- ما تحقق فعلاً على أرض الواقع هو النزر اليسير من البرنامج الحكومي على الرغم من مرور نحو نصف المدة المحددة التي تضمنتها الوثيقة الاقتصادية
- قيادة مجلس الوزراء لا تقتصر على ترؤس الاجتماع الأسبوعي ومهام رئيس الحكومة التي قررها الدستور تتمثل في أن يضع السياسة العامة للوزارة في كل المجالات وأن يحدد اتجاهات وزرائه لما فيه تحقيق المصلحة العامة وفقاً لمنهج لا يتأثر بتغير الوزراء
- جاء في برنامج عمل الحكومة أنها تسعى إلى إصلاح منظومة التعليم لكن سنوات والوضع التعليمي بالكويت يهوي إلى المجهول ولم يتم تطويرة مع ظهور الشهادات المزورة
- الحكومة في سبيل التصدي للعجز اتجهت في الجزء الأكبر مـن سياساتها في الترشيـد لجيب المواطن الذي ليس له شأن في إدارة مقدرات الدولة ورسم سياساتها
- غياب سياسة الحكومة في التوظيف وتفاقم قضية البطالة وبعد كل هذه السنوات التي ترأس فيها سمو الشيخ جابر المبارك للوزارات استمرت أزمة التوظيف في التفاقم سنة بعد سنة بشكل مخيف
- كان أحـد أهداف برنامـج عمل الحكومـة تطويـر نظـام الرعايـة الصحيـة وتوجيهـه نحـو تعزيز الصحة العامة لكن بعد كل السنوات لم يتحقق شيء من ذلك على أرض الواقع
- رؤية الحكومة لتطوير قطاع النقل وحلّ أزمة المرور ومواجهة الأخطار البيئية هي من صميم عمل رئيس مجلس الوزراء وتدخل ضمن رسم السياسات العامة ولم يتم إنجاز شيء فيها
- تعرض ملف الجنسية خلال ترؤس سمو الشيخ جابر المبارك للحكومة في أكثر من وزارة للكثير من التخبطات يؤكد غياب السياسة العامة الواضحة حول أهم ملف وطني وأمني
قدم النائب د. عبدالكريم الكندري أمس استجوابا إلى سمو رئيس الوزراء الشيخ جابر المبارك من ٣ محاور وجاء نص الاستجواب كالتالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)
أول ما نستهل به عملنا البرلماني كممثلين عن الشعب، القسم الدستوري وفقا للمادة 91 حين رددنا بقاعة عبدالله السالم أمام الأمة «أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصا للوطن وللأمير، وأن أحترم الدستور وقوانين الدولة، وأذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله، وأؤدي أعمالي بالأمانة والصدق».
ذودا عن مصالح الشعب وأمواله، وإعمالا للأدوات الرقابية التي منحها الدستور لممثلي الأمة بموجب المادة 100 منه والتي نصت على أن «لكل عضو من أعضاء مجلس الأمة أن يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء وإلى الوزراء استجوابات عن الأمور الداخلة في اختصاصاتهم ولاتجري المناقشة في الاستجواب إلا بعد ثمانية أيام على الأقل من يوم تقديمه، وذلك في غير حالة الاستعجال وموافقة الوزير وبمراعاة حكم المادتين 101 و102 من الدستور يجوز أن يؤدي الاستجواب إلى طرح الثقة على المجلس».
عليه أتقدم بصحيفة استجواب لسمو رئيس مجلس الوزراء
الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح - بصفته
النائب د.عبدالكريم عبدالله الكندري
الأساس الدستوري لمسؤولية رئيس مجلس الوزراء:
نظم الدستور الكويتي في نصوصه سبل المحاسبة والرقابة البرلمانية على أعمال السلطة التنفيذية عن طريق تبني إثارة المسائلة السياسية لرئيس مجلس الوزراء والوزراء عن طريق أداة الاستجواب التي حدد المشرع لها شروطا شكلية وأخرى موضوعية وفقا للمادة 100 من الدستور التي نصت على أن «لكل عضو من أعضاء مجلس الأمة أن يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء وإلى الوزراء استجوابات عن الأمور الداخلة في اختصاصاتهم ولا تجري المناقشة في الاستجواب إلا بعد ثمانية أيام على الأقل من يوم تقديمه، وذلك في غير حالة الاستعجال وموافقة الوزير وبمراعاة حكم المادتين 101 و102 من الدستور يجوز أن يؤدي الاستجواب إلى طرح الثقة على المجلس».
لكن على خلاف الاستجوابات الموجهة للوزراء والتي قررت المادة 101 من الدستور أنها قد تنتهي بقرار من المجلس بعدم الثقة بالوزير واعتباره معتزلا من تاريخ قرار عدم الثقة به، فقد حدد الدستور الكويتي مسارا خاصا للتعامل مع استجواب رئيس مجلس الوزراء، حيث جاء في نص المادة 102 من الدستور «لا يتولى رئيس مجلس الوزراء أي وزارة، ولا يطرح في مجلس الأمة موضوع الثقة به. ومع ذلك إذا رأى مجلس الأمة بالطريقة المنصوص عليها في المادة السابقة عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء، رفع الأمر إلى رئيس الدولة، وللأمير في هذه الحالة أن يعفي رئيس مجلس الوزراء ويعين وزارة جديدة، أو أن يحل مجلس الأمة».
أوضحت المذكرة التفسيرية أسباب التمايز بين الاستجواب المقدم لرئيس مجلس الوزراء والوزراء من ناحية النتيجة أثناء شرح تحديد معالم دستور الكويت الذي تخير موضعا وسطا بين النظامين البرلماني والرئاسي بعدم النص على إسقاط الوزارة بكاملها بقرار عدم ثقة يصدره مجلس الأمة، والاستعاضة عن ذلك الأصل البرلماني بنوع من التحكيم يحسمه الأمير بما يراه محققا للمصلحة العامة، وذلك إذا ما رأى مجلس الأمة عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء كما جاء بالمادة 102.
وبينت المذكرة التفسيرية أيضا أنه إذا صدر قرار المجلس بعدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء لم يترتب على ذلك تنحيته عن الوزارة كما هو مقرر بالنسبة للوزير، وإنما يكون الأمير حكما في الأمر، إن شاء أخذ برأي المجلس وأعفى الوزارة، وإن شاء احتفظ بالوزارة وحل المجلس.
وأرجعت المذكرة هذا الأسلوب في التعاطي مع استجواب رئيس مجلس الوزراء الى أنه يأتي كضمانة تكفل الاستقرار للوزارة في مجموعها. كما أن رئيس مجلس الوزراء الذي يصل برمي مجلس الأمة به ومعارضته لسياسته حد تعريض المجلس نفسه للحل، وتعريض أعضائه أنفسهم لخوض معركة انتخابية مريرة، ليس من الصالح العام تحصينه أكثر من ذلك أو كفالة بقائه في الحكم إلى أبعد من هذا المدى.
أما عن الطبيعة القانونية للمساءلة، فتبنى الدستور الكويتي فكرة المسؤولية السياسية لرئيس مجلس الوزراء، حيث نصت المذكرة التفسيرية «ما أثبتته التجارب الدستورية العالمية من أن مجرد التلويح بالمسؤولية فعال عادة في درء الأخطاء قبل وقوعها أو منع التمادي فيها أو الإصرار عليها، ولذلك تولدت فكرة المسؤولية السياسية تاريخيا عن التلويح أو التهديد بتحريك المسؤولية الجنائية للوزراء، وقد كانت هذه المسؤولية الجنائية هي الوحيدة المقررة قديما».
لذلك تجد أن المسؤولية السياسية التي يثيرها عضو مجلس الأمة تأخذ طابعا خاصا يتمثل في التلويح والتجريح وإحراج رئيس مجلس الوزراء أو الوزير وهذا ما نصت عليه المذكرة التفسيرية صراحة «بأن تجريح الوزير، أو رئيس مجلس الوزراء بمناسبة بحث موضوع عدم الثقة أو عدم التعاون، كفيل بإحراجه والدفع به إلى الاستقالة، إذا ما استند هذا التجريح إلى حقائق دامغة وأسباب قوية تتردد أصداؤها في الرأي العام، كما أن هذه الأصداء ستكون تحت نظر رئيس الدولة باعتباره الحكم النهائي في كل ما يثار حول الوزير أو رئيس مجلس الوزراء، ولو لم تتحقق في مجلس الأمة الأغلبية الكبيرة اللازمة لإصدار قرار «بعدم الثقة» أو «بعدم التعاون»، كما أن شعور الرجل السياسي الحديث بالمسؤولية الشعبية والبرلمانية، وحسه المرهف من الناحية الأدبية لكل نقد أو تجريح، قد حملا الوزير البرلماني على التعجيل بالتخلي عن منصبه إذا ما لاح له أنه فاقد ثقة الأمة أو ممثليها».
