أعلن م.مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء اقتصار الدعم النقدي في برنامج المساعدات النقدية المشروطة «تكافل وكرامة» على طفلين فقط في الأسرة بدلا من 3 أطفال، بدءا من شهر يناير المقبل، لافتا إلى أن الدولة ستضرب بيد من حديد على أية ممارسات فساد في ملف الدعم، أيا كان المتسببون فيها، سواء كانوا مسؤولين أو عاملين أو مواطنين.
وعزا مدبولي القرار إلى إتاحة الفرصة لدعم المزيد من الأسر الصغيرة، لافتا إلى أنه يتم حاليا دراسة أكثر من سيناريو لترشيد الدعم العيني سيتم إعلانها العام القادم.
جاء ذلك خلال فعاليات المؤتمر السنوي الثالث لبرنامج «تكافل وكرامة» امس والمقام تحت عنوان (الحماية الاجتماعية المنتجة: «من الحماية الى الانتاج») برعاية م.مصطفى مدبولي وحضور د.سحر نصر وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي، د.طارق شوقي وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، د.رانيا المشاط وزيرة السياحة، د.علي مصيلحي وزير التموين، وجيفري آدامز السفير البريطاني بالقاهرة، وعدد من المسؤولين.
وأعرب رئيس مجلس الوزراء عن سعادته واعتزازه بمشاركته في الاحتفال بمضي ثلاثة أعوام على تدشين برنامج الدعم النقدي المشروط «تكافل وكرامة»، لما حققه من نجاحات حمائية فعالة لنحو 2.2 مليون أسرة فقيرة، وفئات أولى بالحماية، مشيرا إلى أن تلك الأسر تضم حوالي 9.5 ملايين مواطن.
وقال رئيس الوزراء إنه تم احتساب درجات الفقر لتلك الأسر طبقا لمعايير علمية وإحصائية بناء على خرائط الفقر الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وطبقا للمؤشرات التي وضعتها وزارة التضامن الاجتماعي في جهد دؤوب لتطوير منظومة الحماية الاجتماعية.
وأضاف مدبولي: «منذ بداية القرن الحادي والعشرين، واجهت عديد من دول العالم، ومن بينها مصر، تحولات جذرية ارتبطت بظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية صعبة، سواء على المستوى العالمي أو على المستوى المحلي، مما ترتب عليه إعادة هيكلة الاقتصاد القومي وتعديل السياسات الاقتصادية والاجتماعية في كثير من هذه الدول، فسعت كثير منها إلى تبني سياسات اجتماعية متكاملة، تتضافر فيها أنشطة الدعم والحماية مع توفير فرص العمل وتقليل نسبة البطالة، وتحسين الخدمات الأساسية وميكنتها، وتطوير المؤسسات الاجتماعية، وإضفاء مبادئ الشفافية والمساءلة على مختلف الأصعدة.
وأشار إلى أن برنامج الدعم النقدي المشروط جاء استجابة لتوجه الحكومة المصرية نحو سياسات العدالة الاجتماعية، ولتخفيف وطأة الضغوط الحياتية التي تتأثر بها الأسر تحت خط الفقر، نتيجة إجراءات الإصلاح الاقتصادي التي تتبناها الدولة في السنوات الأخيرة، لإعادة هيكلة الاقتصاد بشكل أكثر توازنا، وسعيا لإرساء قواعد التنمية الشاملة والمستدامة ولإقرار السلم المجتمعي بوجه عام.
وقال رئيس الوزراء: أود أن أثمن أثر البرنامج على الاستثمار في رأس المال البشري، وفي بناء الإنسان، من خلال الحرص على الرعاية الصحية للأطفال تحت سن 6 سنوات، وعلى متابعة الصحة الإنجابية للأمهات، هذا بالإضافة إلى مراعاة وجوب الاهتمام بإلحاق الأطفال من سن 6-18 سنة بالمراحل التعليمية المختلفة، ورصد الحضور المدرسي لتعزيز الاهتمام بالتعليم في جميع أنحاء القرى والمراكز.
وأكد د.مصطفى مدبولي أن الحكومة لا تنظر لبرامج الحماية الاجتماعية باعتبارها إحسانا، ولكنها تتبنى منظورا تنمويا، مؤكدة على التزامات الأسر برعاية أفرادها وبصفة خاصة أطفالها في مجالات الصحة والتعليم والتغذية، لحمايتهم من الوقوع في براثن الجهل والمرض وللاستثمار في تلك الأجيال، ليساهموا تباعا في دفع عجلة التنمية».
