- أول أزمة قلبية تهاجم عبدالناصرقالوا إنها إنفلونزا!
- عبدالناصر يسأل قرينته وهو يتجه إلى فراش النوم: هل تغديت؟
مساء يوم 28 سبتمبر 1970..
خرج صوت أنور السادات عبر الإذاعة المصرية، ينعى إلى مصر والعالم العربي والعالم أجمع الرئيس جمال عبدالناصر، الذي رحل عن الدنيا في الساعة السادسة والربع من مساء اليوم نفسه.
وقال أنور السادات: فقدت الجمهورية المصرية العربية المتحدة، وفقدت الأمة العربية، وفقدت الإنسانية كلها، رجلا من أغلى الرجال وأشجع الرجال وأخلص الرجال، هو الرئيس جمال عبدالناصر، الذي جاء بأنفاسه الأخيرة، في الساعة السادسة والربع من مساء اليوم 27 رجب 1390 الموافق 28 سبتمبر 1970، بينما هو واقف في ساحة النضال، يكافح من أجل وحدة الأمة العربية ومن أجل يوم انتصارها.
لقد تعرض عبدالناصر لأزمة قلبية حادة، بدت أعراضها عليه في الساعة الثالثة والربع بعد الظهر.
وكان قد عاد إلى بيته، بعد انتهائه من آخر مراسم اجتماع مؤتمر الملوك والرؤساء العرب الذي انتهي أمس في القاهرة، والذي كرس له الرئيس عبدالناصر كل جهده وأعصابه، ليحول دون مأساة مروعة دهمت الأمة العربية.
كانت الساعات الأخيرة في حياة جمال عبدالناصر ساعات مثيرة درامية.
كانت القاهرة قد شهدت خلال الأيام السابقة.. الأحداث الساخنة لوقائع مؤتمر الملوك والرؤساء العرب، بعد أحداث مروعة دموية في الأرواح انطلقت بها رصاصات عربية ضد صدور عربية، وسال الدم العربي على الأرض العربية.
وانتهى مؤتمر الملوك والرؤساء العرب بعد أحداث مثيرة، وبدأ الرئيس جمال عبدالناصر، يودعهم في مطار القاهرة واحدا بعد الآخر.
وعلى أرض المطار.. وبعد أن انتهى جمال عبدالناصر من توديع أمير الكويت الشيخ صباح السالم وبينما هو واقف في انتظار تحرك طائرة الأمير، أحس بألم في صدره، وشعر بالعرق يتصبب منه بغزارة.. والتفت عبدالناصر إلى نائبه.. وطلب أن تأتي سيارته إلى حيث كان يقف، لأنه يشعر بتعب مفاجئ، ولا يستطيع أن يسير بنفسه إلى السيارة كما كان يفعل عادة..
وأسرعت السيارة إلى مكان وقوف الرئيس جمال عبدالناصر.. وركب الرئيس السيارة متوجها إلى بيته، حيث دخل مباشرة إلى حجرته.. وخلال دقيقة كان طبيبه المقيم د.الصاوي يدخل الغرفة خلف الرئيس. كانت الساعة قد بلغت الرابعة إلا ثلثا.. وكان د.الصاوي قد أجرى فحصا مبدئيا على الرئيس، وعندما وجد أن الأمر خطير، طلب استدعاء د.فايز منصور، الذي كان يشرف على علاج الرئيس جمال عبدالناصر، وفي الوقت نفسه طلب أيضا د.زكي علي ود.طه عبدالعزيز، الذين لحق بهم د.رفاعي محمد كامل، واجتمع الأطباء حول عبدالناصر في فراشه.. وكان تشخيصهم الفوري أن هناك جلطة شديدة، أحدثت أزمة قلبية حادة، وأن هناك عدم انتظام في دقات قلب الرئيس!
وفي الحال.. بدأ الأطباء محاولاتهم لإنقاذ حياة جمال عبدالناصر.. وبدأو الإسعافات الأولية السريعة، واستخدموا جهاز الأوكسجين، وأجهزة الصدمة الكهربائية لتنشيط القلب، وكل ما في وسعهم من علامات معروفة، تستخدم في هذه اللحظات الحرجة في حياة مريض القلب.
ومن ناحية أخرى.. وبينما شبح الكارثة يحوم حول حجرة نوم عبدالناصر.. كان البيت قد امتلأ بمعاوني الرئيس..
كان جمال عبدالناصر يرقد في حجرة النوم، والأطباء حوله يصارعون الخطر، ويحاولون السيطرة على الأزمة القلبية.