أما فيما يتعلق بحدود المسؤولية السياسية، فقد نصت المادة 102 على أن «لا يتولى رئيس مجلس الوزراء أي وزارة». وهذا يعني أن رئيس مجلس الوزراء مفرغ لما هو أكبر من تولي حقائب وزارية متخصصة، أوعزت المذكرة التفسيرية للدستور ذلك لضخامة أعباء رئاسة الوزراء «ألا يتولى مع الرئاسة أي وزارة، وهو أمر له أهميته من ناحية سير العمل الحكومة، وبمراعاة ضخامة أعباء رئاسة الوزارة في التوجيه العام للحكم، والتنسيق بين الوزارات واتجاهاتها، وتحقيق رقابة ذاتية يمارسها رئيس مجلس الوزراء على الوزارات المختلفة، مما يضاعف أسباب الحرص على الصالح العام والتزام هذه الوزارات للحدود الدستورية والقانونية المقررة».
ووفقا لأحكام المادة 127 من الدستور «يتولى رئيس مجلس الوزراء رئاسة جلسات المجلس والإشراف على تنسيق الأعمال بين الوزارات المختلفة». وحددت المادة 123 من الدستور الدور الذي يمارسه مجلس الوزراء مجتمعا بأنه «يهيمن مجلس الوزراء على مصالح الدولة، ويرسم السياسة العامة للحكومة، ويتابع تنفيذها، ويشرف على سير العمل في الإدارات الحكومية».
أمام هذه النصوص الدستورية سالفة الذكر تكون إثارة المساءلة السياسية من قبل عضو مجلس الأمة لرئيس مجلس الوزراء واجبا وطنيا قبل أن يكون فرضا دستوريا تستوجب تحريك أداة الاستجواب تجاه رئيس مجلس الوزراء بمجرد قيامه بتعريض السياسة العامة للحكومة للإرباك أو التردد أو عدم الوضوح في منهجها ورؤيتها وبرامجها، أو أن يتسبب بسوء تشكيل مجلس الوزراء ضعفا في تماسكها من ثم فقدانها قدرتها على اتباع السياسات التي من شأنها تنفيذ برنامج عمل الحكومة وتحقيق قرارات وسياسات رئيس الوزراء العامة. فماذا إذا تجاوز ما سبق إخفاق رئيس مجلس الوزراء وتقصيره في تبني نهج واضح متمثل في سياسة عامة للحكومة مستقرة لا تتأثر بتغير الوزراء بحيث تكون واضحة الملامح محددة الأهداف ليتعدى الأمر إلى حالة من التناقض في القرار نتج عنه انعدام الثقة في أجهزة الدولة بسبب تبني سياسات المعلنة والتي لا تنفذ على أرض الواقع بل يتجاوز الأمر في الكثير منها إلى مخالفتها بشكل صارخ مما دعا معه رئيس مجلس الوزراء إلى عدم قدرته على الدفاع عنها أمام مجلس الأمة الذي غاب عن جلساته. بل أن في أغلب الأحيان يشار صراحة بأن مجلس الوزراء يدار من قبر بعض الوزراء وليس الرئيس.
إن هذا النهج وحالة عدم الوضوح في السياسة العامة صاحبت جميع الوزارات السبع التي ترأسها سمو الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح منذ تاريخ 13 ديسمبر 2011 لحظة صدور المرسوم الأميري بتشكيل أولى وزاراته حتى الوزارة السابعة الحالية التي صدر المرسوم الأميري بتشكيلها في 11 ديسمبر 2017، وهذا يجعل الموضوعات محل صحيفة الاستجواب الحالية الداخلة في اختصاصه متصلة بقضايا وسياسات وقرارات عامة سابقة منذ لحظة تكليفه حتى لحظة صعوده المنصة في هذا الاستجواب مادام لم يعدل عنها أو يقوم بتغييرها ومازالت قائمة، حيث إن استمرار بهذه الأعمال مع تشكيل الحكومة الجديدة يولد مسؤولية رئيس مجلس الوزراء عنها، وهذا ما أكدته المحكمة الدستورية في العديد من القرارات.
وعليه أتوجه بالاستجواب الآتي لسمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح عن اختصاصه في السياسة العامة للحكومة، باعتبار أن رئيس مجلس الوزراء هو الذي يتكلم باسم مجلس الوزراء، ويدافع عن هذه السياسة أمام مجلس الأمة كما قررت صراحة أحكام الدستور وقرارات المحكمة الدستورية.
المحور الأول: غياب السياسة العامة للحكومة والتنازل عن اختصاصات مجلس الوزراء لجهات أخرى:
غياب السياسة العامة للحكومة:
إن قيادة مجلس الوزراء لا تقتصر على ترؤس اجتماع أسبوعي لمجموعة من الوزراء يتباحثون بينهم شؤون وزارتهم أو يحاولون حل قضاياهم اليومية، أو التفكير بجلسة مجلس الأمة وماذا سيحصل بها. إن مهام رئيس مجلس الوزراء التي قررها الدستور تتمثل في أن يضع السياسة العامة للحكومة في كل المجالات، وأن يحدد اتجاهات وزرائه لما فيه تحقيق المصلحة العامة وفقا لمنهج لا يتأثر بتغير الوزراء، وليس هذا فقط بل هو ملزم بالمتابعة والإشراف والتنسيق للتأكد من فعالية وزرائه وتنفيذهم لهذه السياسات حتى تحقق حكومته النتائج المرجوة منها، هذا ما أكدته المادة 123 من الدستور «يهيمن مجلس الوزراء على مصالح الدولة، ويرسم السياسة العامة للحكومة، ويتابع تنفيذها، ويشرف على سير العمل في الإدارات الحكومية».
خلال كلمة رئيس مجلس الوزراء في افتتاح الفصل التشريعي الخامس عشر أكد سمو الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح بأن حكومته ستقدم برنامج عملها إعمالا لحكم المادة (98) من الدستور فور الانتهاء من إعداده وأنه «ويستهدف هذا البرنامج إيجاد معالجة جذرية لأهم المشكلات التي تشغلنا جميعا وإيجاد الحلول الناجعة لها» من ثم استعرض أهم ملامح ما تطمح الحكومة إلى إنجازه في مقدمتها استكمال تنفيذ الخطة الإنمائية الثانية (2015/2016 - 2019/2020) وما تضمنته من مشروعات استراتيجية محفزة للنمو الاقتصادي ومشاركة القطاع الخاص فيها وجاذبة للاستثمار الأجنبي منها ما ستنفذه جهات حكومية بمفردها ومنها ما سيشارك فيه القطاعان العام والخاص ولعل أهم هذه المشروعات محطة كهرباء الخيران ومشاريع معالجة النفايات والمدن العمالية بجنوب الجهراء ومدينة جنوب المطلاع ومشروعات مطار الكويت والجامعة والمستشفيات. وكذلك مشروعات النفط مثل مصفاة الزور ومصانعها الملحقة ومشروع الوقود البيئي. إعادة الهيكلة المالية العامة للدولة وتنويع القاعدة الإنتاجية وتفعيل الإجراءات الداعمة لمسار الإصلاح المالي والاقتصادي.تطوير رأس المال البشري بتوجيه التعليم لتلبية احتياجات التنمية وتنفيذ مشروعات تطبيقات الحكومة الإلكترونية سيحقق مردودا سريعا في زيادة مستوى الشفافية وسرعة إنجاز المعاملات وبالتالي سيمتد هذا المردود على تهيئة بيئة الأعمال لتكون أكثر جذبا للشباب الكويتي للعمل في قطاعات الأعمال وللمستثمرين الأجانب لزيادة أعمالهم داخل الكويت. هذا إلى جانب وضع حلول جذرية لمشكلات البيئة ومحاولة الاستفادة من تجارب الآخرين في حل تلك المشاكل واستثمار الطاقات المعطلة في الاستفادة من صناعات إعادة التدوير ورفع ترتيب الكويت في مؤشر الأداء البيئي.
