Note: English translation is not 100% accurate
قصة الصراع بين ستالين وتروتسكي على خلافة لينين:
هزيمة الفكر أمام مكائد السياسة أسست لانهيار الاتحاد السوفييتي
29 سبتمبر 2007
المصدر : الأنباء







مواجهات يشهد عليها التاريخ
اعداد: محمد الحسيني
التاريخ تسطره إنجازات صنّاع أحداثه من الرجال والنساء، وكم لنا في هذا التاريخ من عِبَر ومواقف تستحق أن نقف عندها لنستفيد منها أو نثري بها معلوماتنا.
في بحر الزمن نغوص لنستحضر على مدى 30 حلقة مواجهات لا تنسى من مختلف العصور والحضارات في مجالات الحرب، الأدب، الفن والرياضة، كان التاريخ شاهدا عليها وتستحق أن نستعيدها.
في العام 1922 أصيب ڤلاديمير لينين بالشلل نتيجة تعرضه لجلطتين، وكان الاتحاد السوفييتي المعلن حديثا بحاجة إلى قائد جديد. وفي هذه الأجواء اشتد التنافس على خلافة لينين بين قادة الحزب الشيوعي ورموز الثورة وأبرزهم ليون تروتسكي وجوزيف ستالين.
في بداية الأمر كانت موازين القوى تبدو في صالح تروتسكي نظرا لتفوقه على ستالين بكثير من المميزات الشخصية، فهو - على غرار لينين - مثقف ومنظر متفوه قادر على إلهاب حماس الجماهير، وهو القائد العسكري الذي شارك في تأسيس الجيش الأحمر وتولى قيادته خلال الحرب الأهلية.
أمام هذا الواقع لم يكن أمام ستالين سوى الاعتماد على دهائه السياسي لتحقيق هدفه في إقصاء غريمه الأشرس في السباق إلى السلطة.
لم يحظ ستالين بموقع متقدم إلا في آخر عهد لينين، (تقلد منصب أمين عام اللجنة المركزية بالحزب عام 1922)، حيث شعر ستالين برغباته الجامحة، وكان يميل الى تروتسكي إذ وجد فيه الشخص الأفضل ليكون خليفته.
في 1923 تعرض لينين المريض لجلطة ثالثة كانت مؤشرا على ان ساعته اقتربت، فكتب رسالة انتقد فيها بشدة ستالين ووصفه بـ «الوقح» وعبّر عن اعجابه بتروتسكي، لكن ستالين أخفى الرسالة وحال دون عرضها على مؤتمر الحزب.
ولم يكتشف تروتسكي الأمر إلا متأخرا، بعدما كان ستالين قد وطد سلطته.
خلال سنوات لينين الأخيرة وحتى وفاته في 21 يناير 1925 كان تروتسكي يلقي الخطب الرنانة ويكتب المقالات لتوسيع شعبيته والدفاع عن نظريات «الثورة الدائمة» و«الاشتراكية العالمية» وضرورة أن يدعم السوفييت ثورات العمال في دول العالم للانتصار على الأنظمة الإمبريالية.
ولمواجهة طروحات تروتسكي، ركز ستالين على اللعبة السياسية وعقد التحالفات داخل المكتب السياسي للجنة المركزية (مؤتمر الحزب ينتخب اللجنة واللجنة تختار أعضاء المكتب) مستفيدا من وجوده بمنصب الأمين العام وصلاحيات التوظيف والترضيات الواسعة لديه، لكنه قدم بمواجهة مشروع غريمه نظرية «الاشتراكية في دولة واحدة» معتبرا انه لابد للاتحاد السوفييتي من أن يطبق الاشتراكية داخله ويعززها بقدراته ثم ينشر الثورة في العالم أي خيار «الاشتراكية المحلية» بدلا من «الاشتراكية العالمية».
تحالف ستالين بداية مع كامينيڤ وزينوڤييڤ ضد تروتسكي ثم انقلب عليهما وتحالف مع بوخارين وتومسكي وريكوڤ فوجد الثلاثة الأوائل أنفسهم في قارب واحد ضد عدو لم يدركوا انه على هذا القدر من الذكاء.
وبعد ذلك انقلب ستالين على بوخارين وتومسكي، وخلال 5 سنوات (1925 - 1930) استطاع ان يضمن تشكيل المكتب السياسي من مجموعة موالية له تماما، وحوّل روسيا الى ديكتاتورية أحادية الرأس ارتكبت في عهدها أبشع مجازر التاريخ.
في عام 1926 وبعد مرور أقل من سنتين على موت لينين نجح ستالين في إخراج تروتسكي وكامينيڤ وزينوڤييڤ من المكتب السياسي فسعى تروتسكي وأنصاره الى تأسيس حزب مستقل وأثرت هذه الخطوة والانقسام الشيوعي داخل روسيا على مستوى الحركات الشيوعية في مختلف أرجاء العالم. وكانت نتيجتها تخوينا لتروتسكي ومؤيديه وانتهى به الأمر كما حصل في مرات سابقة منفيا عام 1929 بداية في اسطنبول ثم باريس ثم النرويج واخيرا في المكسيك، حيث رحب به الرئيس لاتزارو كارديناس.
سببت انتقادات تروتسكي المتكررة للنظام الستاليني وتوصيف انقلابه على الثورة ازعاجا مستمرا لستالين واستمر التعاطف معه حتى اغتياله على يد عميل روسي أرسله ستالين في المكسيك عام 1940.
شخصيتان مختلفتان
ولد ستالين في جورجيا عام 1879، كان والده اسكافيا مدمنا على معاقرة الخمر وضرب ابنه.