ولفت إلى أن الحماية الاجتماعية هي حق يجسد العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، ويعزز الوئام الوطني بين مؤسسات الدولة «الحكومية والأهلية والخاصة» عبر عدد من الإجراءات وآليات التضامن الاجتماعي، من منطلق العدالة والإنصاف، ومن ثم فهي تشكل جزءا مهما من جهود الدولة الرامية إلى تخفيف الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية والغذائية، ومنع حدوث صدمات أخرى.
وأضاف رئيس مجلس الوزراء: «يستدعينا الحديث هنا عن مشكلة ملحة تهدد النمو الاقتصادي وتعطل جهود التنمية، وهي مشكلة التضخم السكاني الذي تشهده مصر، وعدم تبني سياسات فعالة لتنظيم الأسرة، مما تسبب في عدم التوازن بين عدد السكان والموارد والخدمات، فزاد عدد السكان بمصر 20 مليون نسمة في خمسة عشر عاما بدءا من 2003 وحتى 2018، وقد أشار الكتاب الإحصائي لعام 2018، الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن الزيادة السنوية في عدد السكان تتخطى 2.5 مليون نسمة، وهو ما يفوق تعداد دول بأكملها، ويستتبع هذا خلل في تطور الكثافة السكانية، وفي التوزيع الديموغرافي، ويؤثر سلبا على خصائص السكان، فيسوء وضع الخدمات الصحية والتعليمية وتنتشر الأمية، وتتآكل مرافق المياه والكهرباء والصرف الصحي والمواصلات، مما يؤدي تباعا إلى انخفاض مستوى الدخل القومي وعلى التوالي دخل الفرد من نصيبه في الدخل القومي»، وتساءل: «عن أي تنمية نتحدث؟ فطبقا للأرقام والإحصاءات الدولية مصر تحقق أعلى معدل نمو في منطقة الشرق الأوسط، ولكن كل هذا لا يكفي، لأن الزيادة السكانية تلتهم هذه المعدلات».
وأوضح مدبولي أنه لا يمكن النظر إلى الحماية الاجتماعية باعتبارها مفهوما بديلا للرعاية الاجتماعية التقليدية، التي تكرس المنظور السلبي للمواطن، والمنظور الرعائي للدولة، مما ساعد على انتشار ثقافة «التواكلية» لسنوات طويلة، وأثقل كاهل الدولة، وعطل قوى السوق، وذلك يتطلب منا التفكير في آليات حمائية جديدة، تشبع احتياجات البسطاء، وتحافظ على كرامتهم، وتستثمر في المواطنين القادرين على العمل.
وأكد د.مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، ضرورة أن تتضافر جهود الدولة في الحد من الزيادة السكانية سواء بالتوعية الأسرية، أو بإتاحة الخدمات الصحية ووسائل تنظيم الأسرة، وأنه يجب التركيز على الكيف وليس الكم، مشيرا إلى أنه من أجل بناء الإنسان المصري والاستثمار في مواطنين أصحاء متعلمين ومنتجين، يجب علينا ترشيد موارد الدعم لصالح الأسر الواعية التي تعظم مصالح الأسرة بشكل خاص، ومصالح الوطن بشكل عام.
وأعلن رئيس الوزراء أن خدمات الدعم النقدي ستقتصر، على طفلين فقط وليس على ثلاثة أطفال للأسرة بداية من شهر يناير 2019، وذلك حتى تتمكن الحكومة من إضافة أسر جديدة هي في أمس الحاجة إلى الدعم، فمن غير العدالة أن تستفيد الأسر الكبيرة من دعم مضاعف وتحرم أسر أخرى من الدعم كلية، كما تتم دراسة سياسات الدعم العيني أيضا، لوصوله لمستحقيه، وسنعلنها العام المقبل، لافتا إلى ضرورة اتباع سياسات اجتماعية رشيدة، تحتكم إلى المنطق وتعتمد على مواردنا المتاحة وليس على احتياجاتنا التي تتزايد بالتضخم السكاني.
وأشار مدبولي إلى أن وزارة التضامن الاجتماعي تبذل جهودا كبيرة في عمليات التنقية المستمرة للمستفيدين من الدعم، وفي استبعاد أسر وفئات قادرة على العمل أو أخرى غير مستحقة، كما أشاد بجهود هيئة الرقابة الإدارية، ودعمها المستمر في استكمال قواعد البيانات وتحديثها، سواء مع وزارة التضامن الاجتماعي أو مع وزارات أخرى معنية بالدعم العيني، لافتا إلى أن الدولة ستضرب بيد من حديد على أي ممارسات فساد في ملف الدعم، أيا كان المتسببون فيها، سواء كانوا مسؤولين أو عاملين أو مواطنين.
وأكد رئيس الوزراء ضرورة تكريس الجهود في المرحلة القادمة لتحقيق التقارب ما بين التنمية والحماية الاجتماعية، بما يضمن النهوض بحياة محدودي الدخل، وتحويلهم من مستهلكين لخدمات الدولة إلى منتجين لها، مشيرا إلى أن ذلك لن يتحقق سوى بالتنسيق بين القطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات المالية وجمعيات المستثمرين ومركز تحديث الصناعة والغرف التجارية والبنوك، وغيرها من الكيانات الشريكة التي يقع عليها جميعا عبء النمو الاقتصادي.
وأضاف رئيس الوزراء: لا يمكننا الحديث عن الحماية الاجتماعية بعيدا عن دستور عام 2014 الذي أقر حق الحماية الاجتماعية كحق دستوري، كما يلزمنا التطرق إلى رؤية مصر 2030، والتي شكلت بمكوناتها الخمسة: الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والسياسية حائط صد لكل مدخلات الفقر، وكانت بمثابة نقطة انطلاق نحو مصر المستقبل.
وأشار رئيس الوزراء إلى أنه مع بدء وزارة التضامن الاجتماعي في برنامج «فرصة» للتدريب والتشغيل، من الأهمية أن تتكامل الإصلاحات الاقتصادية الراهنة، فيما يتعلق بسياسات التشغيل والتوظيف، والتسعير والدعم والأجور والحماية الاجتماعية للعاملين وخيارات الإنتاج المتاحة، ونوعية الاستثمار، والنظام الضريبي... إلخ، وذلك تجنبا لأي تفاوتات سلبية ربما تؤلم «محدودي الدخل»، من أجل إرساء شبكات أمان اجتماعي تحقق أثرا تنمويا قويا.
وقال إن الدولة اتخذت عدة إجراءات في هذا العام تتسق في مجملها مع منظومة الحماية الاجتماعية، وأخص منها، وضع حد أدنى للمعاشات والعمل على تطبيق قانون التأمين الصحي، والانتهاء من قوائم الانتظار بالمستشفيات، والتوسع في خدمات الصحة الإنجابية، والتوسع في علاج فيروس سي، وتنقية قوائم المستفيدين من بطاقات التموين، والحرص على توفير لبن الأطفال، ومراقبة أسعار المنتجات الغذائية، وإتاحة برامج إقراض متعددة وذات قواعد ميسرة، والعمل على الانتهاء من تطوير المناطق العشوائية غير الآمنة، والتوسع في خدمات الصرف الصحي بالقرى، والتوسع في إنشاء وحدات الإسكان الاجتماعي للشباب ومحدودي الدخل.
وأكد رئيس الوزراء أن الحماية الاجتماعية هي حجر زاوية في برنامج الإصلاح الحكومي، الذي يركز على توجيه جانب من وفورات الموازنة المتحققة من الإجراءات الإصلاحية نحو الإنفاق على التحويلات النقدية الاجتماعية، وبالتحديد في مجالات دعم الغذاء والتحويلات الاجتماعية الموجهة إلى المستحقين والحفاظ على مخصصات التأمين والغذاء لمحدودي الدخل، والتأمين الصحي، والاستثمار في البنية التحتية، مع التركيز على المدخل التنموي في الحماية الاجتماعية الذي يستهدف مساعدة الفقراء على الخروج من أزمة الفقر إلى الإنتاج من خلال تكريس ثقافة العمل وتجريم ثقافة الاستهلاك المفرط وغير المسؤول أمام مهام التنمية الجسام.
ووجه رئيس الوزراء، في نهاية كلمته، الشكر لكل الذين ساهموا في إنجاح برامج الحماية الاجتماعية في مصر، عن عقيدة وطنية وإنسانية صادقة، من مسؤولين حكوميين وقطاع أهلي، وجهات دولية شريكة، مشددا على أن الجميع شركاء في المسؤولية.