على الرغم من أن الأزمة السورية دخلت عامها التاسع، فإنها لم تبلغ حتى اللحظة حد التسوية العسكرية ولا السياسية، وباتت مهملة وفي أسفل سلم الأولويات على قائمة طويلة من الأزمات والصراعات العالمية الناشئة. لقد نسي العالم قضية سورية ولم يعد هناك من يعبأ بها، وبات واضحا أكثر من أي وقت مضى أنه لا يوجد حل عسكري في سورية، ومن المحتمل للحرب السورية أن تستمر لفترة طويلة: لن يغادر بشار الأسد السلطة، ولم تعد الإطاحة به من الخيارات المطروحة على الطاولة، وينسحب الأمر على إعادة تأهيله أو ترويض نظام حكمه، أو إعادة إعمار البلاد في ظل وجوده. ومن المرجح لحالة الوضع الراهنة أن تستمر بلا أفق معلوم.
كان لافتا في اجتماع قادة الدول والرؤساء في الجمعية العامة السنوية للأمم المتحدة التي انعقدت في نيويورك الشهر الماضي، أنها كانت في المقعد الخلفي. ولكن في تطور بارز، أعاد الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية الحرارة إلى العملية السياسية والمتابعة الدولية لها، لأنها ستشكل بداية مسار سياسي للخروج من الأزمة نحو الحل:
1 ـ اللجنة الدستورية
نجح المبعوث الأممي غير بيدرسن في التوصل الى أول اتفاق سوري ـ سوري بين الحكومة السورية و«هيئة التفاوض السورية» المعارضة، وعلى أسماء أعضاء اللجنة الدستورية (150 عضوا: 50 من الحكومة و50 من «هيئة التفاوض» المعارضة و50 من المجتمع المدني، على أن تضم الهيئة المصغرة للجنة الدستورية 45 عضوا، بحيث تقوم بإعداد وصياغة المقترحات وتقوم الهيئة الموسعة بإقرارها). وجرى الاتفاق على أن تكون هناك رئاسة مشتركة للجنة: رئيس تسميه الحكومة وآخر تسميه المعارضة، وعلى أن تكون نسبة تصويت 75% مع السعي لاتخاذ القرارات بالتوافق. وشكل قرار استبعاد ممثلي جهات كردية وازنة و«مجلس سوريا الديموقراطية» ـ الوجه السياسي لقوات سوريا الديموقراطية (قسد) ـ عن عضوية اللجنة الدستورية صدمة لهم، في ظل ارتفاع الأصوات شرقي الفرات التي تطالب بالتوجه نحو موسكو ودمشق للخروج بحل نهائي للمنطقة القلقة، خصوصا بعدما كشف بيان الخارجية الأميركية المرحب بتشكيل «الدستورية»، من دون المطالبة بتمثيل القوى الكردية الحليفة لها، عن غياب الرعاية السياسية الفعلية للأكراد ضمن ما يطرح من حلول سياسية لإنهاء الحرب.
أمام هذا الاستبعاد، بدأت الأصوات الكردية المطالبة بالحوار الجدي مع الحكومة السورية ترتفع، إذ يرى أصحاب هذه الرؤية أن ذلك هو السبيل الأنسب لإعادة المنطقة إلى الحالة السورية في ظل «الفيتو» التركي، وغياب الدعم السياسي الأميركي والغربي.
ويرى هذا التيار أن من لم يدافع عن تمثيلهم في «الدستورية» سيسمح لتركيا باستباحة مناطقهم حينما تنتهي مصالح واشنطن معهم.
2 ـ الحقائق والتحديات
يرى السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد أن إعلان 23 سبتمبر عن اتفاق على تشكيل لجنة لصياغة دستور سوري جديد لا يغير 3 حقائق أساسية في سورية:
٭ الحقيقة الأولى والأهم، هي أنه لا سيادة للقانون في سورية. فقوات الأمن، ولاسيما أجهزة المخابرات الأربعة المخابرات الجوية والعسكرية والعامة والأمن السياسي تسيطر على البلاد لصالح الرئيس بشار الأسد فقط.
