- الآلام المبرحة وراء تفكير الزعيم المصري عبد الناصر في الاعتزال!
- صفيحة الجبنة البيضاء.. دائماً في طائرة رئيس الجمهورية!
- عبد الناصر: كيف أذهب للعلاج في موسكو.. وأولادي يموتون هنا؟!
كان الكاتب الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل من أقرب الناس إلى الرئيس جمال عبدالناصر.وعاش هيكل مع عبدالناصر منذ بداية الثورة وحتي رحيل عبدالناصر.. صديقا مخلصا ورفيقا ملهما.. في كل وقت.. وطوال الوقت. ولابد أن هيكل قد بذل جهدا كبيرا لكي يستطيع أن يكتب عن «نهاية عبدالناصر»! لكنه في النهاية كتب القصة الحزينة.. بعد شهر من رحيل عبدالناصر..وقال هيكل فيها: هذه هي السفرة الأولى التي يذهب فيها ولا أكون في رفقته!لم استطع لفترة طويلة أن أعزي نفسي، بأن ذلك لم يكن اختيارا أراده هو.. وإنما المقادير هي التي فرضته عليه وعليّ.
***
ومضى هيكل يروي القصة ويكتب عن نهاية ناصر قائلا: إن صراعه مع الألم بدأت سنة 1958. حيث اكتشف الأطباء أن لديه مرض السكر.. وكتب الأطباء تقريرا عن حالته يقولون فيه: إن المرض يمكن السيطرة عليه.. ولابد من السيطرة عليه. وذلك يقتضي ضبط ثلاثة عناصر رئيسية في طريقة حياته:
٭ ضبط الطعام.
٭ وضبط المجهود.
٭ ضبط الانفعالات.
وقرأ التقرير.. ووضع علامة الموافقة على البند الأول، مما يطلبون ضبطه، وهو الطعام وترك البندين الباقيين من دون إشارة إلى رأيه فيه!وطلب أطباؤه موعدا معه لمناقشته.وقال للأطباء وهو يمسك بالتقرير.. وبالنسبة لضبط الطعام ممكن بشرط واحد.. هو ألا يمتد المنع إلى الجبنة البيضاء.وكانت الجبنة البيضاء أكلته المفضلة.. ولم يخرج من مصر في رحلة إلا وكانت في الطائرة صفيحة من الجبنة البيضاء.ورضي حتى قال له الأطباء إن الجبنة البيضاء لن تكون ضمن المحظورات.وانتقلت المناقشة إلى البندين الأخيرين في التقرير.. ضبط المجهود وضبط الانفعالات.وقال لهم الرئيس عبدالناصر في بساطة: كيف لي أن أسيطر على المجهود والانفعالات.. هذه حياتي كلها!ثم وعدهم في النهاية أن يحاول.. لكنهم كانوا يرون بعيونهم أنه لا يحاول!وجاءت انتكاسة الثورة في العراق، ثم مشاكل الوحدة، ثم ثورة الاشتراكية، ثم ضربة الانفصال، ثم مواجهة آثار الانفصال في مصر وفي العالم العربي، ثم حرب اليمن، ثم خطط التنمية المتلاحقة ومنجزاتها ومشاكلها.ثم هموم الانحرافات، وكانت قد بدأت تضايقه بشدة سنة 1965 و1966، ثم جاءت مؤامرة العدوان سنة 1967، ثم الهزيمة في معارك الأيام الستة. وجاء يوما 9 و10 يونيو بانفعالاتهما المضنية، وخلال ذلك كله كانت مضاعفات السكر ـ بغير أي محاولة لضبط المجهود أو ضبط الانفعالات ـ تزداد، وحين أجري عليه كشف عام يوم 1 يوليو 1967 فإن الأطباء وأولهم طبيبه الخاص الصاوي حبيب أحسوا بالخطر!وكانت مضاعفات السكر قد أحدثت تأثيرها في شريان القدم اليمنى.
***
ويكمل هيكل بقية قصة صراع عبدالناصر مع المرض فيقول: وفي يوليو سنة 1968.. وكان على موعد لسفر إلى موسكو.. واقترح عليه الأطباء أن تكون تلك فرصة.. يدرس معهم الأطباء السوفييت فيها حالته. وفوجئت بشدة آلامه وأنا جالس أمامه في الطائرة المسافرة إلى موسكو.وجلسنا بجواره.. أنور السادات وأنا على كرسيين متواجهين في الطائرة.. وكنا ساكتين لنعطيه فرصة للنوم.. ولكن نظرات عيوننا لم تكن ساكتة!
