إذا كان العالم انتظر في العام 2020 وبفارغ الصبر الانتخابات الأميركية كحدث مفصلي له تأثيره على مجمل الأوضاع والمسارات في العالم، فإن الشرق الأوسط مدعو في العام 2021، وبدرجة أقل من الحماسة، الى انتظار ثلاثة انتخابات إقليمية ستجري تباعا في إسرائيل وسورية وإيران. وإذا وضعنا جانبا الأيام المتبقية من ولاية الرئيس دونالد ترامب وما يمكن أن تحمله من تطورات ومفاجآت غير محسوبة، وما يمكن أن تنتجه من تعقيدات وقيود أمام الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، يمكن القول إن مسار الأوضاع في المنطقة يتأثر الى حد بعيد بنتائج الانتخابات في تلك الدول بدرجات متفاوتة، والمؤشرات التي تطلقها والظروف التي تجري ضمنها. وإضافة الى الانتخابات الفلسطينية المرجحة، والانتخابات العراقية المبكرة وسط سباق محموم بين الحكومة التي تسعى الى إجراء الانتخابات، والفصائل التي تسعى الى إسقاطها.. تتسلط الأضواء على ثلاثة انتخابات مهمة:
الانتخابات الإسرائيلية العامة
إسرائيل الى رابع انتخابات في غضون عامين. وهذا يعكس أزمة عميقة في النظام السياسي العاجز عن تأمين استقرار سياسي وتداول في السلطة، وعن إنتاج بديل عن بنيامين نتنياهو الذي يقاوم و«يتحايل» للبقاء، مستفيدا من ضعف خصومه وعدم وجود بديل مقنع وأفضل منه.هذه الانتخابات تجري في ظل ظروف مختلفة ومتغيرات داخلية وخارجية فرضت نفسها وإيقاعها أبرزها:
1 ـ انتقال الولايات المتحدة من رئيس الى آخر ومن إدارة الى أخرى، وهو ليس انتقالا عاديا وسلسا، وإنما جاء محفوفا - بكثير من التوترات والتعقيدات، وسط خلاف كبير وهوة واسعة تفصل بين ترامب وبايدن في كل ما له علاقة بالسياسة الخارجية والشرق الأوسط، وضمنا بإسرائيل. ومع خسارة ترامب المدوية، خسر نتنياهو حليفا كبيرا ورئيسا أميركيا لم يسبق له مثيل. أغدق عليه الجوائز والمكاسب، وساعده على فرملة مشروع إيران.
2 ـ اتفاقات التطبيع والسلام بين إسرائيل ودول عدة ، والتي كرت سبحتها منذ شهر، هذه الاتفاقيات تشكل نقطة قوة لنتنياهو.
3 ـ الضغوط والتحديات الداخلية المتزايدة التي يواجهها نتنياهو، بدءا من سيف المحاكمة المسلط فوق رأسه بتهم الفساد، ومرورا بالتظاهرات والحالة الشعبية الناقمة عليه بسبب سوء إدارته لأزمة «كورونا» والأزمة الاقتصادية المتفاقمة، وصولا الى حالة الانشقاق والتمرد داخل «الليكود».
4 ـ سقوط حزب الجنرالات الذي شكل المنافس الأول والأخطر على «الليكود» ونتنياهو. ولكن هذا الحزب «أزرق - أبيض» لم يعمر طويلا، ومثلما كان دخوله سريعا الى الحياة السياسية جاءت نهايته سريعة بعدما أخفق الجنرال بيني غانتس في كسب ثقة الإسرائيليين الذين انتخبوه لمحاربة نتنياهو وإسقاطه، فإذا به يسقط في أحضانه ويصبح شريكا له في حكومة شراكة زائفة. نجح نتنياهو في خداع غانتس وفي جره الى انتخابات رابعة تقضي على غانتس بالتأكيد، ولكن ربما تقضي على نتنياهو كذلك.
