- قرار ترامب يقلق إيران ويفتح مسألة سحب قواتها والميليشيات التابعة لها في سياق التسوية الشاملة ويطلق يد الروس والأتراك
- تركيا المستفيد المباشر والأول من القرار ويفتح لها باب الدخول إلى شرق الفرات
- القرار يوسع مساحة التفاهم بين أميركا وروسيا داخل سورية وخارجها
- إخلاء شرق الفرات يطلق السباق المحموم لملء الفراغ الأمني والعسكري فيه
الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو «رئيس المفاجآت»: يفاجئ الجميع من حيث لا يتوقعون وفي توقيت لا يحتسبونه.
انسحب ومن طرف واحد من الاتفاق النووي الإيراني، ومن ثم فاجأ العالم بتنفيذ قرار نقل السفارة الأميركية الى القدس المحتلة. وفي نهاية العام فاجأ الجميع، حلفاء وخصوما، بقرار الانسحاب من سورية.
المفاجأة لم تكن فقط في توقيت القرار وإنما في شكله: انسحاب كامل وسريع من دون تنسيق مع الحلفاء والشركاء في التحالف الدولي ضد «داعش»، ومن دون ترتيبات مسبقة أو لاحقة تضمن عدم حصول تداعيات وانهيارات أمنية في «مناطق الانسحاب»، حيث احتفظت الولايات المتحدة بنحو ألفي جندي منتشرين في شرق نهر الفرات، ومنبج شمال شرقي حلب، وفي قاعدة التنف في زاوية الحدود السورية العراقية الأردنية.
عنصر المفاجأة في قرار الانسحاب المباغت يكمن أساسا في أنه جاء من خارج السياق الأميركي في هذه المرحلة، وغير منسجم مع التأكيدات والمواقف التي صدرت عن مسؤولين أميركيين أكدوا على بقاء القوات الأميركية في سورية ولأمد طويل، وربطوا استمرار هذا الوجود بتحقيق 3 أهداف هي:
- محاربة «داعش» ومنع ظهوره من جديد، وإلحاق الهزيمة الكاملة به.
- احتواء إيران وإبقاء قواتها تحت المراقبة، ومنع فتح «أوتوستراد» تواصل بري بين طهران ودمشق يمر عبر العراق.
- تحقيق الحل السياسي للأزمة السورية، فيكون الوجود العسكري عاملا ضاغطا في اتجاه الحل، ويحفظ قدرة التأثير
الأميركي في مجريات هذا الحل ومساره النهائي.
أي من هذه الأهداف لم يتحقق، ومع ذلك لم يجد الرئيس ترامب حرجا في إعلان قراره بالانسحاب ووضعه موضع التنفيذ الفوري والعاجل.
كان ترامب راغبا في الانسحاب منذ سنة، ولكن كبار مساعديه والمسؤولين في الپنتاغون أقنعوه بضرورة البقاء حتى لا يطلق يد روسيا في سورية، ولا يعطي إيران انتصارا مجانيا، ولا يعرض الحلفاء الأكراد للخطر، الأهم وفق تبريرات المسؤولين الأميركيين، حتى لا يعاود تنظيم «داعش» ظهوره ونشاطه، ويتم التحقق من نهايته.
وهذه المرة لم تحاول وزارة الدفاع الاميركية «الپنتاغون» إقناع ترامب بتجميد أو تأجيل قرار الانسحاب، ويقال انه استغل عطلة الأعياد فلم تكن هناك معارضة حادة في الكونغرس.
ولم يرتفع إلا بعض الأصوات ومنها السيناتور الجمهوري ليندزي غراهام الذي كان له تعليق مقتضب و«بليغ» قال فيه إن أي قرار يتخذه ترامب بسحب القوات امن سورية سيكون خطأ، وأن الانسحاب في هذا التوقيت سيكون انتصارا كبيرا لـ «داعش» وإيران والأسد وروسيا، وسيؤدي الى عواقب مدمرة على المنطقة والعالم، وسيزيد من صعوبة الاستعانة بشركاء في المستقبل، وستعتبر إيران وغيرها من الأطراف الشريرة ذلك دلالة على الضعف الأميركي من الجهود الرامية لاحتواء النفوذ الإيراني.
يبدو أن التطورات الميدانية هي التي دفعت ترامب الى سحب سريع للقوات الأميركية من سورية أهمها والذي شكل الدافع المباشر لهذا القرار، يتعلق بقرار تركيا القيام بعملية عسكرية واسعة في شرق الفرات تستهدف مواقع «وحدات حماية الشعب» الكردية التي تسيطر على قوات سوريا الديموقراطية «قسد»، وهذه العملية أشعلت جدلا في اجتماعات البيت الأبيض والپنتاغون ومجلس الأمن القومي، حيث أشار ترامب الى أن هجمات تركيا تشكل تهديدا للقوات الأميركية في سورية، وأن احتمالات تعرض القوات الأميركية لأي ضربات أو سقوط قتلى وجرحى في تلك الهجمات سيؤدي الى عمليات أميركية ضد القوات التركية، وبالتالي مواجهة عسكرية بين البلدين الحليفين والعضوين في «الناتو» وتضيف المعلومات أن التوصيات التي قدمها الپنتاغون هي انسحاب تدريجي للقوات الأميركية، ولكن الرئيس ترامب فضل سحب جميع القوات في أسرع وقت ممكن.
والقرار أعلنه ترامب بعد مكالمة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أشار الى خطط تركيا لشن هجوم ضد المسلحين الأكراد.
