باسل المصري
أيام قليلة تفصل المصريين عن شهر الإصلاحات الاقتصادية التي عاشوها منذ عامين، فبرغم مرارتها إلا أنها ساعدت الحكومة ولأول مرة على التخطيط لحل المشاكل من الجذور، وإعادة النمو للاقتصاد المصري بشكل سمح بوضع خريطة متوسطة وبعيدة المدى للمشاريع القومية بل وتنفيذ جزء كبير منها على أرض الواقع، ضمن سلسلة إصلاحات تنموية تستهدف الاستفادة الحقيقية من موارد الدولة المهدرة واستخدامها بشكل سليم، ومن ضمن تلك الإجراءات كان التحرير الكامل لسوق صرف العملات الأجنبية، لحل أزمة الاحتياطي الأجنبي في البلاد، وخفض الدعم التدريجي للوقود والسلع التموينية، وترشيد الاستيراد وغيرها، فلطالما مثلت القدرات الاقتصادية وحجم الموارد الطبيعية المتاحة لمصر العنصر الداعم للاقتصاد، وبما ساهم في تحقيق المصالح والأهداف القومية، لاسيما في ظل حسن توظيفه لخدمة أولوياتها الداخلية والخارجية، في المجالات المختلفة مثل الصناعة - الزراعة - التجارة، والذي ينعكس في تطوير باقي قدرات الدولة الشاملة، كواجهة جاذبة للاستثمار المباشر من جانب الدول والأفراد، والذي بدأت ملامحه تظهر، سواء في إشادات دولية من قبل هيئات ومنظمات دولية أو في اتفاقيات ثنائية مع دول أخرى.
لغة الأرقام لا تكذب
أدى ارتفاع إيرادات الصادرات السلعية، والخدمات وتحويلات العاملين بالخارج، خلال العامين الماليين إلى زيادة الاحتياطي الأجنبي وصولا إلى 44.5 مليار دولار في نهاية سبتمبر الماضي، يكفي واردات مصر من السلع لمدة نحو 8.5 أشهر حسب بيانات البنك المركزي المصري، وتكتسب مثل هذه الأرقام أهمية لدى المستثمرين والدول الأخرى كون الاحتياطي الأجنبي له أهمية رئيسة في سداد التزامات الدولة المالية لاسيما قصيرة الأجل منها
والواقع أننا نعيش الآن معدل نمو 5.2% ومن ثم فإن استهداف الحكومة رفعه الى 5.8% وتوقع صندوق النقد الدولي وصول النمو الى 5.5% ليس بالفارق البعيد، بل يزيد من ثقة المصريين في البرنامج الإصلاحي الطموح - رغم مرارته - لتعلن الحكومة بعدها أنها تستهدف تحقيق معدل نمو يصل لنحو 8% بحلول عام 2021-2022، يتزامن معه انخفاض في معدل البطالة للعام الحالي لنحو 9.9%.
وإن كانت مصر على موعد مع الدفعة قبل الأخيرة من قرض صندوق النقد الدولي، والتي تصرف نهاية العام الحالي، لتكون بذلك قد حصلت على 10 مليارات دولار، بعد الزيارة التي تقوم بها بعثة صندوق حاليا للقاهرة فإن الأخبار التي تعلن عن دراسة إصدار سندات بالعملة المحلية في الأسواق الدولية خاصة الآسيوية وإصدارها بالعملات الصينية واليابانية (الين واليوان) إنما هي خطوة هامة نحو تعزيز التدفقات الخارجية خاصة وتقليل تكلفة الاقتراض عبر الاعتماد على السندات الدولية الأطول أجلا من سندات الخزانة الأكثر تكلفة، ولعل من يتابع أخبار بيع السندات سيجد أن الحكومة قد باعت سندات دولية بالعملات الأجنبية بأكثر من 13 مليار دولار، منذ شهر الإصلاحات، نوفمبر 2016 وحتى الآن.
من دراسة وتحليل الأرقام عاليه يمكن التوصل الى أن الإصلاحات الاقتصادية هي توجه استراتيجي تتبناه مصر يعتمد على مبادئ الحكم الرشيد، والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، والذي يساهم في زيادة معدلات النمو للبلاد وبما يدعم تحقيق التنمية الشاملة.