نتنياهو في دائرة الخطر الشديد، وهو مهدد بالخروج من رئاسة الحكومة ومن الحياة السياسية. الخارطة السياسية في إسرائيل الى تغيير، والجديد فيها سيكون تعزز شعبية وقوة اليمين المتطرف وبروز معالم ائتلاف حكومي جديد يضم الثلاثة: نفتالي بينيت (حزب «يمينا») وأفيغدور ليبرمان «إسرائيل بيتنا» وجدعون ساعر (المنشق عن «الليكود»)... وفي حال فاز هذا الائتلاف الثلاثي وتوافرت له أكثرية برلمانية لتشكيل الحكومة، فإن ذلك سيكون وقعه شديدا، إن لجهة العلاقة مع إدارة بايدن أو الموقف من استئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية على أساس حل الدولتين، أو الموقف من إيران وبرنامجها النووي الذي سيصبح أكثر تشددا وميلا الى الخيار العسكري بعدما كان نتنياهو طيلة فترة توليه رئاسة الحكومة على مراحل يتفادى الحروب الكبيرة.
الانتخابات الرئاسية السورية
تختلف الانتخابات السورية عن غيرها من انتخابات المنطقة ، لأنها ستكون بمثابة استفتاء على رئاسة بشار الأسد الذي لا مرشح منافسا له حتى الآن، فيما يتوزع أكثر من نصف السوريين بين نازح داخلي أو لاجئ في الخارج وتتنازع السيطرة على الاراضي السورية عدة قوى.
وإذا كانت انتخابات مجلس الشعب الأخيرة مرت من دون اهتمام يذكر، فإن انتخابات الرئاسة ستشكل جزءا من سياق عام غير واضح في ظل تعثر «مسار العملية السياسية» التي تقود مفاوضاتها الأمم المتحدة، ولم تسفر اجتماعات اللجنة الدستورية المصغرة عن اي نتيجة، في موازاة انكفاء مسار العمليات والحرب العسكرية التي توقفت عند أبواب إدلب من جهة وضفاف شرقي الفرات من جهة أخرى.
المؤشرات الأولية تفيد بأن روسيا، وبخلاف الموقف الأميركي والأوروبي، داعمة للرئيس بشار الأسد والتجديد له لولاية رئاسية جديدة لتكمل معه ما كانت بدأته منذ العام 2015، بعدما أتبعت تدخلها العسكري لانقاذ نظامه، بمسار سياسي (مسار آستانة) بالتنسيق والتعاون مع إيران وتركيا، وتفاهمات ضمنية وخفية مع إدارة ترامب.
ولكن الدعم الروسي ليس لتجديد «روتيني وتلقائي» لرئاسة الأسد، وإنما على أساس توجه الى وضع ترتيبات كاملة على طاولة البحث مع القيادة السورية على الصعيدين السياسي والاقتصادي... فالقرار الروسي صدر بإطلاق مسار المساعدات الاقتصادية الكاملة، وفي إطار رؤية شاملة تقوم على دفع المسار السياسي أيضا في اتجاه عملية شاملة لتأمين الانتقال السياسي والتسوية النهائية التي لاتزال تشكك بجدواها الدول الغربية في ظل المعطيات الراهنة. وترى موسكو أن الوضع بات ناضجا لإحياء العملية السياسية، بعدما اعتبرته إشارات أميركية استعدادا لدفع المسار التفاوضي في جنيف. لكن دفع المسار السياسي بشكل جدي غير ممكن من دون العمل لتجاوز الأزمة الاقتصادية المعيشية المتدهورة على نحو خطير، ما قد ينعكس على مجمل الوضع وعلى جهود التسوية.
فسورية اليوم تشكل عبئا ماليا واقتصاديا وشعبيا على حليفتيها روسيا وإيران، في وقت تخوض إيران مواجهة مفتوحة مع إسرائيل على الأرض السورية، وتخوض روسيا خلافا مع الولايات المتحدة مرشحا للتفاقم في عهد بايدن حول الوجود الأميركي في سورية والوضع في منطقة شرقي الفرات وسياسة العقوبات التي وصلت الى الحد الأقصى مع «قانون قيصر».
في الواقع، يواجه الأسد ضغوطا مزدوجة : الضغوط «الإيجابية» الآتية من ناحية روسيا للتجاوب مع خطتها للمرحلة المقبلة والتكيف مع قواعد جديدة للعبة، خصوصا مع تركيا والأكراد. والضغوط السلبية الآتية من ناحية الولايات المتحدة التي لاتزال تهدف الى إجبار الأسد على تقديم تنازلات سياسية كبرى في مفاوضات جنيف من جهة، وعلى دفع إيران الى الانسحاب العسكري من سورية من جهة ثانية. وقبل ظهور مؤشرات جدية من جانب القيادة السورية في هذين الاتجاهين، فإن القرار الأميركي يظل قائما بعدم رفع الحظر الدولي المفروض على سورية، وعدم إطلاق عملية إعادة الإعمار، وبربط ملفات الإعمار والنزوح والعلاقات السورية بالعملية السياسية وترتيبات البيت السوري الداخلي والإصلاحات الدستورية وفق القرار 2254.
