- الولايات المتحدة تخاطر بفقدان ثقة أصدقائها الأوروبيين لعدم التنسيق معهم .. وحلفائها الأكراد فالمجال صار مفتوحاً لإيران وتركيا لزيادة نفوذهما
عندما باغت الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجميع بإعلانه انسحابا أميركيا «شاملا وسريعا» من سورية، أحدث هذا الإعلان بلبلة واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها، ولدى حلفائها وخصومها في آن.
داخل الولايات المتحدة أصوات قليلة ارتفعت تؤيد هذا القرار وتعتبره «خطوة ذكية» من شأنها أن تفسد العلاقة بين روسيا وحلفائها في المنطقة، وأن تفرض على روسيا ضرورة الاختيار بين تركيا وإيران، فإذا سمحت لتركيا بدخول سورية ستفقد نفوذها على السوريين والإيرانيين، وبالتالي بسحب قواتها من سورية تكون الولايات المتحدة أزالت العامل الذي كان يجمع بين الشركاء المتحالفين، إذ لم يعد هناك أي أساس لتعاون الروس والأتراك والإيرانيين من حيث المبدأ، وهذا أمر جيد.
ولكن كبار المسؤولين في «الپنتاغون» و«الخارجية» شعروا بحجم التداعيات المترتبة على هذا القرار الذي يعطي انتصارا لـ «روسيا وإيران والنظام السوري وداعش»، والذي ينعكس سلبا على مصداقية الولايات المتحدة التي كانت التزمت البقاء في سورية الى حين القضاء النهائي على «داعش»، والتوصل الى حل سياسي ينهي الحرب، وتعهدت حماية حلفائها الأكراد، فيما الانسحاب الأميركي يعرضهم لخطر هجمات تركية ضدهم.
وبالإجمال، فإن أميركا تخاطر بفقدان ثقة حلفائها في المنطقة، الأكراد بالدرجة الأولى، الذين يرون أن المجال صار مفتوحا لإيران وتركيا لزيادة نفوذهما في سورية، وللأوروبيين أيضا الذين ساءهم الانسحاب الأميركي غير المنسق معهم وغير المنسجم مع رؤيتهم لمستقبل سورية.
وللإسرائيليين كذلك الذين رأوا أن الانسحاب الأميركي يتعارض مع مصالحهم وخططهم الهادفة الى احتواء إيران وإنهاء وجودها العسكري في سورية.
هذا المناخ من البلبلة والاعتراض، دفع إدارة ترامب الى إصدار مواقف مطمئنة بشأن قرار الانسحاب، والى القيام بحركة ديبلوماسية مكثفة في اتجاه الشرق الأوسط لتسويق هذا القرار وشرحه وتضمينه التعديلات والتوضيحات اللازمة.
وفي هذا الإطار تندرج التطورات التالية:
١- جولة وزير الخارجية مايك بومبيو في المنطقة، والتي تهدف خصوصا لطمأنة حلفاء واشنطن بأنها لاتزال منخرطة في سورية، وبأن التحالف في مواجهة إيران مازال فعالا وسيستمر.
وأبلغ بومبيو الذين التقاهم حتى الآن بأن أميركا لن تنسحب من قاعدة التنف العسكرية الموجودة في مثلث الحدود السورية ـ العراقية ـ الأردنية، وأن الانسحاب من سورية سيكون بطيئا ومدروسا.
٢- زيارة مستشار الأمن القومي جون بولتون الى إسرائيل وتركيا، حيث حرص في الأولى على تطمين المسؤولين الإسرائيليين بأنه لا يوجد جدول زمني لسحب القوات الأميركية من شمال شرقي سورية، وأن الولايات المتحدة ستحرص على ألا تتضرر إسرائيل وسائر حلفائها (في إشارة إلى المسلحين الأكراد) من قرار انسحاب القوات الأميركية من سورية، موضحا أن انسحاب الجيش الأميركي من شمال شرقي سورية، مشروط بهزيمة فلول تنظيم «داعش»، وضمان تركيا سلامة المقاتلين الأكراد المتحالفين مع الولايات المتحدة.
أما في تركيا، فقد أحدث بولتون توترا مع المسؤولين الأتراك عندما ناقش مرحلة الانسحاب الأميركي من سورية من زاوية «حماية الذين قاتلوا معنا ضد «داعش»، قاصدا الأكراد، ومنع ظهور تنظيم داعش مجددا ومكافحة الأنشطة الإيرانية في المنطقة.
لم يلتق بولتون الرئيس التركي أردوغان الذي امتنع عن استقباله كردة فعل على تصريحاته التي دافع عنها عن شركاء بلاده الأكراد في سورية الذين أدرجتهم أنقرة على لائحة الإرهاب، معتبرا أن بولتون ارتكب خطأ فادحا وأنه يعقد خطة ترامب للانسحاب بتحديد الشروط المتعلقة بدور الجيش التركي بعد الانسحاب الأميركي من سورية، وبالإعلان أن الانسحاب الأميركي لن يحدث حتى تضمن تركيا سلامة المقاتلين الأكراد.
٣- الاتصال الذي جرى بين ترامب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وخلص الى أن القضاء على «داعش» يبقى الأولوية بالنسبة إلى الطرفين، وانه في سياق انسحاب الوحدات الأميركية، فإن ماكرون شدد على «أهمية التنسيق الوثيق بين أطراف التحالف الدولي بما يضمن أمن شركائنا كافة».
وفي الواقع، فإن باريس تنفست الصعداء بعد التوضيحات الأميركية الأخيرة التي جاءت على لسان ترامب ومستشاره بولتون، ووزير خارجيته بومبيو.
والسبب في ذلك، أن ما كانت تطمح إليه الديبلوماسية الفرنسية، أي حصول انسحاب متفق عليه وغير متسرع من جهة وتوفير ضمانات للأكراد من جهة ثانية، تحول بشكل ما إلى خطة أميركية جاءت بعد القلق الذي ضرب شركاء واشنطن في المنطقة وخارجها.