يستمر خلط الاوراق في ملف الشمال السوري الملتهب شرقا، منذ اطلاق تركيا عملية «نبع السلام»، والذي امتد لهيبه غربا، ليفتح الباب أمام مواجهة مباشرة محتملة بين أنقرة ودمشق، الحليفين اللدودين لموسكو، في سباق على ما يبدو بين البلدين لملء الفراغ، بعد انكفاء الأكراد وتسليم مواقعهم في عدة مناطق للحكومة السورية، وانسحاب القوات الاميركية.
وبعد اتفاق قوات سوريا الديموقراطية (قسد) التي يسيطر عليها الاكراد مع الحكومة السورية برعاية روسية، على دخول قوات الحكومة الى بلدات تل تمر وعين عيسى في وعين العرب «كوباني»، وتقدمها صوب مدينة منبج بريف حلب، دخل الجيش الوطني السوري المعارض وبإسناد مدفعي وجوي من الجيش التركي ريف منبج.
وقال قائد عسكري في الجيش الوطني لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ): «دخلت قوات الجيش الوطني إلى مناطق ريف منبج وسيطرت على قرية الياشلي شمال غرب مدينة منبج، وتقدمت القوات باتجاه قرية الجات شمال مدينة منبج» وتوقع ان تكون «العملية سريعة لانهيار دفاعات قسد وهروب عناصرهم».
وأضاف القائد العسكري أن قوات الجيش الوطني حشدت قواتها منذ مدة وبعد تنفيذ المرحلة الأولى من عملية شرق الفرات والسيطرة على مدن تل أبيض ورأس العين والمناطق المحيط بهما، بدأت أمس «عملية السيطرة على مدينة منبج وطرد مسلحي قسد من المدن وإعادة المدينة إلى أهلها».
من جانبه، أقر مصدر في مجلس منبج العسكري بأن «فصائل المعارضة بدأت عملية عسكرية في ريف منبج الشمالي والغربي، وقواتنا تواجه القوات التركية المعتدية».
وأضاف المصدر لـ«د.ب.أ»: «انتشر الجيش السوري في قرية السلطانية 4 كم شرق مدينة منبج، كما انتشر في عدد من النقاط غرب المدينة».
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمس، أشار إلى أن بلاده تسعى لطرد المقاتلين الذين يقودهم الأكراد من منبج بعد الاتفاق الذي ابرمته «قسد» مع الحكومة السورية للتصدي للهجوم التركي.
وفي حديث للصحافيين قبل التوجه لأذربيجان، قال أردوغان إن تركيا ستنفذ خططها بشأن منبج وستقوم بتوطين عرب هناك. وأضاف «اتفاقنا مع الولايات المتحدة كان يقضي بخروج المنظمات الإرهابية من منبج خلال 90 يوما.. لكن عاما مر ومنبج لم تطهر بعد»، في إشارة لوحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبر العمود الفقري لـ«قسد».
وأضاف «نحن.. تركيا.. لن ندخل منبج عندما تخلو. المالكون الأصليون لتلك المنطقة وهم العرب والقبائل هم الملاك الحقيقيون لذلك وسيذهبون إلى هناك. نهجنا المتعلق بذلك هو توطينهم هناك وتوفير الأمن لهم».
وفي شرق نهر الفرات، أفادت وسائل إعلام رسمية سورية بأن قوات الحكومة دخلت بلدة تل تمر التي تبعد نحو ثلاثين كيلومترا من رأس العين في محافظة الحسكة، وتقع على الطريق الاستراتيجي السريع «ام4» الذي يربط بين الشرق والغرب على الحدود مع تركيا.
أكد مسؤول كردي من «قسد» أن اتفاقا «عسكريا مبدئيا» أبرم مع دمشق على دخول القوات الحكومية مناطق حدودية من بلدة منبج إلى الغرب من ديريك على بعد 400 كيلومتر في الشمال الشرقي.
وقال بدران جيا كرد، لـ«رويترز» إن الاتفاق يقتصر على انتشار الجيش على طول الحدود وإن الجانبين سيبحثان القضايا السياسية فيما بعد.
وقالت الإدارة الكردية إن انتشار الجيش السوري سيدعم «قسد»، في التصدي لما وصفه بـ«هذا العدوان وتحرير الأراضي» التي دخلها الجيش التركي وقوات المعارضة السورية المدعومة من تركيا.
وقالت في بيان إن ذلك سيسمح أيضا بتحرير المدن السورية الأخرى التي احتلها الجيش التركي مثل عفرين.
وفي السياق، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان في وقت لاحق إن قوات الحكومة السورية دخلت أيضا إلى عين عيسى في شمال البلاد صوب الخطوط الأمامية في المنطقة التي تنفذ فيها تركيا عمليتها العسكرية. و«باتت على تماس تقريبا مع القوات التركية».
وتفتح عودة الجيش السوري لمنطقة الحدود التركية، فرصا لصراع واسع النطاق إذا ما اشتبكت القوات التركية مع الجيش السوري بشكل مباشر أو القوات الروسية التي تدعم القوات السورية.
ولهذا قال الكرملين أمس، إنه لا يريد التفكير في احتمال وقوع اشتباك بين القوات الروسية والتركية في سورية، وأضاف أن موسكو على تواصل منتظم مع أنقرة بما في ذلك على المستوى العسكري.
وأكد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف للصحافيين إن موسكو حذرت كل أطراف الصراع السوري بالفعل من أجل تفادي أي عمل من شأنه تصعيد الوضع أو الإضرار بالعملية السياسية الهشة.
وقال بيسكوف إن بلاده تجري اتصالا وثيقا مع تركيا بشأن العملية العسكرية.
وتمكنت القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها منذ بدء هجومها، من السيطرة على شريط حدودي بطول 120 كيلومترا، يمتد من مدينة تل أبيض (الرقة) حتى غرب مدينة رأس العين.
وتسعى أنقرة من هجومها إلى إقامة منطقة عازلة بعمق 32 كيلومترا تحت سيطرتها تنقل إليها قسما كبيرا من 3.6 ملايين لاجئ سوري لديها.