أيا تكن أسباب القرار الأميركي، فإن النتائج والتداعيات المترتبة على هذا القرار هي الأهم وإليها تتجه الأنظار.
فهذا التطور يعد نقطة تحول في مجرى الحرب السورية التي باتت محصورة ميدانيا في منطقتي الشمال والشرق، ويفضي الى النتائج والمتغيرات التالية:
١- الطرف المعني مباشرة بالانسحاب الأميركي والخاسر الأول فيه هم «أكراد سورية» الذين يشعرون بأنهم تلقوا
طعنة، وأن الحليف الأميركي خدعهم وخذلهم وتخلى عنهم تاركا لهم أن يتدبروا أمورهم ومصيرهم بيدهم، ما يدفعهم الى الالتجاء للنظام السوري في مواجهة التهديدات التركية.
لقد تحققت تحذيرات ونصائح السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد الذي كان حذر الأكراد من الرهان على الوجود العسكري الأميركي، متوقعا أن يدير الأميركيون ظهورهم للأكراد عاجلا أم آجلا.
وقد حذرت «قسد» من أن الانسحاب الأميركي «سيؤثر سلبا» على عملياتها ضد تنظيم داعش شرق سورية.
وقالت في بيان: «إن قرار البيت الأبيض، سيؤثر سلبا على حملة مكافحة الإرهاب، وسيعطي للإرهاب وداعميه ومؤيديه زخما سياسيا وميدانيا وعسكريا للانتعاش مجددا والقيام بحملة إرهابية معاكسة في المنطقة».
وخلافا لإعلان ترامب بأنه تم القضاء على داعش، أكدت «قسد» أنه «لم يتم بعد إلحاق الهزيمة النهائية به، بل هي في مرحلة حاسمة ومصيرية».
واعتبر قائد وحدات الحماية سيبان حمو أن قرار ترامب لم يكن مفاجئا في مضمونه، إلا أنه أقر بأنه صدر «أسرع بكثير مما توقعه الجميع».
وفي تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، رجح حمو وجود مصالح وحسابات أخرى للإدارة الأميركية دفعتها لاتخاذ مثل هذا القرار، ولكنه استغرب تبرير القرار بهزيمة تنظيم داعش، وقال: «تنظيم داعش لم ينته، وبالتالي لم تنته المعركة، فالتنظيم لديه نقاط تمركز جغرافية واضحة، ولديه خلايا نائمة عديدة، تقريبا في كل المواقع التي تم تحريرها من قبضته».
٢- تركيا تبدو المستفيدة المباشرة والأولى من هذا الانسحاب الذي يفتح لها باب الدخول الى شرق الفرات، على أن يكون التطور الأسرع في الانسحاب الكردي من منبج بالتزامن مع تفكيك كل نقاط المراقبة الأميركية على حدود سورية.
وهذا التطور على أرض سورية سيكون له أثر إيجابي على منحى العلاقات الأميركية - التركية ويسرع في عملية إعادة بناء الثقة فيها، وضمن برنامج أكبر لتطوير العلاقات يشمل إقرار بيع منظومة «باتريوت» الأميركية بقيمة 3.5 مليارات دولار الى أنقرة، وإقرار صفقة مقاتلات «أف - ١٥» الأميركية للجيش التركي، وبحث تسليم المعارض التركي فتح لله غولن بعدما سلمت تركيا في وقت سابق القس الأميركي «أندرو برانسون».
٣- توسيع مساحة التفاهم والتناغم مع روسيا داخل سورية وخارجها.
هذا الانسحاب رحبت به روسيا واعتبرته عاملا مساعدا ومسهلا في التسوية السياسية، إذا إنه يطلق يدها ويعطيها تفويضا غير معلن ويزيل سببا من أسباب التوتر بين واشنطن وموسكو التي كانت رفعت درجة حملتها على الوجود الأميركي في سورية في الآونة الأخيرة واعتبرته عامل توتير وتعقيد للوضع وللحل.
٤- دفع إيران الى مراجعة عاجلة للموقف في ضوء هذا التطور الذي يعلن انسحاب اللاعب الأميركي مقابل سيطرة
أكبر للاعبين التركي والروسي اللذين يسود بينهما التفاهم والتناغم... صحيح أن الانسحاب الأميركي يعد انتصارا
ومكسبا لإيران التي فتح أمامها باب الحدود العراقية السورية على مصراعيه، ولم تعد مقيدة بقاعدة التنف ولا بضغوط سياسية تربط الانسحاب الاميركي بـ «الإيراني».. ولكن الصحيح أيضا أن إيران يساورها قلق غير معلن إزاء هذه الخطوة الأميركية التي تفتح، ولو بعد حين، مسألة سحب أو انسحاب القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها من سورية، وفي سياق خطة التسوية الشاملة التي لا تبقي إلا القوات الروسية وفي قواعد عسكرية محددة تكتسب شرعية وتمتد الى ما قبل الحرب.
٥- إخلاء الأميركيين لمنطقة شرق الفرات يطلق مرحلة من السباق المحموم لملء الفراغ الأمني والعسكري في هذه المنطقة بين 3 لاعبين خارجيين: روسيا وتركيا وإيران، ولاعبين محليين: الأكراد الذين يشكلون الحلقة الأضعف،
والنظام السوري، المستفيد الأرجح من هذه التطورات المتجهة في نهاية المطاف الى تسليمه المناطق الكردية لإدارتها وحمايتها، مع مراعاة الهواجس الأمنية التركية والمطالب السياسية الكردية.