٭ الحقيقة الثانية، أن الدولة الأمنية لن تتغير ولن تصلح من نفسها. فحكومة الأسد تسيطر على دمشق وجميع المدن الرئيسية الأخرى في سورية. والحرب والعقوبات الاقتصادية تدمران الطبقة الوسطى السورية، لكن الحكومة السورية باقية. هل يعتقد أحد حقا أن بشار وعائلته، أو عائلة رئيس المخابرات، يعانون؟ لقد فاز الأسد بثلاثة انتخابات بالفعل وسيخوض الانتخابات مرة أخرى عام 2021، كيف يمكن للأمم المتحدة أو المجتمع الدولي أن يفكروا في أن هذه الدولة الأمنية ستجري انتخابات حرة ونزيهة؟ هل ستتلقى المخابرات الجوية أوامر من مستشار انتخابات الأمم المتحدة الذي ربما لن يتكلم العربية؟ دعونا نكن جادين.
٭ الحقيقة الثالثة التي تمنع لجنة الدستور من تحقيق حل سياسي للأزمة السورية هي عدم وجود ممثلين عن الجزء الشرقي من سورية تحت سيطرة «حزب الاتحاد الديموقراطي» الكردي السوري وقواته الديموقراطية السورية.
ويرى محللون ومتابعون للملف السوري أن تشكيل اللجنة الدستورية لا يلغي التحديات والضغوط الكثيرة في سورية، وأبرزها:
ـ الوضع في شمال غربي سورية، حيث الهدنة لاتزال هشة ومعرضة للانهيار في إدلب ومحيطها.
ـ استهداف النقاط التركية في إدلب بضربات جوية من قبل الجيش السوري، وهذا الوضع في إدلب يمكن أن يشعل صراعا إقليميا.
ـ استمرار الولايات المتحدة في إرسال أسلحة ومركبات عسكرية للمقاتلين الأكراد المسيطرين على «قسد» لإتمام مهمة القضاء على تنظيم «داعش». وتعتبر تركيا «قسد» منظمة إرهابية لعلاقتها بحزب العمال الكردستاني (المحظور) وتطالب بإبعادها عن حدودها، والتوقف عن دعمها من قبل الولايات المتحدة، ضمن خطة تركية ـ أميركية لإقامة منطقة آمنة في مناطق تخضع لسيطرة التحالف. ولكن تركيا تريد منطقة آمنة على طول 422 كيلومترا من حدودها مع سورية، وبعمق 20 ميلا (32 كيلومترا)، وترفض الولايات المتحدة إقامة منطقة آمنة بهذا العمق وهذه المساحة، وتعرض عمقا يتراوح ما بين 5 و14 كيلومترا، كما ترفض سيطرة تركيا المنفردة على المنطقة الآمنة المقترحة.
ـ عودة القوات الأميركية الى تطبيق بند مكافحة الإرهاب، ما يعني عودة نشاط القوات الجوية الأميركية غرب نهر الفرات وقت الضرورة، في حين أن مذكرة التفاهم الأميركية ـ الروسية التي وقعت في مايو الماضي نصت على سيطرة الأميركيين شرق الفرات والروس غربه.
ـ تصاعد وتيرة التوتر في شمال شرقي سورية، حيث تمركزت القوات على الجانب التركي من الحدود. وساهمت المحادثات التركية ـ الأميركية خلال أغسطس الماضي في تفادي انفجار الموقف. وجرت الخطوات الأولية لتطبيق التفاهمات المؤقتة التي تم الاتفاق عليها. لكن لايزال هناك غموض في التفاهمات وتساؤلات حول سرعة التنفيذ وتهديدات تركية باللجوء إلى الخيار العسكري الذي سيخلط الأوراق في منطقة النفوذ الأميركي ـ الكردي شرق الفرات. وهناك من يعتقد أن التفاهمات بين واشنطن وأنقرة هي تأجيل للتوغل وليس إنهاء له.
ـ التوتر بين إيران وإسرائيل التي شنت هجمات جوية متكررة كان أكثرها عنفا على أطراف مدينة دمشق في 24 أغسطس، معلنة أن الهدف كان إحباط هجوم بطائرات مُسيّرة (درون) من الأراضي السورية تم التخطيط له من «فيلق القدس الإيراني» وتنظيمات تدعمها إيران.
