سورية، فكان الغموض سيد الموقف الذي اختصره ترامب بهذه الكلمات «سورية مشكلة معقدة. ستتعاون أميركا وروسيا في إيجاد حل لها، ولقاء اليوم هو بداية لعملية أطول. ولن نسمح لإيران بأن تستفيد من حملتنا الناجحة ضد «داعش»».
4 - حصل اتفاق على مواجهة الإرهاب والتطرف، وعلى أن تتعاون أجهزة استخبارات البلدين في هذا المجال.
5 - ترامب الذي أظهر ودا تجاه بوتين ومرونة لامست حدود الضعف، دافع عن روسيا في موضوع تدخلها في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وقال: «لا أرى أي سبب يدفع الى الاعتقاد بأن الروس تدخلوا في الانتخابات الرئاسية عام ٢٠١٦».
هذا الموقف أثار عاصفة من الانتقادات في الولايات المتحدة وفتح الباب أمام هجوم سياسي عنيف من قادة الحزب الديموقراطي الذين وصفوا أداء ترامب في المؤتمر الصحافي المشترك مع بوتين بأنه معيب، وأنه قام بتقوية خصومنا وإضعاف دفاعاتنا ودفاعات حلفائنا»، وقالوا إنه لم يحصل في تاريخ أميركا أن قام رئيس للولايات المتحدة بتأييد خصم لها كما فعل ترامب مع بوتين.
ووصل الأمر في وسائل إعلامية الى وصف تصرف ترامب بأنه كان خاطئا جدا ومعاكسا للمصالح والقيم الأميركية، وموقفه يرقى الى درجة الخيانة ويعزز الشكوك في أنه «عميل للاستخبارات الروسية»! الاستنتاج الرئيسي أن بوتين هو الرابح من قمة هلسنكي التي كرسته لاعبا دوليا أساسيا، وأحيت الندية في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، وأطلقت مسار شراكة روسية ـ أميركية في المنطقة والعالم، الى درجة يمكن القول إن ما بعد قمة هلسنكي لن يكون كما قبلها.. فلننتظر ونر.