على مسافة 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية المقررة في يونيو 2021، قال نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية والمبعوث الخاص الى سورية «جويل رايبرن»: «الفرص معدومة لمنح العملية الانتخابية المقبلة في سورية شرعية دولية، فالمؤشرات كلها تدل على أنها لن تجرى في ظروف آمنة وعادلة ومناسبة بناء لقرار المجلس الأمن 2254، وفي غياب لمراقبة أممية، وبذلك لن تكون شرعية إطلاقا، وستكون مضيعة للوقت وفرصة لإلهاء الرأي العام الدولي».
وقبل أيام من تولي الرئيس المنتخب جو بايدن زمام القيادة في البيت الأبيض، أكد رايبرن أن تطبيق «قانون قيصر» والضغط على النظام السوري لإجباره على تنفيذ الحل السياسي للأزمة «يتمتعان بتأييد واسع ومتين من قبل الحزبين الجمهوري والديموقراطي. وهذه السياسة ليست خاصة بإدارة ترامب بل هي نتاج توافق الحزبين، ولهذا فإن أسلوب التعاطي مع دمشق سيستمر مع إدارة بايدن».
الانتخابات الإيرانية الرئاسية
الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي ستجري مطلع الصيف المقبل تكتسب أهمية استثنائية هذا العام في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها إيران.
صحيح أن هذه الانتخابات تتحكم بها بالدرجة الأولى عوامل واعتبارات داخلية، وحيث إن التصويت الشعبي سيكون على وقع الأزمات الداخلية والحالة الشعبية المتذمرة من جراء الضائقة الاقتصادية المالية غير المسبوقة وأزمة «كورونا» وطريقة إدارتها.
وصحيح أن هذه الانتخابات الرئاسية تدور كما في السابق بين معسكري الإصلاحيين والمحافظين، وهذا العام كان المحافظون سباقين في طرح اسم المرشح الأول للمعركة وهو حسين دهقان (مستشار المرشد الأعلى للشؤون العسكرية والقيادي في الحرس الثوري)، فيما يستعد الإصلاحيون للتقدم الى حلبة المنافسة مع لائحة من عدة مرشحين من بينهم علي لاريجاني (رئيس البرلمان السابق) وحسن الخميني (حفيد آية الله الخميني) وعلي أكبر صالحي (رئيس منظمة الطاقة الذرية) ورضا خاتمي (شقيق الرئيس السابق محمد خاتمي).
ولكن الصحيح أيضا أن الانتخابات هذا العام تجري على وقع السياسة والخيارات الخارجية، وتحديدا تلك التي ستتبع مع الولايات المتحدة من الآن فصاعدا، وأن «الملف الأميركي» لا يقل أهمية وتأثيرا على اتجاهات الرأي العام الإيراني، وعلى اتجاهات التصويت في الانتخابات المقبلة.
والصحيح أيضا أن هذه الانتخابات لن تكون بين مرشحين أو أكثر، وإنما بين خيارين وتوجهين وتيارين فيما خص الموقف من الولايات المتحدة والعلاقة معها، وما إذا كانت ستستمر في حال المواجهة من دون حرب، أم تنتقل الى حال المفاوضة من دون اتفاق، أم تستقر في حال مهادنة .
التصويت للرئيس الإيراني الجديد سيكون في وجهه الآخر والفعلي تصويتا للخيار الذي سيعتمد مع أميركا وكيفية التعاطي معها، وتصويتا في الواقع لخيار من اثنين:
٭ الخيار الأول الذي يعكسه ويقدمه التيار الإصلاحي المعتدل ويرمز إليه في السلطة حاليا الثنائي روحاني - ظريف. هذا التيار يرى أن الأولوية والحاجة القصوى هي لرفع العقوبات واستعادة إيران عافيتها المالية وتوازنها الاقتصادي وعلاقاتها الدولية. والطريق الأسرع لتحقيق ذلك يكون بعودة التواصل والحوار مع إدارة بايدن. ومازال هذا التيار مؤمنا بأهمية الاتفاق النووي كإنجاز ديبلوماسي دولي، وكتأثير إيجابي على النظام لضمان بقائه واستقراره.
