- أنور السادات.. يصاب بأزمة صحية أثناء جنازة عبدالناصر!
- تلفزيون في الكلية الفنية العسكرية لتشاهد بنات الرئيس جنازته!
كان قد تم نقل جثمان الرئيس جمال عبدالناصر من بيته إلى قصر القبة.
في السادسة صباحا.. دخل إلى القصر أربعة رجال هم د.صلاح جبر طبيب الرئيس واللواء الليثي قائد الحرس الجمهوري ود.عبده سلام وزير الصحة ود.كمال السيد مصطفى كبير الأطباء الشرعيين.
وبعد نصف ساعة بدأت الاستعدادات لغسل الجثمان.. وكان أنور السادات وحسين الشافعي وعلى صبري قد أمضوا الليل في القصر بجوار الجثمان.
بعد دقائق بدأت عملية الغسل.. وأشرف كبير الأطباء الشرعيين على لف الجثمان بالأكفان ووضعه في الصندرة. وكانت بداية رحلة الوداع الأخيرة في الساعة السابعة والنصف.
وتقدم ثمانية من ضباط الحرس الجمهورى.. الذين رافقوا الرئيس جمال عبدالناصر طوال حياته.. ليحملوا نعش الرئيس الذي كان ملفوفا بعلم الجمهورية العربية.. وكان أطباء رئاسة الجمهورية قد رأوا أن يوضع جثمان عبدالناصر بعد وفاته في عيادة قصر القبة لأنها مكيفة بالهواء البارد انتظارا ليوم تشييع الجنازة بعد ثلاثة أيام في الوفاة.
وقام الأطباء بمنع دخول العيادة بعد ذلك نهائيا أو فتح أبوابها.. حتى تظل درجة الحرارة ثابتة طوال الأيام الثلاثة.
ومضى ضباط الحرس الجمهوري الثمانية يحملون نعش الرئيس عبدالناصر.. وصعدوا سلالم القصر.. حتى وصلوا إلى القاعة الكبيرة المواجهة لمكتب الرئيس.
ووضع النعش.. ووقف حول أربعة من ضباط الحرس الجمهوري.
وروت الصحف المصرية كلها تفاصيل ما حدث في صباح اليوم التالي، وقالت: وتوجه أنور السادات ومرافقوه إلى الصالون الملحق بمكتب الرئيس وهناك تلقى مكالمة من مجلس قيادة الثورة، أخطروه فيها أن الطريق مغلق تماما وأن سير الجنازة متعذر.
ورد السادات في تأثر: الناس معذورين!
وبعد دقيقتين تلقى الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري مكالمة تلفونية أخرى تفيد بأن الجماهير حاولت تحطيم سيارة المدفع الذي سيحمل جثمان الرئيس عبدالناصر.
وكانوا يصرخون بأنهم سيحملونه فوق أكتافهم! لكن رجال الحرس نجحوا بصعوبة في إبعاد الجماهير عن عربة المدفع.
وأسرع حسن التهامي يتصل بمنزل الرئيس وطلب إبلاغ أفراد أسرة الرئيس ألا يغادروا المنزل، لأن الطريق مسدود وأن ينتظروا حتى يتصل بهم مرة أخرى.
وقبل الساعة بخمس دقائق دق جرس التليفون وكان المتحدث شعراوي جمعة، الذي أبلغ رئيس الحرس الجمهوري بعدم تحرك أحد من قصر القبة، لأن أكثر من 40 ألف من الجماهير اقتحموا المواقع وتجمعوا في منطقة فندق هيلتون.
****
وحانت اللحظة التي سيغادر فيها جمال عبدالناصر قصر القبة إلى الأبد!
وقف حسين الشافعي ومحمد أحمد ومحمود الجيار خلف الجثمان.. وكان وراءهم كبار ضباط الحرس الجمهوري.. وتقدم حملة النعش وحملوا جثمان الرئيس من فوق المائدة.. وتحرك الموكب الحزين خارجا من قصر القبة.
****
وأقلعت الطائرة الهليوكوبتر رقم 1029 تحمل جثمان جمال عبدالناصر في رحلته الأخيرة! وخلفها أقلعت طائرتان أخريان.. ثم شهدت السماء مشهدا حزينا! فقد حلقت الطائرة التي تحمل جثمان الرئيس في دورتين فوق منزل الرئيس وقصر القبة.
****
وتحركت عربة المدفع التي تحمل نعش الرئيس جمال عبدالناصر.. وخرجت من بوابة مبنى مجلس قيادة الثورة.. وتوقفت أمام الرؤساء والملوك الذين كانوا في انتظارها. وأمامهم كان يقف أبناء الرئيس وإخوته خلف عربة المدفع.
وبدأ الموكب المهيب.. وتحركت العربة لتغوص في بحر متلاطم من عشرات الآلاف من المصريين. وتعالت الأصوات الحزينة الباكية: الله أكبر.. الله أكبر.. وتزايد تدافع الآلاف في الطريق الضيق.. وكان واضحا استحالة أي إمكانية لتحرك الجنازة الرسمية، رغم كل الترتيبات. وكان لا بد من صدور قرار بأن تتوقف الجنازة عند ميدان سعد زغلول. وأن يكون العزاء عند نهاية سور مبنى مجلس قيادة الثورة. ولم تقطع الجنازة سوى عشرة أمتار فقط!
وكان الإرهاق قد تغلب على أنور السادات.. وبدأ العرق يتصبب بغزارة على وجهه.. فطلب من مرافقيه العودة إلى مبنى مجلس الثورة.. وسار بضع خطوات.. ثم شعر بهبوط فحمله أحد المرافقين قبل أن يحضر أحدهم مقعدا ليجلس عليه.
وأعطى السادات قرصا منشطا للقلب والشرايين، ثم نقل بمقعده إلى مكتب أركان حرب مبنى مجلس قيادة الثورة.. ورافقه جعفر النميري وطبيبه الخاص الذي فحصه وتبين أنه يعاني من هبوط.
وتقدم جعفر النميري ليقدم كوب ماء لأنور السادات. وأسرع إلى المكان محمد حسنين هيكل وعلي صبري للاطمئنان على أنور السادات.. وصل فريق من الأطباء لإسعافه وإسعاف علي صبري أيضا بعد أن أجرى رسم قلب لكل منهما.. وقرر الأطباء نقلهما إلى قصر القبة للاستراحة.. لكن تم نقلهما إلى منزليهما.
ملايين المصريين الذين احتشدوا في كل شوارع القاهرة منذ المساء.. كالطوفان الهادر. غيرت المرسوم لسير الجنازة فلم تكن هناك أي حواجز أو موانع مهما كانت تستطيع منعهم من التعبير عن مشاعرهم إنهم كانوا الشعب. وكان الشعب يريد أن يحمل فوق أكتافه.. الرئيس الراحل.. في رحلته الأخيرة!
وصفت الصحف هذا المشهد قائلة: منذ الفجر الذي أطل على القاهرة في تردد.. لم يكن كأي فجر عرفته القاهرة.. فقد أشرق الصباح على وجوه.. أعياها الحزن.. وعيون محمرة من شدة البكاء.. تنتظر لتلقي النظرة الأخيرة على الزعيم. وكانت المظاهرات التي تضم أبناء الوطن العربي في كل مكان.. تطوف بالقاهرة وهي تردد في حزن عظيم. الوداع يا جمال يا حبيب الملايين.. الوداع!
****
كانت عشرات الآلاف من البشر قد غطت كل موقع قدم.. وتسلقوا الأشجار وأعمدة الكهرباء والعربات المصفحة منها.
ووسط هذا الجو المنعم الألم والتوتر.
ظهر موكب من السيارات في الطريق الصغير بين فندق هيلتون ومبنى الاتحاد الاشتراكي.. واندفعت الجماهير نحوه وهي تعتقد أنه موكب أنور السادات. لكن الجماهير أصيبت بما يشبه الجنون..
عندما اكتشفوا أن السيارة تركبها قرينة الرئيس جمال عبدالناصر وكريمتيه هدى ومنى.. فأحاطوا بالسيارة وهم يبكون وكادوا يرفعونها من على الأرض! وألقى العشرات من المواطنين أنفسهم أمام السيارة! وأغمى على قرينة الرئيس عبدالناصر.. وأسرع إليها محمود فهيم سكرتير الرئيس الذي كان يصاحبها رغم وفاة والدته في الصباح.. وأسرع باستدعاء أطباء الرئاسة، وإعطائها بعض الحقن المهدئة.
****
كانت هناك ثلاث سيارات مدرعة تحاول أن تشق طريقا أمام عربة المدفع التي تحمل جثمان الرئيس عبدالناصر.. لكن العربات المدرعة لم تستطع الصمود أمام مشاعر الملايين.. والذين اندفعوا نحو عربة النعش كموج لا يرده شيء وبدأ النعش يختفي وسط الأيدي التي امتدت نحوه.. تقبله وتحتضنه وترفعه وترفض أن تفترق عنه.