توفي والابن في الـ 11 من عمره، أرسلته امه الى مدرسة تابعة للكنيسة الأرثوذكسية وكانت تطمح الى ان يكون ابنها كاهنا حتى بعدما أصبح رئيسا!
طرد من المدرسة لعدم حضوره امتحاناته وترك ذلك في نفسه حقدا دفينا على الدين والمتدينين وحتى أمه، وكان من اول الأمور التي دعا اليها بعد ان توطدت سلطته هو تدمير كل ما يرمز الى الدين في روسيا الشيوعية. أعجب في شبابه بلينين وانضم الى الثوار البلشفيين، وفي عام 1913 اختار اسم «ستالين» كاسم حركي له ومعناه الرجل الفولاذي ولتشابهه مع اسم «لينين».
أما تروتسكي فهو من مواليد أوكرانيا 1879 لوالدين مزارعين، كان يعاني في طفولته عدم ايلائه العناية والوقت والعاطفة من أهله، لكن ذلك لم يولد لديه حقدا على المجتمع او عقدا شخصية كما كانت الحال مع ستالين، بل على العكس عرف بتسامحه وتعاطفه مع المظلومين وتجلى ذلك في مذكرات معلميه الذين كانوا يلمسون ثورته للدفاع عن حقوق زملائه في الصف إذا شعر بظلم يلحق بهم. تأثر بثورة لينين وناصرها وتقرب من مؤسس الاتحاد السوفييتي وأعجب بنظرياته، ونجح في صوغ استراتيجيات مهمة لمستقبل الثورة الشيوعية، ورغم المناصب التي تقلدها الا انه لم يُجد اللعبة السياسية التي تؤهله للقيادة كما فعل ستالين.
لم يكن انتصار ستالين على تروتسكي حدثا عاديا، بل كان بمنزلة النكبة على كل الصعد: نكبة لشعبه، ونكبة للثورة وانقلاب على مبادئها. ويتجلى ذلك من خلال الكوارث التي حلت في عهده الذي كان ابرز عنوانين فيه التصفيات الجسدية لخصومه، ونفيهم.
ففي العام 1930 عمل على تصفية كل من يستمر في مناقضة أفكاره أو على الأقل لا يتبناها من قيادات الحزب الشيوعي. وقد زج بعشرات آلاف المواطنين بالسجن في الأعوام الأولى لحكمه لأسباب سياسية.
أول مشروع في برنامجه كان سياسة الإصلاح الزراعي عبر تحويل أدوات وأساليب الزراعة البدائية الى مرحلة صناعية. وأمر بمصادرة الأراضي الزراعية فواجه معارضة لمشروعه من الفلاحين ومن الاقطاعيين على حد سواء، من الفلاحين لأن المشروع لم يعطهم ما يستحقونه من أجر. ومن الإقطاعيين لأنهم لم يحصلوا على مقابل عادل لغلاتهم من الاراضي المصادرة نظرا لكون الدولة هي التي تحدد الأسعار.
وأمام انسداد آفاق النجاح قام الفلاحون بحركة احتجاجية وأقدموا على نحر مواشيهم في عام 1931 والتصعيد ضد الحكومة مدعومين من الاقطاعيين، فكان أن أمر ستالين بإعدام كل من يعارض الانصياع لبرنامج الحكومة بلا رحمة. ونتيجة لشح الانتاج الذي أدى الى المجاعة وللمجازر الناتجة عن أوامر ستالين قضى نحو 10 ملايين روسي بين 1930 و1933، وبين 1934 و1938 تم إعدام أكثر من مليون سجين وترحيل الملايين إلى مناطق نائية في الاتحاد السوفييتي، واستمرت الحملة بعد الحرب العالمية الثانية عندما رُحّل الملايين الى سبيريا وجمهوريات آسيا الوسطى بتهمة التعامل مع النازيين الذين اجتاحوا الاتحاد السوفييتي رغم الاتفاقية التي وقّعها مع هتلر التي تعهد فيها الأخير بعدم اجتياح الأراضي السوفييتية.
وفي 5 مارس 1940 وقّع ستالين بنفسه على وثيقة إعدام 25700 من المثقفين الپولنديين.
وتتراوح تقديرات ضحايا الحقبة الستالينية من السجناء السياسيين أو ضحايا المجاعة بين 8 ملايين كحد أدنى و20 مليونا، حيث لا توجد احصائيات رسمية، يضاف اليهم نحو 20 مليونا سقطوا خلال الحرب العالمية الثانية وهذا ما يرفع اجمالي الضحايا الى 40 مليونا وهو رقم هائل بكل المقاييس والمعايير.
مات ستالين في 5 مارس 1953 بعد حضوره مأدبة عشاء حضرها وزير أمنه «بيريا».
وذكر «مولوتوف» وهو الرجل الوحيد في اللجنة المركزية الذي ظل مقربا من ستالين ولم يقم الأخير بتصفيته ان ستالين مات مسموما وان الوزير بيريا هو من دس له السم، مضيفا ان الأخير اعترف له بذلك وبأنه غير نادم على ما قام به.
لم يكن هتلر وتروتسكي العدوين الغريمين اللدودين لستالين فقط، بل كان يكن الكراهية للزعيم الصيني الشيوعي ماوتسي تونغ الذي اختار خطا آخر للشيوعية الصينية وأسهم في انقسام العالم الشيوعي بين مؤيد للنموذج الصيني ومؤيد للنموذج الروسي.
السؤال: هل كان الاتحاد السوفييتي سيحظى بمستقبل أفضل لو تقلد تروتسكي الحكم بدلا من ستالين؟ الجواب: ليس بالضرورة، ولكن على الأقل كان من الممكن أن ينجو عشرات ملايين الضحايا من المصير الذي واجهوه لأن ستالين كسب معركة الحكم.