3 ـ المنطقة الآمنة
قبل اجتماعات الأمم المتحدة، حدد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وفيما يشبه الإنذار، مهلة حتى آخر سبتمبر لتنفيذ الولايات المتحدة وعدها بإقامة «المنطقة الآمنة» بكل تفاصيلها، وقال إنه «إذا لم تشكل خلال أسبوعين أو ثلاثة «المنطقة الآمنة» فعليا في شرق الفرات بواسطة جنودها ووفق الشروط التي حددناها، فعلى الطرف المقابل أن يفكر بما يحصل». ولكن انتهى سبتمبر ولم ينفذ اردوغان تهديده، بعدما كان يأمل لقاء مع دونالد ترامب في نيويورك ولم يحصل.
الآن يعود اردوغان مجددا للتلويح بورقة العملية العسكرية لفرض المنطقة الآمنة، ويقول إن بلاده لم يعد بمقدورها الانتظار ولو ليوم واحد فيما يتعلق بإقامة «المنطقة الآمنة» في شمال سورية. وفيما اعتبر عودة إلى التلويح بعملية عسكرية في شرق الفرات ضد وحدات حماية الشعب الكردية، أكبر مكونات تحالف قوات سورية الديموقراطية (قسد) الحليف الوثيق للولايات المتحدة في الحرب على «داعش»، قال اردوغان ان تركيا لن تترك أمنها ومستقبل أشقائها بيد قوى لها حساباتها في المنطقة (في إشارة إلى أميركا).
فاجأ الرئيس التركي رجب طيب اردوغان زعماء العالم بخريطة رفعها خلال كلمته في الأمم المتحدة منذ أيام، وقال انها حدود «المنطقة الآمنة» على طول 480 كلم وعمق 30 كلم، وإنه يخطط لإسكان مليوني سوري فيها. نقل الإعلام التركي تفاصيل هذه الخطة التي تهدف إلى بناء 10 أقضية، عدد سكان كل منها 30 ألفا، ويتبع لها 140 قرية، وسكان كل منها 5 آلاف. وسيكون في الأقضية والقرى عشرات المدارس وجامعة وجوامع ومستشفيات وملاعب ومدن صناعية وأراض للزراعة، وهو ما سيكلف حوالي 25 مليار دولار لإسكان مليوني سوري ستجمعها أنقرة من المساعدات الدولية. وقد رأت قيادات «حزب الشعوب الديموقراطي» المشروع محاولة تركية جديدة لاحتلال الأراضي السورية وإسكان مليوني سني موالين لاردوغان في المنطقة ليفصلوا بين أكراد تركيا وأكراد سورية.
وتتمسك تركيا بمنطقة آمنة بعمق ما بين 30 و40 كيلومترا وعرض 480 كيلومترا انطلاقا من حدودها مع سورية لتغطية شمال شرق سوريا، وصولا إلى حدود العراق، من أجل إبعاد وحدات حماية الشعب الكردية عن أراضيها، وأن تكون لها السيطرة المطلقة على المنطقة، وهو ما ترفضه واشنطن التي تتمسك بضمانات لحماية الوحدات الكردية
وبأن يتراوح عمق المنطقة بين 5 و14 كيلومترا في بعض المناطق على امتداد 140 كيلومترا على الحدود التركية ـ السورية بما يلبي الاحتياجات الأمنية لتركيا.
ويعتبر محللون أتراك (صحيفة «بني شفق» الموالية لحزب العدالة والتنمية) أن ما يؤخر المضي في التطبيق الفوري والمنتظم لخطة «المنطقة الآمنة»، هو عامل الثقة. فأنقرة لا تريد أن يتكرر سيناريو منبج، وتلاعب واشنطن بأنقرة حتى الآن. لذا، انتظر اردوغان أن يلتقي بالرئيس الأميركي ترامب على هامش دورة الأمم المتحدة ليحسم مسألة المنطقة الآمنة، وبالتحديد عمقها. ولكن واشنطن أعطت وعدا للأكراد بألا يدخل الأتراك إلى المناطق المأهولة، وهنا لُبّ المشكلة.
4 ـ ملف إدلب
في إدلب تتكرر اللعبة نفسها التي أرساها بوتين واردوغان في اتفاقية سوتشي في 17 سبتمبر 2019، فما خرجت به لقاءات لزعيمين يؤكد أن المصالح الدولية والقوى المؤثرة ترسم المعادلات السورية. وبقدر ما يرى البعض أن اردوغان رهينة واشنطن وموسكو، يذهب آخرون إلى أن اردوغان يلعب بنجاح مع القوتين العالميتين المتنافستين، أي روسيا وأميركا. فحتى في مناطق النفوذ الروسي، تكتب صحيفة «غازيتيه دوار»، أن قصف الطائرات الأميركية لمواقع لـ «داعش» في محيط إدلب، جاء بناء على معلومات استخباراتية تركية، بل إن المعارضة السورية ترى أن الطائرات الأميركية التي قصفت مقر اجتماعات لتنظيم «القاعدة» في إدلب قد انطلقت من قاعدة «انجرليك» في تركيا.