لقد أقسمنا يا حضرة صاحب السمو أمام الله سبحانه ثم أمام سموكم بحمل المسؤولية والعمل الجاد على ترجمة رؤيتكم السامية وتفعيل العمل التنموي وتعزيز اقتصادنا الوطني وتدعيم مقوماته وتلبية احتياجات المواطنين خاصة في مجال الخدمات الحيوية كالتعليم والصحة والإسكان وقضايا التنمية ومشاركة الشباب وهي قضايا سوف نتفق مع مجلسكم الموقر على أولوياتها وجميع ما يتخذ بشأنها من إجراءات وحلول لنعمل معا على ما يبدد هموم أهل الكويت ويرفع عنهم معاناة ضغوط الحياة ويعزز ثقتهم بأداء أجهزة الدولة إلى جانب تفعيل دورهم الإيجابي باعتبار أن بناء الدولة مشروع وطني شامل يتحمل الجميع مسؤوليته. كما أن أمامنا تحديا كبيرا في إصلاح سوق العمل والذي نرى أنه الأساس في اختلال التركيبة السكانية بما يستوجب دفع الجهود لتشجيع الشباب للاتجاه للعمل في القطاع الخاص وتنفيذ المشروعات بما يساهم في إصلاح سوق العمل والتركيبة السكانية».
بهذه الكلمات والالتزامات التي أطلقها رئيس مجلس الوزراء أمام الأمة في أول يوم من بداية أعمال مجلسها بالفصل التشريعي الخامس عشر يكون قد حدد سياسته العامة التي ستتبناها حكومته ورؤيته المفترضة لتسيير أعمالها وأهم القضايا التي ستعالجها من ثم عاد ليؤكد على أهم مضامينها عندما تمت إعادة تكليفه رئيسا للحكومة وتأديته القسم الدستوري أمام مجلس الأمة بجلسة 19/12/2017 لكن بإضافة روية 2035 كويت جديدة عليها.
تم إقرار الخطة الإنمائية متوسطة الأجل للسنوات 2015/2016 ـ 2019/2020 والصادرة في يناير 2015 تحت اسم «انطلاق لتنمية الإنسان واستدامة الاقتصاد»، ثم تبعها قيام الحكومة في شهر مارس 2016 من إصدار وثيقة البرنامج الوطني للاستدامة المالية والاقتصادية وهي عبارة عن برنامج تنفيذي لمدة خمس سنوات بدأ تنفيذه اعتبارا من 2016 وينتهي عام 2021 وذلك ضمن رؤية الكويت لعام 2035 «كويت جديدة». بالإضافة إلى ربط برنامج عمل الحكومة للفصل التشريعي الخامس عشر (2016/2017 ـ 2019/2020) بأهداف التنمية المستدامة، حيث جاء عنوان البرنامج «نحو تنمية مستدامة».
أوجبت المادة 98 من الدستور على كل وزارة جديدة أن تتقدم فور تشكيلها ببرنامجها إلى مجلس الأمة، وعليه أوضحت اللجنة الوزارية لإعداد ومتابعة برنامج عمل الحكومة في بيان رسمي نشر بتاريخ 30/1/2018 على انها كلفت فريق عمل مشتركا من الوزراء المعنيين وبعض أعضاء المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية لإعداد مشروع برنامج عمل الحكومة في ضوء رؤية كويت جديدة (2035) تمهيدا لعرضه على مجلس الوزراء وإحالته إلى مجلس الأمة.
وبعد هذا العرض المستفيض لجملة من التوجيهات العامة والوثائق المتبناة والخطط المقررة وبرامج العمل التي يفترض أن تكون جميعها السياسة العامة للحكومة، جاء في التقرير السنوي لديوان المحاسبة 2017-2018 (أهم المؤشرات) بأنه «اتضح مما جاء بالبيان الذي أدلت به الحكومة أمام مجلس الأمة الموقر بجلسته المنعقدة بتاريخ 6/3/2018 لمناقشة هذه الوثيقة البرنامج الوطني للإصلاح المالي والاقتصادي، أن ما تحقق فعلا على أرض الواقع هو النزر اليسير من البرنامج بالرغم من مرور نحو نصف المدة المحددة للانتهاء من كافة البرامج التي تضمنتها الوثيقة ووضعها حيز التنفيذ».
تثور المسؤولية السياسة لرئيس مجلس الوزراء عن هذا المحور بسبب إخفاقه بتنفيذ سياسته العامة وعجزه على توجيه مجلس الوزراء بتنفيذ ما جاء على لسانه من التزامات أمام مجلس الأمة، وكذلك ما تبنته حكومته في برنامج عملها، فما يفترض أنه يشكل السياسة العامة للحكومة لم يعدو أن يكون تكرارا لمجموعة من التقارير التي دأبت الوزارات التي ترأسها سمو الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح على إعادة طرحها لكن بتعديلات جديدة على مسمياتها، ابتداء من الخطة التنموية متوسطة الأجل مرورا بخطط التنمية السنوية وصولا إلى برامج عمل الحكومة لكن بإضافة جديدة وهي رؤية كويت جديدة 2035، هذه الخطط الإنشائية لا يمكن أن تكون سياسة عامة تعمل من خلالها الحكومة، فالسياسة العامة تعني توجه واضح ونهج ثابت يهدف إلى تحقيق نتائج ملموسة على الأرض الواقع، وما جاء في ما سبق ذكره لم يتعد مجموعة تمنيات قدمت لمجلس الأمة لكي تنتهي مع انتهاء عمر المجلس أو بحله وذلك استيفاء للالتزامات الدستوري المقرر على الحكومة. لذلك وصمت الوزارات التي ترأسها سمو الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح بأنها حكومات من غير سياسة عامة أو رؤية أو منهج ودون إنجاز، هذا ما أكد عليه أغلب نواب المجلس أثناء مناقشة برنامج عمل الحكومة، لإيمانهم بأن ما يتم عرضه عليهم ليس له أثر ملموس على أرض الواقع ولأن الشعب الكويتي يشاهد في أم عينه يوميا إخفاق الحكومة في جميع الأصعدة.
وندلل على ذلك أنه قد جاء في برنامج عمل الحكومة بأنها تسعى إلى إصلاح منظومة التعليم، لكن سنوات والوضع التعليمي بالكويت يهوي إلى المجهول، فرغم امتلاء برامج عمل الحكومة بالجمل الإنشائية عن رفع الطاقة الاستيعابية للمؤسسات التعليمية ورفع كفاءة التعاقد مع المعلمين الأجانب، وضرورة إصلاح سوق العمل، لم يتم تطوير المنظومة التعليمية بالكويت بل بدأت فعليا بالانهيار بعد تكشف حالات تزوير الشهادات التي أدت إلى اهتزاز الثقة بالكوادر الوطنية. بل حلت الكويت في المركز 95 في مؤشرات جودة التعليم العالي والتدريب وفقاً لتقرير التنافسية 2018 من بين 137 دولة والأخيرة خليجيا، ومع هذا لم تلتزم الحكومة بتطوير المناهج ولم يتم إبدال الكوادر التعليمية بأخرى أفضل كما جاء ببرنامج عمل الحكومة ولم يتم إصلاح سوق العمل وحتى الساعة لا يوجد سياسة واضحة للتخصصات التي يحتاجها سوق العمل، وأكبر شاهد على ذلك عندما تأتي الحكومة وتعلن أمام مجلس الأمة بأن هناك 8000 من المتقدمين للعمل والمسجلين في ديوان الخدمة غير مرغوب بتخصصاتهم، فلم يتعدى دور الحكومة خلال السنوات الماضية بناء المدارس في المناطق الجديدة.
مثال آخر عن إخلال رئيس الحكومة بتعهداته، فقد كانت أحد أهداف برنامج عمل الحكومة تطوير نظام الرعاية الصحية وتوجيهها نحو تعزيز الصحة العامة من خلال تفعيل شراكات القطاع الخاص والدولي في إدارة وتشغيل المستشفيات، وذلك لرفع جودة الرعاية الصحية في الكويت.
