وجوب شكر نعمة الله
يقول سبحانه وتعالى مخاطبا الناس أجمعين بنداءين: (يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم)، والله عز وجل هو الذي خلق وأوجد وأعطى ورحم، فتذكر أيها الإنسان نعمة الله عليك بالإيجاد والإمداد والإعداد، حيث أوجدك وأعد لك هذا الكون، وأمدك بكل ما تحتاجه، قال عز وجل: (هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض)، لا يمكن، الله عز وجل يبين ان الخلق بيده، والرزق بيده، فله تمام القدرة وكمال السلطان، وليس لأحد غيره، يقول سبحانه وتعالى إن الذي تفرد بالخلق والرزق يجب ان تفردوه بالعبادة، قال تعالى: (لا إله إلا هو فأنى تؤفكون)، كيف تصرفون العبادة لغير الله عز وجل؟، هذا أمر لا يقبله عقل، يقول سبحانه وتعالى مسليا نبيه: (وإن يكذبوك فقد كُذبت رسل من قبلك)، فلينظروا الى مصير هذه الشعوب، فالرسل منصورون هذه قاعدة ربانية، والكافرون هالكون هذه قاعدة ربانية، قال عز وجل: (وإلى الله تُرجع الأمور)، الأمر بيد الله، من له الخلق له الأمر.
نداء من الله تعالى
يقول سبحانه وتعالى مناديا الناس مرة أخرى: (يا أيها الناس إن وعد الله حق)، وهو كذلك، فلا أصدق من الله قيلا، إن الله لا يخلف الميعاد سبحانه، (إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور)، لا يغرنكم الشيطان ولا تغرنكم زهرة الحياة الدنيا بما فيها من نعيم فإنها زائلة، اتخذوها قوتا ووقودا لأخراكم، اجعلوها مزرعة أعمالكم الصالحة، التي تصعد بكم إلى جنات النعيم، ولا تجعلوها همكم ولا تتوقفوا عندها وتنسوا ربكم فتكذبوه، وتجحدوه وتجعلوا مع توحيده غيره، يقول سبحانه وتعالى: (ولا يغرنكم بالله الغرور)، يحذر الله عز وجل الإنسان من الشيطان الرجيم فلا يفتنكم ولا يردكم بتكذيب الله وتكذيب رسله.
عداوة الشيطان
يقول سبحانه وتعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير)، يحذرنا عز وجل من عداوة الشيطان، فهو يقصد إضلالكم ويريد غوايتكم حتى تكونوا معه في الجحيم، الإنسان يغفل أحيانا عن عداوة الشيطان، ولكننا ننام والشيطان لا ينام، لابد أن نكون حذرين من عداوته، الله عز وجل يقول: فاتخذوه عدوا، كييف نتخذه عدوا؟ لابد ان أعرف طرائقه وأساليبه حتى أستطيع أن أتحضر لها وأعرفها فأواجهها، فإذا جاءت أقول هذه من الشيطان، كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القلب تمر عليه خاطرتان أو لمتان، هذه الخواطر التي تأتيك أيها الإنسان يجب ان تغربلها وتصفيها كما قال صلى الله عليه وسلم، إذا كانت خيرا فاحمد الله، وإذا كانت شرا فاعلم انها من الشيطان، فلابد ان يكون عندك الوعي الكافي بمراجعة نفسك وتقييم أفكار ذاتك وهذا جزء من مسؤوليتك كإنسان مؤمن مسلم، هل يمكن لأهل الإيمان ان يأتوا فيقولوا لله عز وجل ربنا إننا لم نحذر الشيطان، إنك لم تحذرنا عداوة الشيطان، لا، الله بيّن عداوته لنا وأمرك أيها الإنسان بالاستعاذة بالله عز وجل من الشيطان الرجيم، فلابد من الاستعاذة بالله إذا أحس الإنسان بنغز الشيطان.