وفي هذه اللحظات العصيبة.. كانت السيدة تحية قرينة الرئيس عبدالناصر تقف على قرب خارج حجرة النوم.
وكان الأطباء هم الذين أمروا بذلك!
وكانت دموع زوجة الرئيس عبدالناصر تتدفق في صمت.. والتف حولها بقية أفراد أسرتها، ودموعهم في عيونهم!
كان القلق واضحا في كل الوجوه.. وكانت أعصاب الجميع ترتجف.
وفي داخل حجرة النوم.. بدأت الدقائق الأخيرة في حياة جمال عبدالناصر تحمل للأطباء النذير المروع!
كانت حالة جمال عبدالناصر تتدهور باستمرار سريع!
وعلى الناحية الأخرى من الفراش وفي أركان الحجرة.. كان يقف الفريق محمد فوزي وشعراوي جمعة وسامي شرف، ومحمد أحمد والكاتب الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل، وبعد برهة انضم إليهم حسين الشافعي وعلي صبري وأنور السادات.
وكان د.الصاوي مستمرا في تدليك قلب عبدالناصر، وكان يضغط على صدره عشرات المرات.. لكن في الساعة السادسة والربع تماما.. أدرك الأطباء الحقيقة الحزينة، أن الأصل قد ضاع، وأن روح عبدالناصر قد فارقت جسمانه المسجى على الفراش.
لكن الأطباء رغم ذلك بدوا وكأنهم لا يصدقون.. ما هم متأكدون منه.
وبدأ أنه لا أحد آخر في الغرفة قادر على التصديق!
في لحظة الموت هذه.. اندفعت السيدة قرينة عبدالناصر إلى حجرة النوم.. وأسرعت إلى فراشه..
وبدأ الموجودون يغادرون الغرفة في ذهولهم.. ليتركوا الأسرة في لحظات الوداع الأخير.
وذهبوا إلى غرفة المكتب المجاورة مباشرة لغرفة نوم عبدالناصر، يحاولون استيعاب الموقف، وأصوات أسرة عبدالناصر تصل إلى آذانهم.
وطلب منهم أنور السادات أن يعقدوا في الحال اجتماعا في صالون البيت.
وفي الصالون، اجتمع أنور السادات وحسين الشافعي وعلي صبري وشعراوي جمعة، والفريق محمد فوزي وسامي شرف وهيكل.
وانتهى الاجتماع بالاتفاق على دعوة اللجنة التنفيذية للاتحاد الاشتراكي العربي ومجلس الوزراء، إلى جلسة عاجلة لإعلان الخبر، وبحث الإجراءات المفروض اتخاذها، وذلك بعد أن اتفقوا على إعلان حالة الطوارئ القصوى في الجبهة تحسبا لأي أحداث طارئة.
واتفق الجميع على نقل جثمان الرئيس جمال عبدالناصر، وأن يكون تشييع الجنازة في العاشرة من صباح يوم الخميس. لإتاحة الفرصة أمام ملوك ورؤساء العالم، من أصدقاء عبدالناصر للاشتراك في وداعه الأخير.
وانطلقت السيارة إلى القصر الجمهوري بالقبة.. وهناك وضع الجثمان في عيادة القصر.. وكانت ليلة حزينة في القصر الجمهوري.. الذي امتلأ بكبار رجال الدولة ورجال الثورة والوزراء الذين كان عدد منهم في ذلك اليوم في زيارة خاصة للجبهة وتم استدعاؤهم على عجل بالطائرة.
وتحدث أنور السادات.. وقال في حزن إنه كان يتمنى ألا يعيش هذا اليوم، وأن ينعاه جمال عبدالناصر، ولا يقوم هو بنعي جمال عبدالناصر!
لم تكن تلك هي النوبة القلبية الأولى التي تصيب جمال عبدالناصر!
وكان في سبتمبر أيضا في العام السابق قد تعرض لنوبة قلبية. لكن يومها وحرصا على الاكتفاء بأشياء كثيرة، تم الاتفاق على الإعلان عنها بأنها نوبة انفلونزا.
ولم يرض كل من حول عبدالناصر ويعرفون حقيقة مرضه وصحته بذلك.. فألحوا عليه كثيرا.. حتى وافق أخيرا على أن يذهب في اجازة إلى مرسى مطروح!
وسافر عبدالناصر بالفعل إلى مرسى مطروح.. لكن الاجازة انتهت في نفس يوم وصوله إليها!