٭ الخيار الثاني المتشدد، والذي يقوده الحرس الثوري ويدعو الى التعاطي بحذر وريبة مع إدارة بايدن وعدم اتخاذ أي مبادرة وعدم القيام بالخطوة الأولى في اتجاهها إلا مقابل شروط وضمانات مسبقة. ومن هذه الشروط: التخفيف من وطأة العقوبات قبل أن تفعل إيران أي شيء، المطالبة بتعويضات عن تكلفة العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب، الإصرار على معاهدة رسمية ملزمة يصدق عليها الكونغرس حتى لا يتكرر الخروج منها على يد رئيس أميركي آخر في المستقبل، إلغاء الشروط الـ 12 التي وضعتها إدارة ترامب.
من الواضح أن مهمة الثنائي «روحاني - ظريف» ستكون صعبة جدا لجهة إعادة إقناع الداخل الإيراني بأن الاتفاق النووي سيكون قادرا على حفظ مصلحة إيران القومية. ومن الواضح أن تغييرا حصل داخل إيران تجاه الاتفاق النووي والموقف من أميركا بعدما فعل قرار ترامب في الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي مرفقا بعقوبات قصوى، فعله في إحداث خيبة عميقة لدى القيادة الإيرانية ولدى شريحة شعبية واسعة، لأن التفويض الذي أعطي لـ«روحاني- ظريف» للتوقيع على اتفاق يجلب المكاسب الاقتصادية والمالية والسياسية لإيران لم يحقق أهدافه، وحدث عكس ما كان متوقعا ومطلوبا. وهناك اعتقاد على نطاق واسع في إيران بأنها بالتزاماتها ولكنها لم تنجح في حفظ حقوقها وفي تحصيل مكاسب من الاتفاق النووي.
أغلب الظن أن الرئيس بايدن سينتظر جلاء الموقف الداخلي في إيران وقرار القيادة الإيرانية الذي لن يتحدد قبل الانتخابات التي ستكون مؤشرا على طبيعته ووجهته النهائية. وبالتالي، ستكون الانتخابات الرئاسية الإيرانية عاملا أساسيا في تكوين عناصر القرار الأميركي الجديد من الاتفاق النووي ومن العلاقة مع إيران تبعا لنتائج الانتخابات ولمن سيكون الفوز فيها، للمتشددين أو للمعتدلين.
الانتخابات الإيرانية الرئاسية عنصر مهم ولكن ليس الأهم في ظل واقع دولي إقليمي جديد استحدثه ترامب وفرضه على بايدن الذي بات عليه أن يتكيف مع قواعد لعبة جديدة، وأن يأخذ في الاعتبار عدة وقائع ومواقف أبرزها:
ـ تصميم إسرائيل على منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
ـ عمليات التطبيع الجارية بين إسرائيل وعدة دول، مترافقة مع مطلب اقليمي من الإدارة - الأميركية الجديدة بأن تحد، ليس فقط من مشروع إيران النووي، وإنما أيضا من نفوذها الإقليمي.
ـ الرغبة الأوروبية في تقييد إيران وفي جعل التفاهمات بشأن البرنامج النووي رهينة للتقدم بشأن الصواريخ الباليستية ـ أو التحديات الإقليمية.
يضاف الى كل ذلك الموقف الداخلي المتغير في الولايات المتحدة، حيث تسود رغبة جامحة عند النخب ودوائر القرار وأعضاء الكونغرس بوجوب كبح جماح إيران ومنعها من تطوير قدراتها. ومن المرجح أن يعارض الجمهوريون في الكونغرس أي عودة للاتفاق النووي الذي لا يتعامل مع بنود انقضاء المدة أو الصواريخ الباليستية أو إثارة المشاكل الإيرانية في الشرق الأوسط. وهكذا، فإن ترامب نجح ليس فقط في إخراج أميركا من الاتفاق النووي، ولكن أيضا في القضاء على فرصة العودة الى هذا الاتفاق كما هو.