لكن بعد كل السنوات التي ترأس بها سمو الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح الحكومة، لم يتحقق شيء من ذلك على أرض الواقع، فبعد تأخر افتتاح مستشفى جابر وانكشاف حالة عدم قدرة الدولة على إدارته وكذلك الحال مستشفى الجهراء، لم يتخذ رئيس مجلس الوزراء أي إجراءات لاتباع سياسات واضحة من أجل عدم تكرار مثل هذه المشاكل في المستقبل مع أي مشروع. حتى الساعة لا يوجد سياسة حكومية واضحة حول إدارة المنشآت الطبية والمستشفيات الجديدة هل ستكون تحت إدارة وزارة الصحة أم ستسند للقطاع الخاص أم ستخصص بالكامل؟ مازال ملف العلاج بالخارج يتسبب بهدر كبير في الميزانية العامة بما يخالف قرارات وتوجهات مجلس الوزراء بترشيد الإنفاق. غياب سياسة الحكومة من أجل استيعاب العناصر الوطنية التي بدأت تغادر الكويت بسبب البيئة الطاردة وعدم تشجيع الكفاءات.
يثور التساؤل الذي نأمل أن يجيب عنه رئيس مجلس الوزراء: ما السياسة العامة للحكومة بالنسبة للرعاية الصحية في الكويت؟ هل رسم رئيس الحكومة للوزير المعني رؤية الكويت في تطوير قطاع الرعاية الصحية؟ نحن لا نتحدث عما يدخل في اختصاصات وزير الصحة، بل نتحدث عن غياب رؤية الحكومة وسياستها في التعامل مع تردي الخدمات الصحية في القطاع العام والخاص، في تزايد حالات الأخطاء الطبية التي نشاهدها في كل يوم تؤدي في كثير من الأحيان للوفاة.
أما على صعيد غياب سياسة الحكومة في التوظيف وتفاقم قضية البطالة، تجدر الإشارة أولا الى أن من أهم السياسات التي يتم تقييم الحكومات عليها وتمثل مدى نجاحها في برامج عملها هي طريقة معالجتها لقضية البطالة ومحاولة خفض نسبها السنوية، ولا شك أنه لو أخضعنا الحكومة لتقييم حقيقي وفقا لما تمليه الواجبات الدستورية فإن الحكومة ستفشل بكل تأكيد، فبعد كل هذه السنوات التي ترأس بها سمو الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح للوزارات، استمرت أزمة التوظيف بالتفاقم سنة بعد سنة بشكل مخيف، وهذا ما تكشفت عنه المناقشة التي أجراها مجلس الأمة حول أزمة التوظيف بتاريخ 17/4/2019 عندما أوضحت الحكومة على لسان وزيرة الشؤون الاقتصادية أرقام القوى العاملة وأعداد المنتظرين في طوابير التوظيف ونسب التخصصات التي تعتبرها الحكومة بأنها غير مرغوب بها.
فما يقارب 8000 مواطن كويتي من المسجلين في ديوان الخدمة المدنية الحكومة تعلن رسميا بأنها ليست بحاجة لتخصصاتهم، وقدرت بأن المقبلين على سوق العمل يقارب 35 ألف مواطن سنويا، وأنه خلال 4 سنوات سيتخرج من المؤسسات التعليمية المختلفة ما يقارب 123 ألف مواطن سيبحثون عن عمل، وبعد أن انتهت الحكومة من استعراض الإحصاءات التي تملكها، لم تقدم أي حل للأزمة الحالية وللكارثة التي أنذرت الوزيرة بوقوعها خلال سنوات قادمة.
لا يوجد سياسة حكومية واضحة قصيرة المدى وأخرى طويلة المدى للحد من أزمة ارتفاع نسبة البطالة في الكويت، كل ما هنالك دعوات تتكرر في كل برنامج عمل حكومة لتعزيز دور القطاع الخاص ليستوعب أعداد الخريجين، وحتى في هذا لم تنجح الحكومة في تأمين القوانين التي تجعل المواطن يشعر بحالة من الأمن الوظيفي في القطاع الخاص الذي أصبح طاردا هو الآخر.
كما تستمر الحكومة في تضمين برامجها تمكين المواطنين وضرورة إحلال العنصر الوطني في الوظائف العامة وزيادة نسب التكويت في القطاع الخاص، لكن ومع قرارات الخدمة المدنية التي صدرت في هذا الموضوع وآخرها رقم 13/2017 بشأن تطبيق قواعد وإجراءات تكويت الوظائف الحكومية مازالت الحكومة عاجزة عن تنفيذها بل تستمر في التعاقد مع الوافدين في العديد من الوظائف سواء في القطاع العام.
ومثال آخر على عدم التزام الحكومة ببرنامج عملها، وصل عدد المقيمين في الكويت إلى 3.363.722 مليون مقابل 1.411.687 مليون كويتي، وحتى هذه اللحظة لم يضع رئيس الحكومة سياسة عامة تعنى بهذا الملف بل ساهم وزراؤه في زيادة هذا العدد نتيجة تراخيهم في ضبط تدفق العمالة الهامشية والتصدي لتجار الإقامات وضبط الزيارات لغير حاجات العمل، في حين تستمر الحكومة في توجيه سياسات ترشيد الإنفاق تجاه المواطنين بمحاولة تحميلهم أسباب عجز الميزانية، متناسية أنها سبب الهدر الحقيقي في الميزانية السنوية نتيجة تقصيرها خلال السنوات الماضية في ضبط التركيبة السكانية التي أدت إلى زيادة غير طبيعية في عدد المقيمين بالكويت من أصحاب الوظائف الهامشية وأسرهم، وحتى الساعة لم تضع الحكومة أي سياسة لتصحيح التقصير ومازال العدد في ازدياد تاركا أثره على الدعوم التي تقدمها الحكومة وضاغطا على الميزانية العامة، ناهيك عن المشاكل الأخرى التي تفشت في المجتمع من انتشار للجريمة وتفشي ظواهر لا تمت للمجتمع الكويتي بصلة.
إن الإطار العام لعمل الحكومة والمتمثل في رسم السياسة العامة لها ينصب في جميع النواحي، فبالإضافة للأمثلة التي تم ذكرها نجد أن رئيس مجلس الوزراء يقود الحكومة دون منهج معلن وواضح في الكثير من القضايا كالقضية الإسكانية التي تتفاقم يوما بعد يوم، فلا يستطيع أحد أن يعرف ما سياسة سموه تجاه تزايد الطلبات الإسكانية، وكيف يتم التعامل مع التأخر في المشروعات السكنية الكبيرة، وما هو منظور الحكومة لتزايد أسعار البناء ومدى قدرة بنك الائتمان على الاستمرار في تقديم القروض السكنية في ظل تنامي العجز بالميزانية.
كذلك الحال في رؤية الحكومة لتطوير قطاع النقل وحل أزمة المرور ومواجهة الأخطار البيئية، قد يقول البعض بأن هذه الأمور لا تدخل في اختصاص رئيس مجلس الوزراء لكن الإجابة تكون بأن رسم السياسات العامة وتضمينها برنامج عمل الحكومة الذي يقدم لمجلس الأمة والذي يضع الخطوط العامة للقضايا السابقة هو من صميم عمل رئيس مجلس الوزراء، وفي حالة عدم تنفيذها أو التراخي فيها أو مخالفتها تثور مسؤولية رئيس مجلس الوزراء عنها كونها سياسات عامة وليست أمورا تنفيذية.
هذه القضايا التي تم ذكرها كلها كانت محطا لبرامج عمل الحكومة التي قدمت لمجلس الأمة، والآن على رئيس مجلس الوزراء أن يجيب أمام المجلس، تبقى سنة على انتهاء عمر المجلس ماذا تحقق من برنامج العمل الذي الزمت الحكومة به؟ وهل حاسبت المتسببين في عدم تنفيذ ما جاء به؟
تنازل رئيس مجلس الوزراء عن اختصاصاته لجهات أخرى:
إن قيام الديوان الأميري بمهام تنفيذ مشاريع إنشائية هي من الاختصاصات الأصيلة لوزارة الأشغال، إضافة إلى أنه يثير شبهات دستورية وقانونية لما يمثله الديوان الأميري من رمزية ذات طابع سيادي فهو دليل لا يحتمل إثبات العكس بفشل مجلس الوزراء في تنفيذ تلك المشاريع التي أسندت إلى الديوان.
بالرجوع إلى قانون إنشاء الديوان الأميري 29 لسنة 1962 يتضح أن رئيس الديوان الأميري هو بدرجة وزير وليس وزيرا بالمفهوم الدستوري والذي يكون جزءا من مجلس الوزراء ومجلس الأمة، لذلك أول تساؤل يثار هو من سيتم محاسبته لو وقع تجاوز مالي أو إداري للمشروعات التي يقوم بها الديوان؟ خصوصا أن المشاريع التي يقوم بها الديوان ذات مبالغ كبيرة جدا بالمقارنة مع المشاريع التي تقوم بها الحكومة؟
ثانيا: ما الأساس القانوني الذي على أثره يستطيع الديوان الأميري أن ينفذ مشاريع في الدولة هي من اختصاصات الحكومة؟
إن استمرار الديوان الأميري في التوسع بتنفيذ مشاريع هي من اختصاصات الوزارات، بعذر سرعة إنجاز المشاريع وعدم خضوعها للبيروقراطية الحكومية وكذلك عدم تعثرها بسبب الأوامر التغييرية، وتسليمها بالوقت المحدد هي وإن كانت أعذارا في ظاهرها لكنها دلائل قاطعة على فشل الجهاز الحكومي الذي يحتوي كل ما سبق، فبدلا من أن يقوم رئيس مجلس الوزراء بالقضاء على مشاكل حكومته ووزرائه بتبني سياسات عامة إصلاحية تسرع من إنجاز المشروعات وتحد من الدورة المستندية فرغ مجلس الوزراء من اختصاصاته بالتنازل عنها لجهات أخرى.
وآخر هذه التجاوزات جاء بمباركة من مجلس الوزراء عندما أعلنت الأمانة العامة لمجلس الوزراء تبني الديوان الأميري مشروع تطوير المدينة الترفيهية من حيث المسؤولية والمتابعة والإنجاز، بدلا من شركة المشروعات السياحية. وذلك بعد إغلاق المدينة منذ يوليو 2016.
فعندما تعجز هيئة الزراعة عن إنشاء حديقة خضراء كحديقة الشهيد وهي من صلب اختصاصاتها، وعندما تفشل وزارة الأشغال في إنجاز مباني كمحاكم الرقعي ومستشفى الجهراء، وعندما لا تهتم وزارة الإعلام بإنشاء مراكز ثقافية على مستوى حديث كمركز جابر الأحمد الثقافي وعبدالله السالم الثقافي، وإذا استمر النهج الحكومي الحالي الذي أوصل مجلس الوزراء إلى هذا العجز لن نفاجأ من قيام الديوان الأميري في القريب العاجل بتنفيذ مشاريع أخرى بدلا من الوزارات كإعادة رصف الطرق المتضررة وإصلاحها وكذلك بناء الجامعات والمدن الإسكانية.
ويأتي التنازل الآخر عن اختصاصات مجلس الوزراء ما تقوم به الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية التي استحدثت بالمرسوم الأميري رقم 33 لسنة 2004 من زحف على مجلس الوزراء بشكل لا يمكن أبدا إغفاله، حيث انتقل هذا الجهاز من مرحلة التبعية إلى مشاركة، فهو اليوم كجهاز ذي طابع استشاري حول إلى جهاز تنفيذي خصوصا بعد أن أوكلت له مهام رسم السياسات العامة لخطة التنمية الوطنية وإعدادها ومتابعة تنفيذها، فحتى عندما قامت الحكومة بعرض برنامج عملها بجلسة 18/4/2018 من قام بتقديم برنامج عمل الحكومة هو الأمين العام للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية الذي بات يصرح عن خطط التنمية واستراتيجيات تنفيذ الخطط الإنمائية ورؤية الكويت 2035 وكأنه رئيس مجلس الوزراء الذي غاب عن المشهد السياسي تماما خلال ترؤسه للحكومة الحالية.
وهنا يثور تساؤل هل مازال يمارس رئيس مجلس الوزراء اختصاصاته الموكلة له بموجب الدستور والتي يساءل عنها في توجيه مجلس الوزراء أم أن من يقوم بإدارة وتوجيه مجلس الوزراء المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية والأمانة العامة؟ هل هي حكومة بداخل الحكومة الدستورية التي يترأسها سمو الشيخ جابر المبارك الحمد الصباح؟
المحور الثاني: التناقض في السياسة العامة للحكومة حول ترشيد الإنفاق وتأثيرها على الحالة المالية للمواطن:
منذ منتصف عام 2014 حين فقد النفط أكثر من 75% من سعره، سجلت الكويت على صعيد المالية العامة للدولة عجزا سنويا في الميزانية استمر حتى هذه اللحظة، حيث أوضحت الحكومة بأن المسار المتعرج لأسعار البترول يمثل تحد خطير يواجه السياسات المالية لدولة الكويت وذلك نتيجة ارتباط جهود التنمية وخططها بتدفقات الموارد النفطية التي تتحكم بها تقلبات الأسعار وفقا لعوامل يصعب التحكم بها وهو ما أدى إلى تنامي العجز في ميزانية الدولة وعدم قدرتها على مواجهة معدلات الإنفاق العام.
ومنذ ذلك الحين رفعت الحكومات المتعاقبة برئاسة سمو الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح شعار ترشيد الإنفاق وضبط المصروفات كسياسة عامة تحكم عمل الوزارات والجهات الحكومية وأسلوبا في تنفيذ برامجها وخططها، وقد حدد بيان وزير المالية عن الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية ومشروع الميزانية العامة للسنة المالية 2018/2019 الأسس التي رسمت من خلالها السياسة المالية للدولة والتي كان من بينها قرار مجلس الوزراء بتاريخ 10/11/2014 رقم 1410 الذي بين الإجراءات التي أقرها مجلس الوزراء بشأن ترشيد الإنفاق العام والتي تضمنت 15 إجراء أهمها:
ـ التأكيد على مراعاة عدم الموافقة على أي تعديلات في كوادر المرتبات الحالية أو منح مزايا نقدية أو عينية إضافية.
ـ عدم الموافقة على إنشاء أي هيئات عامة أو مؤسسات عامة جديدة ويمكن إضافة مهامها المطلوبة إلى الجهات الحكومية القائمة حاليا، نظرا لما يترتب على إنشاء جهات جديدة من أعباء مالية كبيرة على الميزانية العامة للدولة.
ـ توجيه ديوان الخدمة المدنية وجميع الجهات الحكومية بعدم النظر في أي توسع في الهياكل التنظيمية الحالية تجنبا لتحميل الميزانية العامة للدولة أعباء مالية إضافية.
ـ قصر التعيينات الجديدة لغير الكويتيين في الجهات الحكومية على بعض المهن كالأطباء والمدرسين والمهندسين وبعض المهن الفنية الضرورية مثل هيئات التمريض، وتأجيل التعيين في الوظائف الأخرى.
ـ بحث التوقيت المناسب لطرح أو تنفيذ البديل الاستراتيجي للمرتبات نظرا لما يتضمنه من أعباء مالية إضافية وما لها من مزايا على المدى البعيد.
ـ تأجيل النظر في أي مقترحات جديدة تخص زيادة مكافآت المدنيين أو العسكريين.
ـ توجيه لجنة المناقصات المركزية بمراعاة عدم طرح مناقصات دون التحقق من كفاية الاعتمادات المالية.
ـ التوجيه بعدم تقدم الجهات الحكومية إلى مجلس الوزراء لاستصدار قرارات أو قوانين ترتب أعباء مالية على الميزانيات العامة إلا بعد أخذ رأي وزارة المالية.
ـ إصدار ما يلزم من قرارات لتخفيض الدعومات تدريجيا مع مراعاة عدم المساس بأصحاب الدخول المحدودة.
- قصر المهمات الرسمية والمؤتمرات على ما سبق الالتزام به مع جهات خارجية أو ما يمثل تحقيقا لمصلحة عامة ضرورية سياسية أو اقتصادية بموافقة الوزير المختص.
- تخفيض الاعتمادات المالية التقديرية لبنود المصروفات المختلفة كالضيافة والهدايا والرحلات.