واشتد جنون الجماهير.. وامتدت الأيدي تحصل على علم مصر الذي كان يلف النعش. وراح العلم ينتقل من يد إلى أخرى.. في انفعال شديد.. وأصبح استمرار النعش على عربة المدفع التي تجر لنا الخيول شيئا مستحيلا.. فتقرر سحب عربة المدفع انقاذا للموقف.. وأن تحمل النعش عربة مدرعة. ومن مسجد جمال عبدالناصر.. كانت لحظة الوداع الأخيرة.. كانت عشرات الآلاف من الجماهير قد أحاطت من كل ناحية بالمسجد.
وأخيرا وصلت السيارة المدرعة التي تحمل نعش الزعيم ملفوفا بهم مصر.
وارتفعت صرخات الآلاف.. في جنة الخلد يا جمال.. وبجلد خارق استطاع رجال الحرس الجمهوري أن يحملوا الجثمان عبر طوفان البشر إلى داخل المسجد. وقد استغرقت هذه العملية وحدها حوالي 40 دقيقة. ووصل الرئيسان جعفر النميري ومعمر القذافي وخالد عبدالناصر وحسين الشافعي وزكريا محيي الدين وعبداللطيف البنداري وكمال الدين حسين وحسن إبراهيم والفريق أول محمد فوزي وعبدالعزيز كامل وسامي شرف.
وكان في انتظار الجثمان عبدالحميد وعبد الحكيم عبدالناصر.. وهدى ومنى عبدالناصر.. اللتان كانتا تتابعان الجنازة في التلفزيون بمبنى الكلية الفنية العسكرية ثم انتقلتا إلى مسجد جمال عبدالناصر.. وكان هناك أيضا في المسجد حاتم صادق وأشرف مروان وأشقاء الرئيس جمال عبدالناصر. ورفع رجال الحرس الجمهوري الجثمان.. وفي جواره من صحن المسجد.. وبدأت مراسم الدفن
وإلى داخل المقبرة هبط مع الجثمان الابن خالد عبدالناصر.
وانفجر الجميع في البكاء..
ملك الحوادث وصحافة الجريمة محمود صلاح.. يطل على القراء من «أنباء مصرية»
الحلقة الأخيرة
هكذا وصفه خبراء الصحافة المصرية.. ملك الحوادث وصحافة الجريمة في العالم العربي.. الرجل الذي أبكى الملايين بكلماته صباح كل سبت بعد أن يرسم بقلمه تفاصيل قصة إنسانية تنذر بخطر موجود في المجتمع، صاحب فكرة إصدار جريدة «أخبار الحوادث» التي ولدت عملاقة، حيث وزع عددها الأول 500 ألف نسخة، الفكرة التي جاءته أثناء وجوده في الولايات المتحدة الأميركية بعد أن شاهد جريدة أميركية متخصصة في الجريمة، وطرح سؤالا مع نفسه: لماذا لا تكون في مصر جريدة خاصة بعالم الجريمة؟
إنه الكاتب الصحفي محمود صلاح الذي أثار أبرز حوادث الرأي العام المصري.
الأمانة في العمل.. هي المعيار الأول والأخير عنده، ودائما ما كان يطلب من المحررين ان يتحروا الدقة في عرض المعلومات، بحيث لا يتعرض دائما للحياة الخاصة لأي شخص او نشر أخبار مفبركة.. لم يطرد طوال فترة وجوده بـ «أخبار الحوادث» الا محررا قام بنشر خبر مفبرك عن امرأة بريئة في قضية مشينة، لم يكن هدفه فقط مجرد النشر بل الوقوف الى جانب المظلوم حتى ظهور الحقيقة وابلغ دليل على ذلك قضية الممرضة عايدة عندما نشر في جريدته أنها بريئة بعد صدور حكم الإعدام عليها ونجح مع فريق عمله في الوقوف الى جانبها حتى حصلت على البراءة، ليس ذلك فقط بل تحولت بعض قضاياه الى أعمال فنية في السينما والتلفزيون.
الكاتب الأشهر في عالم الجريمة خص «أنباء مصرية» بمجموعة من كتبه الجديدة والشيقة لتقوم بنشر ملخصات لها خدمة للقارئ العزيز على حلقات بصورة متتابعة، نبدأها بكتاب «آخر يوم.. في حياة جمال عبدالناصر!».