***
وذهب إلى مستشفي بربيني بعد وصوله الى موسكو. وأجرى له كشف كامل.. وعاد من المستشفى ومعه أنور السادات.. الذي بادرني قائلا: المسألة بسيطة.. قاطعه الرئيس عبدالناصر: أنور.. سنقول الحقيقة.. يجب أن يعرف هو الآخر!ثم مضى يقول: لقد وجدوا أن هناك تصلبا في شرايين الساق.. من أثر مضاعفات السكر. وسألت عن العلاج.. قال: طلبوا مني أن أعود في ظرف اسبوعين للعلاج بالمياه الطبيعية في بلد اسمه «تسخا لضوبو» في جورجيا.. ثم أدوية جديدة وأخيرا النصائح التقليدية عن ساعات العمل المحدودة والإجازات المتكررة.يقول هيكل: وعاد إلى القاهرة.. واشتدت الآلام، وكان ذلك ما توقعه الأطباء السوفييت.. كرد فعل للعلاج بالمياه الطبيعية المشعة.. وكمقدمة لا بد أن يجئ بعدها التحسن التدريجي.وأذكر يوما في تلك الفترة.. وكنت قد ذهبت إلى زيارته في الإسكندرية وسألته في الآلام. فقال: لم يظهر التحسن بعد.. ولكن الأطباء يقولون إنه سيحدث.ثم عادت نظرته إلي.. وهو يقول: إنني أفكر جديا في قرار أريد أن أناقشه معك.وانتظرت ساكتا ليكمل حديثه. فاستطرد: إذا لم تذهب هذه الأحلام فكيف أستطيع أن أواصل العمل في هذه الحالة سأعتزل.. هل تجد أمامي سبيلا آخر؟!حكمت بسذاجة ألوم نفسي عليها الآن.لو استطعنا فقط تنظيم عملك.. لتمكنت أن تريح نفسك ولو قليلا.قال هو: إنني لا أتحدث عن نفسي.. ولكن أتحدث عن «البعد».. كيف استطيع أن أقوم بكل ما يجب علي القيام به.. وأنا متعب هكذا ليس ذلك عدلا بالنسبة للناس.
***
وحين طرح أمامه في تلك الظروف موعد زيارته الثانية إلى العلاج بموسكو «لكي تنتهي الآلام، أشار بتأجيل الموعد إلى شهر سبتمبر.. حتى تكون الظروف قد تكشفت».ومع أن الآلام بدأت تعود إليه حارة مرة أخرى بعد سنتين إثر العلاج الطبيعي.. فإنه لم يتعجل الذهاب للمرة الثانية.. لأنه ـ كما قال للدكتور منصور فايز وللدكتور الصاوي حبيب ـ «لا استطيع أن أترك أولادنا هنا يموتون.. وأذهب أنا للعلاج في موسكو».
***
وجاء يوم 11 سبتمبر 1969.. وكان مقررا أن يجري الدكتور الصاوي عليه كشفا عاما. ليعد تقريرا كاملا. وكان يقول دائما للدكتور الصاوي: إنك لا تستطيع التحكم في ملامحك يا دكتور.. وأنا أرى نتيجة الكشف على ملامحك.وتمالك الدكتور الصاوي نفسه.. وقال: سيادة الرئيس.. أرى أن تقوم بعمل رسم للقلب.. يكون معنا ونحن في موسكو!وأجرى رسم القلب.. وخرج الدكتور الصاوي بالجهاز يقرأ نتيجة الرسم.. خارج غرفة نوم عبدالناصر.وذهل لما رأى!هناك صورة جلطة انسداد في فرع الشريان الأمامي للقلب!ودعاني لأصعد إلى غرفته.وعندما دخلت: هل صحيح ما يقولون.. أو هي محاولة لتخويفي.. حتى يفرضوا علي الإجازة الإجبارية!وقلت: إن الأمر يجب أن يؤخذ جدا.قال بهدوء: ليكن.. ولكن المهم ألا يعرف أحد.. حتى لا تفلت «البلد»!قلت: قد نقول إنها انفلونزا.. لا يهم ما نقوله.. ولكن المهم أن تستريح.