هذا القرار وما صاحبه من خطة أطلق عليها وثيقة الإصلاح الاقتصادي الذي اعتمدها مجلس الوزراء بتاريخ 14 مارس 2016 من ثم تم التراجع عنها وتبني بعدها وثيقة أطلق عليها البرنامج الوطني للاستدامة الذي ناقشته الحكومة بجلسة مجلس الأمة بتاريخ 6 مارس 2018، كانت ومازالت تحدد إطار السياسة المالية العامة للحكومة لمواجهة عجز الميزانية.
لكن ومنذ إعلان العجز في الميزانية العامة للدولة وحتى هذه الساعة، فإن الحكومة لاتزال تعاني من إخفاق مستمر في تطبيق السياسة العامة المالية والاقتصادية التي تبنتها والتي يفترض بأنها وضعت من أجل إنقاذ الاقتصاد الكويتي وانتشاله من حالة العجز المعلنة، فراحت تطبق جزءا منها وتتراجع عن جزء آخر، بتردد واضح وتخبط معلن يكشف حجم سوء إدارة رئيس مجلس الوزراء لأهم قضية واجهت فترة رئاسته في تاريخ الكويت وهي إعلان دولة ثرية لعجز في الميزانية.
بل أكثر من ذلك فإن الحكومة في سبيل التصدي للعجز اتجهت في الجزء الأكبر من سياساتها بالترشيد لجيب المواطن الذي ليس له شأن في إدارة مقدرات الدولة ورسم سياساتها ولم يكن سببا فيما وصلت له الحالة المالية للدولة، وذلك يتجلى في القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء التي أوضحناها سلفا والتي حملت المواطن تبعية الترشيد عن طريق حرمانه من أي تعديلات في كوادر المرتبات الحالية أو منح مزايا نقدية أو عينية إضافية بشكل يتنافى مع أبسط واجبات الدولة بضرورة مراجعة رواتب موظفيها وتحسين أجورهم تزامنا مع ارتفاع موجة الغلاء لضمان تحسن أحوالهم المعيشية، وبإصدار قرارات لتخفيض الدعوم تدريجيا لكن بحجة أنها لن تمس بأصحاب الدخول المحدودة وهو ما تمثل فعلا بزيادة أسعار الوقود التي أدت بدورها الى زيادة الأسعار على الخدمات والتي دفع ثمنها جميع المواطنين ومن ثم رفع الرسوم على أغلب الخدمات الحكومية رغم تراجع جودتها.
تثور مسؤولية رئيس مجلس الوزراء عن هذا المحور عندما أوضحنا أثناء الحديث عن حدود مسؤولية رئيس مجلس الوزراء أنها محل إثارة بمجرد التردد أو عدم الوضوح في خطواته وإجراءاته بتطبيق السياسة العامة للحكومة وفي هذا المحور لا نجد التردد والتخبط وعدم الوضوح بل نجد أن هناك مخالفات لهذه السياسة العامة وهذه التوجهات التي رسمها من أجل أن يعالج العجز في الميزانية ويأتي ذلك في:
1- أن مجلس الوزراء يقرر عدم الموافقة على إنشاء أي هيئات عامة أو مؤسسات عامة جديدة يمكن إضافة مهامها المطلوبة إلى الجهات الحكومية القائمة حاليا، نظرا لما يترتب على إنشاء جهات جديدة من أعباء مالية كبيرة على الميزانية العامة للدولة، من ثم يتم إنشاء الهيئة العامة للشباب على سبيل المثال رغم وجود وزارة الدولة لشؤون الشباب، كذلك ضبابية الموقف الحكومي من هيئة الطرق خصوصا أن تقارير ديوان المحاسبة أوضحت تشابك الاختصاصات بينها وبين وزارة الأشغال.
نحن لا نتحدث هنا عن الجدوى هذه الهيئات من عدمها فهذا شأن تنفيذي، فقد نختلف مع توجه الحكومة من تقليص الهيئات فهي من وجهة نظرنا خاضعة للحاجة لها من عدمه، لكن أن يكون هذا هو النهج الذي تعلنه الحكومة ومن ثم لا تلتزم به أو تدافع عنه بل هي تسعى اليوم إلى تقديم مشاريع بقوانين لاستحداث هيئات جديدة كهيئة العقار وهيئة إدارة أملاك الدولة هو ما يستدعي إثارة مسؤولية رئيس مجلس الوزراء حول مدى التزامه بسياسات حكومته، وهو ما يؤكد أنها سياسة متناقضة والمعلن منها يخالف المعمول به.
كذلك نؤكد أننا لسنا ضد أي تعويض يصب في مصلحة المواطنين بل كان مجلس الأمة هو الذي دفع من أجل أن يحصل هؤلاء المتضررون على تعويضاتهم فقوبل القانون بالرد بحجة ترشيد الانفاق من ثم تأتي الحكومة لتخالف كل ما أعلنته بهذا الشأن.
2- مجلس الوزراء يوجه ديوان الخدمة المدنية بعدم التوسع في الهياكل التنظيمية ويرفض منح مكافآت المدنيين والعسكريين، من ثم يقوم مجلس الخدمة المدنية بمنح درجة مالية تحت مسمى «درجة وزير» يتقاضى من تصرف له راتب شهري قيمته 6000 دينار دون أي عائد أو فائدة للدولة.
3- مجلس الوزراء يعلن إجراءات علاجية من أجل ترشيد الإنفاق وضبط المصاريف لكن يستمر في تقديم المنح الخارجية عن طريق قرارات يصدرها بذلك وهذا إجمالي المنح التي صدرت فقط من بداية إعلان العجر بالميزانية.
(أنظر الجدول)
4- من توجيهات مجلس الوزراء التي وضعها لترشيد الإنفاق طرح أو تنفيذ البديل الاستراتيجي للمرتبات في التوقيت المناسب لذلك، ومنذ 2014 حتى الساعة لم يتم تقديم مشروع قانون البديل الاستراتيجي إلى المجلس.
هذه بعض التناقضات التي أوردتها والتي تؤكد عجز رئيس مجلس الوزراء من متابعة تنفيذ أهم سياسة معلنة تبناها أثناء ترؤسه لوزارات منذ إعلان العجز بالميزانية عام 2014 حتى 2019، وهو ما يدفعنا لإثارة تساؤلات نطالب رئيس مجلس الوزراء بالإجابة عليها:
هل قام رئيس مجلس الوزراء بمراجعة هذه القرارات مع الوزراء ومدى التزامهم بتنفيذها؟
هل طلب رئيس مجلس الوزراء دراسة حول نتائج هذه السياسات خصوصا بعد مضي 5 سنوات على تبنيها؟
هل فعلا تحقق الترشيد الذي كانت تطمح له سياسة الحكومة؟
لماذا لم تتضمن توجيهات وخطط رئيس مجلس الوزراء لضبط النفقات ووقف المنح الخارجية؟ أو تقليلها؟ أو الاكتفاء بما يقدمه الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية؟
هل ستستمر الحكومة في تطبيق هذه السياسة رغم تحسن أسعار البترول وتراجع قيمة العجز في الميزانية؟
لم يكن في يوم من الأيام مفهوم ترشيد الإنفاق وضبط أوجه الصرف التي تعلنها الدول بسبب حالة العجز بها التضييق على المواطنين بحرمانهم من الزيادات المالية ومراجعة الرواتب والأجور التي يجب أن تكون بشكل دوري كما هو معمول به في الكثير من الدول، ولا يتصور أن تطول سياسة ترشيد الإنفاق القطاعات الحيوية في البلاد كقطاع الخدمات الصحية والتعليم والوظائف العامة وقطاع الخدمات، فلا يمكن أن يتم تبني سياسة ضبط المصاريف تحمل تبعاتها للمواطنين بشكل مباشر أو غير مباشر بسبب فشل إدارة الحكومة لملف الفوائض المالية حين وصل الاحتياطي العام حوالي 46.8 مليار دينار في نهاية مارس 2014 ثم فقد نحو 22.6 مليار دينار في 4 سنوات ليصل رصيد الاحتياطي العام نحو 24.3 مليار دينار في 30/6/2018، هذه الفوائض تبخرت بسبب العجز دون استفادة حقيقية منها من ثم تأتي الحكومة لتتباكى على حال الدولة وكأن المواطن هو السبب في كل ذلك.