حبائل الشيطان للإنسان كما بينها ابن القيم - رحمه الله
الشرك بالله
المرتبة الأولى: شر الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه، وهو أول ما يريد من العبد، فلايزال به حتى يناله منه، فإذا نال ذلك صيره من جنده وعسكره واستنابه على أمثاله وأشكاله فصار من دعاة إبليس ونوابه، فإن يئس منه من ذلك وكان ممن سبق له الإسلام في بطن أمه نقله إلى:
البدع
المرتبة الثانية: من الشر وهي البدعة، وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي، لأن ضررها في نفس الدين وهو ضرر متعد، وهي ذنب لا يتاب منه، وهي مخالفة لدعوة الرسل، ودعاء إلى خلاف ما جاءوا به، وهي باب الكفر والشرك، فإذا نال منه البدعة وجعله من أهلها بقي أيضا نائبه وداعيا من دعاته، فإن أعجزه من هذه المرتبة، وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة ومعاداة أهل البدع والضلال نقله إلى:
الكبائر
المرتبة الثالثة: من الشر وهي الكبائر على اختلاف أنواعها، فهو أشد حرصا على أن يوقعه فيها، ولاسيما إن كان عالما متبوعا فهو حريص على ذلك لينفر الناس عنه، ثم يشيع من ذنوبه ومعاصيه في الناس، ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينا وتقربا بزعمه إلى الله تعالى، وهو نائب إبليس ولا يشعر، (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم) (النور:19) هذا إذا أحبوا إشاعتها وإذاعتها، فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها لا نصيحة منهم، ولكن طاعة لإبليس ونيابة عنه، كل ذلك لينفر الناس عنه، وعن الانتفاع به.
وذنوب هذا ولو بلغت عنان السماء أهون عند الله من ذنوب هؤلاء، فإنها ظلم منه لنفسه، إذا استغفر الله وتاب إليه قبل الله توبته وبدل سيئاته حسنات.
وأما ذنوب أولئك فظلم للمؤمنين، وتتبع لعورتهم وقصد لفضيحتهم، والله سبحانه بالمرصاد لا تخفى عليه كمائن الصدور ودسائس النفوس، فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة نقله إلى:
الصغائر
المرتبة الرابعة: وهي الصغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض» وذكر حديثا معناه: أن كل واحد منهم جاء بعود حطب حتى أوقدوا نارا عظيمة، فطبخوا واشتووا، ولايزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها، فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحسن حالا منه، فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة نقله إلى:
التوسع في المبيحات
المرتبة الخامسة: وهي إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها، فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة وكان حافظا لوقته شحيحا به يعلم مقدار أنفاسه وانقطاعها وما يقابلها من النعيم والعذاب نقله إلى:
الانشغال بالمفضول عن الفاضل
المرتبة السادسة: وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل، فيأمره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه، ويحسنه له إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه، وقل من يتنبه لهذا من الناس، فإنه إذا رأى فيه داعيا قويا ومحركا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة وقربة، فإنه لا يكاد يقول: إن هذا الداعي من الشيطان، فإن الشيطان لا يأمر بخير ويرى أن هذا خير، فيقول: هذا الداعي من الله. وهو معذور ولم يصل علمه، إلا أن الشيطان يأمر بسبعين بابا من أبواب الخير، إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر، وإما ليفوت بها خيرا أعظم من تلك السبعين بابا وأجلّ وأفضل.
وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه، وأرضاها له، وأنفعها وأعمها للعبد نصيحة لله ورسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين خاصتهم وعامتهم.
ولا يعرف هذا إلا من كان من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونوابه في الأمة وخلفائه في الأرض، وأكثر الخلق محجوبون عن ذلك، فلا يخطر بقلوبهم، والله يمن بفضله على من يشاء من عباده.
فإذا أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعيي عليه سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه وقصد إخماله وإطفائه ليشوش عليه قلبه، ويشغل بحربه فكره وليمنع الناس من الانتفاع به، فيبقي سعيه في تسليط المبطلين من شياطين الإنس والجن عليه لا يفتر ولا يني، فحينئذ يلبس المؤمن لأمة الحرب ولا يضعها عنه إلا الموت، ومتى وضعها أسر أو أصيب فلايزال في جهاد حتى يلقى الله.
فتأمل هذا الفصل وتدبر موقعه وعظيم منفعته، واجعله ميزانك تزن به الناس وتزن به الأعمال فإنه طلعك على حقائق الوجود ومراتب الخلق، والله المستعان وعليه التكلان، ولو لم يكن في هذا التعليق إلا هذا الفصل لكان نافعا لمن تدبره ووعاه.
ألقيت المحاضرة في مسجد
فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء