أمام عيادة في مخيم الهول في محافظة الحسكة شمال شرق سورية تنتظر مهى الناصر أن يعاين الأطباء طفلتها المصابة منذ أشهر بتلف دماغي وشلل في أطرافها نجما عن ارتفاع حرارتها لأيام متواصلة من دون تلقي العلاج المناسب.
وعلى غرار كثيرات ينتظرن مع أطفالهن في ظل درجات حرارة لامست الخمسين، تبدو ملامح اليأس والتعب واضحة على وجه الأم التي تحمل طفلتها فاطمة (14 شهرا) ذات الشفاه المتشققة والبنية الهزيلة.
وتقول مهى، وهي سيدة منتقبة في الثلاثينات من عمرها، لوكالة فرانس برس «لم تكن تعاني من أي مرض، فجأة ارتفعت حرارتها.. ولم يتوافر دواء لخفض حرارتها هنا ما أدى إلى إصابتها باختلاجات».
وتضيف «أحيانا تفقد الوعي ويخرج الزبد من فمها، وتبدو كأنها شبه ميتة».
وتروي بحسرة أن طفلتها أصيبت بتلف دماغي وشلل كامل، ما جعلها عاجزة عن التفاعل والحركة. ورغم إرسالها مرات عدة إلى مشفى خارج المخيم للعلاج لم يتحسن وضعها.
قبل أكثر من ستة أشهر خرجت مهى مع زوجها وأطفالها الستة من قرية الباغوز، التي شكلت المعقل الأخير لتنظيم داعش في شرق سورية، بعد أن استولت عليها قوات سوريا الديموقراطية «قسد» التي يسيطر عليها الأكراد بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.
وعلى غرار عشرات الآلاف من النساء والأطفال، أرسلت «قسد» مهى وأطفالها إلى مخيم الهول، بينما نقلت الرجال وبينهم زوجها إلى السجن للتحقيق معهم.
ويؤوي مخيم الهول حاليا أكثر من 70 ألف شخص يعتاشون من مساعدات محدودة تقدمها لهم المنظمات الدولية. ووصفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مؤخرا الوضع فيه بـ«الكارثي» بينما تحدثت منظمة هيومن رايتس ووتش عن «ظروف مروعة» في «مخيم صحراوي مغلق».
وتضيق باحة العيادة التابعة للهلال الأحمر الكردي بنساء يحملن أطفالا، لا يتوقف بعضهم عن البكاء، بينما تحمل أخريات أدوية أو أمصالا معلقة بأيدي أطفالهن. وتأتي بين الحين والآخر نساء أجنبيات من زوجات مقاتلي داعش برفقة عناصر من قوات الأمن الداخلي الكردية «الأساييش».
في المخيم، يتجمع أطفال تحت شمس حارقة ليملأوا عبوات بلاستيكية بمياه توزعها شاحنة عليهم أو من خزانات موزعة في أنحائه.
وتشكو أم طلحة، سيدة عراقية في الأربعينات، من المياه غير النظيفة التي يزودون بها للشرب، بينما يعاني طفلها (تسع سنوات) من إسهال دائم ودرجات حرارة مرتفعة.
وتقول لفرانس برس «أحيانا تأتينا مياه لونها أخضر أو أصفر ومالحة. لا نعلم من أين يأتون بها».
وتتابع «ابني الآن بين الحياة والموت وننتظر العلاج».
وفي تقرير نشرته الإثنين، تحدثت منظمة هيومن رايتس ووتش عن «ظروف قاسية» داخل المخيم، حيث توجد «مراحيض فائضة، ومياه مجار متسربة إلى الخيام الممزقة، وسكان يشربون مياه الغسيل القذرة من خزانات تحتوي على ديدان».
ويقر عاملون صحيون ومسؤولو المخيم بوفاة أطفال جراء إصاباتهم بإسهال حاد وسوء تغذية وأمراض شبيهة بالانفلونزا.
ويقول المسؤول عن عيادة الهلال الأحمر الكردي في المخيم رمضان يوسف الظاهر لفرانس برس «توفي عشرون طفلا على الأقل منذ مطلع الشهر، بعضهم أثناء الولادة وآخرون بسبب سوء التغذية».
وأحصت الأمم المتحدة وفاة 240 طفلا في طريقهم إلى المخيم أو عند وصولهم إليه منذ بدء حركة النزوح من الباغوز نهاية العام الماضي.
وتقول أم أسامة (25 عاما) من مدينة حلب (شمال) لفرانس برس «نعيش على البرغل والأرز»، مؤكدة أن المساعدات «لا تكفينا». وتضيف بغضب من خلف نقابها «يريدون فقط إذلالنا».
وتعبر أم حذيفة (34 عاما) بدورها عن سخطها من عدم السماح لها بالعودة إلى بلدها العراق.
وتقول «يسجنوننا هنا ولا نتسلم المساعدات، ليفتحوا لنا الباب.. نريد فقط العودة إلى بلادنا».
ويشكل السوريون والعراقيون النسبة الأكبر من قاطني مخيم الهول، الذي يضم قسما خاصا بعائلات المقاتلين الأجانب. ويقدر الأكراد وجود 12 ألف أجنبي، أربعة آلاف امرأة وثمانية آلاف طفل في ثلاثة مخيمات شمال شرق سورية، غالبيتهم في الهول وقيد حراسة أمنية مشددة.
وقالت هيومن رايتس ووتش إن ظروف جناح الأجانب في الهول «غير مقبولة وغير معقولة».