إن تراجع الخدمات الصحية بسبب عجز الميزانية أدى إلى التعاقد مع طواقم طبية دون المستوى المطلوب انعكس على الوضع الصحي في البلاد، فالتردي الواضح في الخدمات التي تقدمها المستشفيات وتزايد حالات الأخطاء الطبية الأمر الذي دفع المواطنين للجوء إلى القطاع الخاص الذي استغل بدوره حالة تهالك القطاع الصحي العام لينهش جيوب المواطنين أمام شلل الحكومة وتقاعسها عن ضبط ومتابعة أسعار الخدمات وجودتها. انتهت أعمال إنشاء المنشآت الطبية كالمستشفى جابر والجهراء وحتى الآن لا تستطيع وزارة الصحة تشغيلها بالكامل بحجة عجز الميزانية للتعاقد مع كوادر طبية وإدارية مدربة كونها لم تقم بإعداد عناصر وطنية لمثل هذه المشاريع في السابق وهو ما جعل هذه المباني عبئا على الدولة بدلا من أن تساهم في تحسين الخدمات الصحية، حتى أصبحت الحكومة تفكر بتخصيصها أو منح إدارتها للقطاع الخاص.
تراجع الكويت في المؤشرات التعليمية والتربوية كان أمرا منطقيا فالاستثمار في العنصر البشري الذي يؤدي إلى رفع جودة التعليم يبدأ بتدريب المعلمين وتطوير قدراتهم وهو الأمر الذي توقفت عنه وزارة التربية بسبب عجز الميزانية، ناهيك عن الاستمرار بالتعاقد مع الكوادر التعليمية دون المستوى المطلوب بسبب حجج تدني الأجور وهو ما انعكس على مستوى التعليم العام في البلاد من تراجع واضح دفع الكثير من المواطنين إلى الارتماء بأحضان التعليم الخاص الذي لا يقل جشعا عن المستشفيات الخاصة التي أشرنا لها سابقا. ومثلما أوضحنا ان المشروعات الصحية بلا كوادر صحية ها نحن اليوم على أعتاب بداية تشغيل أحد كليات جامعة الشدادية وستواجه الإدارة الحكومية مشكلة نقص الكوادر التعليمية والإدارية.
إن سياسة الحكومة في ترشيد الإنفاق يجب أن تكون مبنية على الوضع المالي الحقيقي للدولة، فجميع وكالات تصنيف الائتمان المالية تؤكد متانة الاقتصاد الكويتي، وآخرها وكالة «Standard & Poor’s» عندما أكدت التصنيف الائتماني السيادي لدولة الكويت عند المرتبة AA مع نظرة مستقبلية مستقرة للتصنيف، أما العجز في الميزانية السنوية للدولة يجب ألا يصور بأن هناك عجزا عاما في الحالة المالية للدولة، فالأول يتطلب سبل لإصلاح الميزانية وتطبيق سياسة في ضبط الإنفاق وزيادة في الواردات الغير نفطية لكن دون وقف الإنفاق على الخدمات والمشروعات والتضييق على المواطنين.
منذ تولي سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح أولى وزاراته لم يلتمس المواطن الكويتي أي تحسن في حالته المالية لأعلى صعيد المرتبات والأجور ولا على صعيد البدلات النقدية الخاصة بالغلاء وصعوبة المعيشة، بل بالعكس بدأ التضييق عليه بحجة ترشيد الإنفاق وعجز الميزانية، هذه السياسة العامة أدت بدورها إلى تفاقم المعاناة بالمواطنين كافة، فبسبب رفض الدولة إعادة النظر بالمرتبات والأجور وعدم وضع سياسات واضحة لتعويض المواطنين وتنمية مدخراتهم سواء بإعادة الروح لبورصة الكويت أو بطرح شركات يستطيع المواطن أن يساهم بها أو حتى التصدي للانفلات الحاصل في مسألة القروض هذا كله أوصل الطبقة الوسطى لحالة من الإعسار العام وأدى لتدهور الوضع المادي لعموم المواطنين فحتى الساعة لم تتبن الحكومة أي سياسة مالية تحمي مدخرات المواطنين من التدهور، ولم تتخذ الإجراءات الوقائية لحمايتهم من قضايا النصب العقاري التي أضاعت مدخرات العمر، بل إنها بدلا من أن تضع حلولا لرفع معاناتهم المالية والائتمانية بسبب تنامي ظاهرة القروض التي أرهقت الأسر ووضعت المواطن تحت رحمة الإجراءات القانونية التي تتبعها البنوك ضدهم وأخرجتهم لساحة الإرادة في أكثر من مناسبة لمناشدة الحكومة للتدخل لحل حالة الاختناق التي وصلوا لها، يقوم رئيس مجلس الوزراء بالاستماع إلى شرح قدمه محافظ بنك الكويت المركزي حول ما «يثار بشأن موضوع القروض الاستهلاكية والمقسطة» حتى أن مجلس الوزراء تناول الموضوع وكأنه خبر عادي من الأخبار التي تثار في المجتمع ويقوم مجلس الوزراء بتباحثها والاكتفاء بذكرها بشكل عابر ببيانات مجلس الوزراء الأسبوعية، ومع ذلك استمع مجلس الوزراء لحديث مغلوط يجافي الحقيقة أو بشكل أدق يحرف بها، حيث أوضح محافظ البنك المركزي بأن إجمالي قيمة القروض الاستهلاكية يبلغ حوالي 989 مليون دينار، بينما تبلغ قيمة القروض الإسكانية بحدود 12 مليار دينار بإجمالي 13 مليار دينار للقروض الاستهلاكية والإسكانية، حيث قام بدمج القروض الاستهلاكية والسكنية لكي يظهر المبلغ بشكل كبير ومبالغ به، في حين قام المحافظ بالتقليل من حجم المشكلة بذكر أن عدد المقترضين 552 ألف مقترض وأن عدد المتعثرين بالسداد يبلغ 4677 فقط يشكلون ما نسبة أقل من 1% من إجمالي المقترضين. إن ما ذكره المحافظ من أن المتعثرين يبلغ عددهم 4677 شخصا يعني أن هؤلاء جميعهم معرضون لتحريك الإجراءات القانونية اتجاههم إذا لم تكن قد طبقت أساسا عليهم لأنهم وصلوا لدرجة التعثر وهو رقم كبير جدا، ومع هذا لم يذكر المحافظ بأن ما يطالب به المواطنون هو تدخل الحكومة لإنقاذهم من أزمة القروض التي يعانون منها والتي لا يرغبون بأن تصل بهم لدرجة التعثر وهؤلاء بعشرات الآلاف.
إن غياب السياسة الحكومية العامة الاقتصادية والمالية الرشيدة، وإخفاقها في القيام بمسؤولياتها في هذا الشأن يتحمل مسؤوليته من الناحية الدستورية والسياسية سمو رئيس مجلس الوزراء فلم تتبن حكومته أي سياسة تهدف إلى تعزيز الوضع المالي للمواطنين والنهوض بمستواهم المعيشي، بل مارس التجاهل اتجاه الكثير من القضايا دون توجيه حكومته لحلها حتى أصبحت اليوم ككرة الثلج التي تزداد حجما يوما بعد يوم.
المحور الثالث: إخفاق رئيس مجلس الوزراء في الدفاع عن الهوية الوطنية:
الجنسية هي علاقة بين فرد ودولة يحكمها نظام قانوني داخلي ذو صبغة تضفي من خلاله الدولة على الفرد صفة المواطن ويترتب عليها حقوق والتزامات في العلاقة بين الفرد والدولة وفي العلاقة بين الدولة والدول الأخرى. ومثلما لا يمكن أن تكون هناك دولة دون إقليم فلا يمكن لها أن تقوم دون مجموعة من الأفراد يمثلون لها عنصر الشعب والأمة.
تأتي أهمية القوانين المنظمة للجنسية في كل الدول بأنها تحدد أحد أهم عناصرها وهو مفهوم الشعب، وذلك بالتفريق ما بين من سينتمي لها بصفته مواطنا أو من سيكون مقيما على إقليمها.
قنن المشرع الكويتي الجنسية الكويتية بموجب المرسوم الأميري رقم 15 لسنة 1959 والذي حدد من خلال نصوصه من يعتبر كويتيا وكيفية إثبات هذه الصفة وكيفية اكتسابها وفقدها، وبعد التطبيق العملي لهذا المرسوم أجرى المشرع الكويتي تعديلات عدة خصوصا بعد اتساع فكرة التضييق في منح الجنسية.