لم يكتف اردوغان بشن هجوم عنيف أمام بوتين على النظام السوري، واتهامه بأنه هو الذي لا ينفذ اتفاقية سوتشي، بل حصل على مهلة جديدة (مفتوحة) من بوتين للبقاء في إدلب، بل كذلك مدعومة بإعلان وقف إطلاق نار من جانب الدولة السورية. ولا يخفى أن هذا الإعلان لا ينسجم مع التطلعات الرسمية السورية بمواصلة التقدم لتحرير معرة النعمان وكل محافظة إدلب. وإذا كانت روسيا لم تفلح حتى الآن في إجلاس أنقرة إلى طاولة المفاوضات مع دمشق، فهذا يعكس أوراق قوة تملكها تركيا في مواجهة خصومها (سورية) وحلفائها (روسيا ـ المصالح الاقتصادية والعسكرية، والاتحاد الأوروبي ـ ملف اللاجئين) على حد سواء. وهي أوراق تحول دون نجاح الضغوط السلمية على تركيا لتطبيق اتفاقية سوتشي وضرب تنظيم «هيئة تحرير الشام». ولا غرو فيما إذا اعتبرت صحيفة «يني شفق» أن وقف النار السوري من جانب واحد هو انتصار لتركيا ولأردوغان شخصيا، يحول دون نزوح مليوني شخص إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا.
5 ـ الوجود الإيراني في سورية
يتعرض الوجود الإيراني في سورية لضغوط عسكرية وسياسية، لدفع طهران إلى تقليص وجودها تدريجيا، وصولا إلى خروج قواتها العسكرية وميليشيات تابعة لها من مناطق سيطرة الحكومة السورية، وهذه الضغوط تأتي استنادا الى رأي مصادر سورية معارضة من ثلاثة أبواب:
٭ الأول من البوابة الشرقية لسورية، إذ ان أميركا قررت البقاء شرق نهر الفرات وقاعدة التنف في الزاوية العراقية ـ السورية ـ الأردنية. وتجري في هذه المناطق، حملة مكثفة بقيادة أميركية لحل التوتر الكردي ـ الكردي واحتواء إمكانات التوتر العربي ـ الكردي، إضافة إلى تخصيص أموال لبسط الاستقرار وإزالة الألغام والإعمار في هذه المناطق بعد دحر «داعش» لمنع إمكانية اختراق إيراني نحو شرق الفرات. والهدف قطع الطريق البرية بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت ومنع إيران من ملء الفراغ شرق سورية.
٭ الثاني يأتي من مناطق سيطرة الحكومة، التي تشكل نحو 60% من مساحة البلاد، إذ تجري جهود روسية لضبط النفوذ الإيراني. عسكريا، يشمل ذلك دعم قاعدة حميميم تشكيل «الفيلق الخامس» سواء من عناصر سورية موالية لدمشق أو من فصائل معارضة سابقة، وتريد موسكو أن يواجه هؤلاء إمكانات قيام إيران بتجنيد شباب سوريين في تنظيمات تابعة لطهران في الجنوب أو شرق الفرات. اقتصاديا، تواصل روسيا منافسة إيران للاستحواذ على مشاريع كبرى. وبعد الحصول على عقد تشغيل مرفأ طرطوس قرب قاعدة طرطوس الموسعة ردا على قرار طهران إدارة مرفأ اللاذقية، تبحث روسيا استثمار مطار دمشق الدولي قرب المقر السابق لقيادة القوات الإيرانية في سورية، الذي نقل بسبب الغارات الإسرائيلية من المطار إلى شمال البلاد.
٭ الثالث: الغارات الإسرائيلية على مواقع إيرانية، إذ إن إسرائيل واصلت قصف هذه المواقع رغم تسلم دمشق منظومة «إس 300» من موسكو ورغم اعتراضات سورية وإيرانية سابقة. وأظهرت واشنطن من جهتها دعم الغارات الإسرائيلية بوصفها إحدى أدوات الضغط العسكري على إيران.