***
ويكمل هيكل: وجلسنا بعد ذلك مع مجموعة من أصدقائه ومعاونيه نتحدث.واتفق رأينا على أن نستعين بخبرة عالمية.. وكان تساؤلنا: لماذا لا نجيء بأكبر أطباء القلب السوفييت؟ وطارت رسالة سرية عاجلة إلى موسكو.. وجاء الدكتور شازون وزير الصحة في الاتحاد السوفييتي.. وهو نفسه في أكبر خبراء القلب. ومعه مجموعة من صفوة الأطباء. وأجرى الكشف. وكانت النتيجة نفس النتيجة!والعلاج نفس العلاج.. الذي اقترحه وطبقه الأطباء المصريون، وبدأ التحسن يظهر في رسوم القلب..لكن الدكتور صلاح الدين كان يشعر بأن التحسن لا يسير بالسرعة الواجبة. ولم يكن معتدلا أن يتحسن شيء بالسرعة الواجبة.. كان هناك عمل كثير.كانت هناك دورة لمجلس الأمة يتعين افتتاحها.. ولا يمكن تأجيلها بعد الموعد الدستوري المقرر لها.ثم تلاحقت الحوادث.. مؤتمر القمة في الرباط.. وكل ما جرى فيه وزيارته الأولى إلى ليبيا.. ثم زيارته إلى السودان.وكان أطباؤه جميعا في حالة يرثى لها!وخصوصا في بني غازي.. يوم وقف أربع ساعات كاملة على سيارة جيب.. يخوض بحرا من البشر يتلاطمون من حوله كالموج الهائج.وعاد إلى مصر بإنفلونزا حادة.. وكان قد اقتنع بضرورة أن يستريح بعض الوقت!
***
لكن التطورات لم تتركه يستريح!فقد بدأت غارات العمق ولا يمكن لأحد أن يصف شعوره عندما كانت تصله الخسائر بين المدنيين خصوصا بين الأطفال.. الذين كانوا أحب شيء في الوجود إلى قلبه.. وقرر أن يسافر إلى موسكو.. وحينما عرف الدكتور الصاوي بقرار السفر.. دخل عليه والجد كله على وجهه.. وقال له: سيادة الرئيس.. هل صحيح خبر السفر إلى موسكو!قال الرئيس عبدالناصر: نعم.قال الدكتور الصاوى: إن هذا مستحيل.. لأن الإنفلونزا لم تتحسن.. ودرجة الحرارة في موسكو كما عرفت ست وثلاثون تحت الصفر!
ملك الحوادث وصحافة الجريمة.. محمود صلاح.. يطل على القراء من «أنباء مصرية»
الحلقة الثانية
هكذا وصفه خبراء الصحافة المصرية.. ملك الحوادث وصحافة الجريمة في العالم العربي.. الرجل الذي أبكى الملايين بكلماته صباح كل سبت بعد أن يرسم بقلمه تفاصيل قصة إنسانية تنذر بخطر موجود في المجتمع، صاحب فكرة إصدار جريدة «أخبار الحوادث» التي ولدت عملاقة، حيث وزع عددها الأول 500 ألف نسخة، الفكرة التي جاءته أثناء وجوده في الولايات المتحدة الأميركية بعد أن شاهد جريدة أميركية متخصصة في الجريمة، وطرح سؤالا مع نفسه: لماذا لا تكون في مصر جريدة خاصة بعالم الجريمة؟
إنه الكاتب الصحفي محمود صلاح الذي أثار أبرز حوادث الرأي العام المصري.
الأمانة في العمل.. هي المعيار الأول والأخير عنده، ودائما ما كان يطلب من المحررين ان يتحروا الدقة في عرض المعلومات، بحيث لا يتعرض دائما للحياة الخاصة لأي شخص او نشر أخبار مفبركة.. لم يطرد طوال فترة وجوده بـ «أخبار الحوادث» الا محررا قام بنشر خبر مفبرك عن امرأة بريئة في قضية مشينة، لم يكن هدفه فقط مجرد النشر بل الوقوف الى جانب المظلوم حتى ظهور الحقيقة وابلغ دليل على ذلك قضية الممرضة عايدة عندما نشر في جريدته أنها بريئة بعد صدور حكم الإعدام عليها ونجح مع فريق عمله في الوقوف الى جانبها حتى حصلت على البراءة، ليس ذلك فقط بل تحولت بعض قضاياه الى أعمال فنية في السينما والتلفزيون.
الكاتب الأشهر في عالم الجريمة خص «أنباء مصرية» بمجموعة من كتبه الجديدة والشيقة لتقوم بنشر ملخصات لها خدمة للقارئ العزيز على حلقات بصورة متتابعة، نبدأها بكتاب «آخر يوم.. في حياة جمال عبدالناصر!».