تثور مسؤولية رئيس مجلس الوزراء حول ملف الهوية الوطنية والجنسية الكويتية في ما أسنده قانون الجنسية لمجلس الوزراء بحق المنح أو السحب بموجب مرسوم أميري الذي يستلزم عرضا من ثم قرارا من مجلس الوزراء بموجب المادة 128 من الدستور. وما يرفع لمجلس الوزراء من مذكرات مقدمة من اللجنة العليا لتحقيق الجنسية الكويتية بشأن منح الجنسية لبعض الأشخاص، أو بما يكلفها به بموجب قرار باتخاذ كل الإجراءات في هذا الشأن بالإضافة إلى تنفيذ توجيهات سمو رئيس مجلس الوزراء فيما يتصل بالمسائل منح أو سحب أو وضع الأطر العملية والقانونية بحسن تنظيم منح الجنسية الكويتية لمستحقيها وفقا للقانون ومقتضيات المصلحة العامة.
تعرض ملف الجنسية خلال ترؤس سمو الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح للحكومة في أكثر من وزارة للكثير من التخبطات، تؤكد غياب السياسة العامة الواضحة حول أهم ملف وطني وأمني يعني المواطن الكويتي يستوجب على الحكومة حمايته والدفاع عنه لما تمثله الجنسية بالإضافة إلى انها رابطة قانونية للفرد بوطنه فهي معنى من معاني الولاء والانتماء.
فقد شهد ملف الجنسية جولات من الابتزاز على الصعيد السياسي العلني، واستخداما له بشكل سياسي دون الاكتراث لما آلت له قرارات مجلس الوزراء من تأثير على ثقة المواطن بالحكومة، فقد تم سحب الجنسية من مواطنين ومن ثم تمت إعادتها لهم لأسباب أعلنها الكثير من المسؤولين في الحكومة كلها ذات طابع سياسي.
أثار رئيس مجلس الأمة في جلسة 11/4/2017 أثناء النقاش حول اقتراح بقانون تعديل المحكمة الإدارية بأن «هناك زيادة عددية غير طبيعية في السكان» ثم ذكر بأن «يفترض تعداد سكاننا في 2015م 900 ألف، إحنا مليون»، «إلي عندنا ما يزيد على 360 ألف إلى 400 ألف فوق الزيادة الطبيعية»، «أنا ما أبي أجزم، وأقول كلهم مزورين أو مو مزورين، لكن أنا أقول هذي تستوجب على كل نائب أن يطرح علامات استفهام، هل هناك تزوير»؟
منذ هذا الادعاء الخطير الذي إن صح فنحن أمام كارثة بمعنى الكلمة وإن لم يصح فإننا أمام طعن وتشكيك في المواطنين، ورئيس مجلس الوزراء لم يتفوه بأي كلمة اتجاه هذه القضية، ولم يتخذ أي خطوات عملية أو حتى وجه لبحث صحة هذا الادعاء كون الجنسية في الكويت لا تمنح إلا بقانون وبعد موافقات من مؤسسات أمنية، ولم يدافع عن شعبه من هذا الادعاء كونه يملك المعلومات الصحيحة.
هل وجه رئيس مجلس الوزراء اللجنة العليا لتحقيق الجنسية مباشرة الإجراءات القانونية وفتح تحقيق حول ادعاء وجود زيادة غير طبيعية في أعداد المواطنين قد تصل إلى 400 ألف شخص يتمتعون بالجنسية الكويتية بكل مميزاتها؟
هل وجه رئيس مجلس الوزراء باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمحاسبة المتسببين ومساءلتهم قانونيا وإداريا لدى ثبوت مسؤوليتهم عن هذه الأخطاء؟
هل وضع رئيس مجلس الوزراء الأطر والتوجيهات وقرر السياسات العامة للحكومة من اجل حسن تنظيم منح الجنسية والحفاظ على الهوية الوطنية؟
لا نتحدث هنا عن الحالات الفردية التي يتم كشفها من قبل مباحث الجنسية ووزارة الداخلية، فهذا شأن خاص بوزارة الداخلية، لكن قضية تتم إثارتها بهذا الحجم في مجلس الأمة وبالتحديد من رئيس السلطة التشريعية، ومن ثم تتحول إلى قضية تشغل الرأي العام، يتحرك عليها النواب بتقديم لجان للتحقيق، وهذا كله يجري دون أي تحرك من رئيس مجلس الوزراء الذي يملك تحته جميع أجهزة الدولة الحكومية سواء من هيئة المعلومات المدنية أو وزارة الداخلية واللجنة العليا المعنية بهذه الشؤون بمجلس الوزراء وغيرها من الهيئات هو دليل على أن سمو رئيس مجلس الوزراء يتحمل مسؤوليته السياسية عن هذا الملف.
أن يستطيع ما يقارب 400 ألف شخص من تزوير الجنسية الكويتية، فهذا يعني أن الجهاز الحكومي الذي يترأسه سمو الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح أصبح خطرا على أمن الدولة واستقرارها وهويتها، ولو أن هذه المعلومات غير صحيحة فالمصيبة أعظم، فكيف يأمن المواطن الكويتي ويثق بحكومة لا تدافع عنه تجاه اتهامات تطول أهم رابطة قانونية بينه وبين وطنه، وكيف للمواطنين وكيف للشعب أن يأتمن على هويته الوطنية التي تركت للطعن والتجريح والتخوين دون أن يتحرك من هو مؤتمن على حماية المواطنين وكراماتهم لنصرتهم؟
قضية تزوير الجناسي وإن كانت محلا للجان التحقيق للبحث عن مدى صحتها من عدمه ومن ثم في حالة صحتها يجب معالجة آثارها ومحاسبة المتسببين عنها إداريا وجنائيا، لكن قبل كل ذلك لابد من محاسبة رئيس مجلس الوزراء سياسيا لإخفاقه بالتصدي لهذا الملف معرضا المصلحة العليا للدولة للاهتزاز ومتسببا في فقدان المواطن بثقته بالحكومة.
خاتمة
مرت 8 سنوات على تولي سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح دفة رئاسة مجلس الوزراء، أعلن خلالها العجز في الميزانية العامة، وتم استنزاف الاحتياطي العام، تراجعت الكويت في جميع المؤشرات العالمية على جميع الأصعدة، غاب عن الشعب وغاب عن جلسات مجلس الأمة، حقبة لم يسجن فيها فاسد وهجر فيها المصلح، ولم تسع فيها حكومته لمصالحة وطنية يكون مدخلها العفو الشامل، ولم يدافع عن سياسة حكومته في أي قضية، لم تشهد سنوات توليه رئاسة مجلس الوزراء أي زيادة مالية في المرتبات والأجور، قاد الحكومة دون هوية واضحة، تنازل عن صلاحياته واختصاصاته لجهات أخرى تقوم بالعمل بدلا عنه، أخفق في رسم السياسة العامة للدولة، رفض المواجهة والمحاسبة في أكثر من مناسبة، تعرضت الهوية الوطنية خلال حكوماته المتعاقبة للمساومات، خرج الشعب لساحة الإرادة بسبب سوء الأحوال المعيشية.
نستذكر تصريح رئيس مجلس الوزراء خلال احد اجتماعات اللجنة المالية البرلمانية لمناقشة موضوع إصلاح الأوضاع الاقتصادية عندما قال: «المسؤولية مشتركة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ولن نستطيع الإصلاح ما دام هناك جهاز حكومي غير قادر وإدارة مترهلة، علينا ان نبتدئ بالإصلاح بخطوات موزونة تعالج الترهل وتقضي على كل ما يعطل ما ننشده من إصلاح ودون المساس بحقوق المواطن وأجيالنا القادمة». لكن لم يصلح الترهل الحكومي الذي اعترف بوجوده ولا هو الذي بدأ الإصلاح بخطوات موزونة لمعالجته، بل وصلت الحكومة إلى مرحلة الشلل التام.
المساءلة السياسية تستلزم بأن تكون إثارتها أمام الأعضاء، فجوهر المسؤولية السياسية يكمن بحجم ما يثيره العضو من حقائق وأسباب قويه كانت مثار وحديث الرأي العام، وعلى رئيس مجلس الوزراء سمو الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح بصفته صعود المنصة في الاستجواب المقدم منا للرد على ما جاء في محاوره.