فقد انفجرت في اليوم نفسه أزمة الأردن والمقاومة الفلسطينية.. وطار إليه من ليبيا في اليوم نفسه معمر القذافى.
وطوال تسعة أيام ضغط عبدالناصر على جهده وأعصابه وفكره.. لوقف النزيف في الأردن.. وإتاحة الفرصة للمقاومة الفلسطينية حتى توقيع اتفاق القاهرة.
وفي ليلة انتهاء المؤتمر.. غادر عبدالناصر فندق هيلتون ـ مقر المؤتمر ـ في نحو الساعة العاشرة مساء بعد توقيع الاتفاق. وكان لحظتها يشعر بإجهاد شديد.. لكن في الليلة نفسها قام بتوديع معمر القذافي وقضى بقية الليلة حتى الفجر يتابع عمل لجنة الرقابة، التي كانت قد سافرت إلى الأردن برئاسة السيد الباهي الأدهم.
وكان حريصا على توفير كل الضمانات لتحقيق الهدف.. ووضع الاعتمادات المالية اللازمة تحت تصرف اللجنة.. وتوفير معدات اتصالات لا سلكية لها مع القاهرة.. وانتهت الليلة العصيبة.
وبزغ نهار اليوم الأخير في حياة جمال عبدالناصر!
اليوم الأخير في حياته.. كان على عبدالناصر أن يودع الملوك والرؤساء الذين سيغادرون القاهرة. وبعد ان غادر البيت في الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا الى مطار القاهرة لتوديع امير الكويت.. وهناك شعر بالتعب.. وطلب أن تحضر إليه سيارته حيث يقف على أرض المطار.
وكان وصل إلى البيت.. وهو في طريقه إلى حجرة نومه.. حتى سأل عن السيدة قرينته.. وسألها: هل تغديت؟
قالت له: كنت في انتظارك.
قال لها: لا أشعر أنني أستطيع أن أضع في فمي شيئا!
ظلت معه حتى خلع ملابسه واستلقى على الفراش..
وشاهدته يدق الجرس ويطلب الدكتور الصاوي طبيبه المقيم.
وغادرت قرينة الرئيس الغرفة فور حضور د.الصاوي.
وكانت النهاية..
ملك الحوادث وصحافة الجريمة
محمود صلاح.. يطل على القراء من «أنباء مصرية»
الحلقة الأولى
هكذا وصفه خبراء الصحافة المصرية.. ملك الحوادث وصحافة الجريمة في العالم العربي.. الرجل الذي أبكى الملايين بكلماته صباح كل سبت بعد أن يرسم بقلمه تفاصيل قصة إنسانية تنذر بخطر موجود في المجتمع، صاحب فكرة إصدار جريدة «أخبار الحوادث» التي ولدت عملاقة، حيث وزع عددها الأول 500 ألف نسخة، الفكرة التي جاءته أثناء وجوده في الولايات المتحدة الأميركية بعد أن شاهد جريدة أميركية متخصصة في الجريمة، وطرح سؤالا مع نفسه: لماذا لا تكون في مصر جريدة خاصة بعالم الجريمة؟
إنه الكاتب الصحفي محمود صلاح الذي أثار أبرز حوادث الرأي العام المصري.
الأمانة في العمل.. هي المعيار الأول والأخير عنده، ودائما ما كان يطلب من المحررين ان يتحروا الدقة في عرض المعلومات، بحيث لا يتعرض دائما للحياة الخاصة لأي شخص او نشر أخبار مفبركة.. لم يطرد طوال فترة وجوده بـ «أخبار الحوادث» الا محررا قام بنشر خبر مفبرك عن امرأة بريئة في قضية مشينة، لم يكن هدفه فقط مجرد النشر بل الوقوف الى جانب المظلوم حتى ظهور الحقيقة وابلغ دليل على ذلك قضية الممرضة عايدة عندما نشر في جريدته أنها بريئة بعد صدور حكم الإعدام عليها ونجح مع فريق عمله في الوقوف الى جانبها حتى حصلت على البراءة، ليس ذلك فقط بل تحولت بعض قضاياه الى أعمال فنية في السينما والتلفزيون.
الكاتب الأشهر في عالم الجريمة خص «أنباء مصرية» بمجموعة من كتبه الجديدة والشيقة لتقوم بنشر ملخصات لها خدمة للقارئ العزيز على حلقات بصورة متتابعة، نبدأها بكتاب «آخر يوم.. في حياة جمال عبدالناصر!».