Note: English translation is not 100% accurate
المواجهة بين اثنين من أعظم قادة التاريخ أعطت المجد لروما وقضت على قرطاجة
هنيبعل أسقط ثاني أكبر مدن الرومان وحاصر عاصمتهم فخرج مواطنوهم للشوارع يصيحون: «هنيبعل وراء الأبواب».. «العدو وراء الأبواب»
26 سبتمبر 2007
المصدر : الأنباء





مواجهات يشهد عليها التاريخ
اعداد: محمد الحسيني
التاريخ تسطره إنجازات صنّاع أحداثه من الرجال والنساء، وكم لنا في هذا التاريخ من عِبَر ومواقف تستحق أن نقف عندها لنستفيد منها أو نثري بها معلوماتنا.
في بحر الزمن نغوص لنستحضر على مدى 30 حلقة مواجهات لا تنسى من مختلف العصور والحضارات في مجالات الحرب، الأدب، الفن والرياضة، كان التاريخ شاهدا عليها وتستحق أن نستعيدها.
شيبيو حارب غريمه بنفس خططه وكان كفلاسفة روما مؤمناً بأن العبقرية الفردية لابد أن تجر شعوبها إلى الدمار!
ما قصة الحب التي دفع ثمنها هنيبعل غالياً وكانت سبباً في دمار قرطاجة؟
«هنيبعل على الأبواب»... «هنيبعل على الأبواب»... «هنيبعل على الأبواب»، بهذه العبارة التاريخية تعالت صيحات الرجال في شوارع روما حتى بلغ الخبر مجلس الشيوخ المجتمع لمناقشة الخطر القرطاجي القادم بعدما سقطت ثاني عواصم الإمبراطورية الرومانية «كابوا» على يد هنيبعل ومن وحي هذه العبارة يستخدم قادة وشعوب اليوم مقولة «العدو على الأبواب».
يعتبر هنيبعل من أشهر قادة التاريخ وأشدهم حنكة وذكاء في القيادة والتخطيط، حارب الرومان بشراسة طيلة 3 عقود ووصل الى أعتاب روما المحصنة في أكبر تهديد لها.
ومن مفارقات القدر انه كتب لإمبراطورية قرطاجة التي قارعت الإغريق ومن بعدهم الرومان ونافستهم في السيطرة على حوض الأبيض المتوسط ان تنهار وتحرق وتزول في عهد اعتى قادتها الرجل الذي نجح في بث الذعر في قلب كل روماني مهما بلغ من بأس وشجاعة.
ولم يكن انهيار هنيبعل برقة ابن القائد الشجاع هملقار برقة الذي يصفه الرومان بالقائد المتوحش بعدما اعتاد ان يسحق اعداءه بلا رحمة ليتم لولا وجود قائد فذ آخر بمواجهته هو «شيبيو» الذي لقب بـ «شيبيو الأفريقي» لأنه تمكن من احتلال أفريقيا وهزم قرطاجة في الحرب الثانية من سلسلة الحروب البرية الثلاث التي اندلعت بين الإمبراطوريتين، وهي حروب نموذجية على كل المستويات، فيما شهدته من تخطيط وقتال وتحالفات ومعادلات وانقلابات.
مع تزايد نفوذ الرومان ومراقبتهم عن كثب لحملات قرطاجة ونموها العسكري والاقتصادي وحذوهم حذوها في ذلك، شعر القرطاجيون ان مستقبلهم على المحك وان دولتهم التي اسستها جدتهم الصورية (نسبة الى مدينة صور) أليسار في عام 814 ق.م أي قبل اكثر من 600عام باتت تواجه اكثر من اي وقت مضى عدوا يهددها بالزوال، فكان لابد من التحرك والمواجهة، هكذا كان تفكير هملقار ومن بعده هنيبعل الذي رأى ضرورة المبادرة الى ضرب روما في عقر دارها لأن الحرب «حرب وجود»، فيما اعتبرتها النخب في قرطاجة بحثا شخصيا عن مجد تاريخي، وتهورا وجنون عظمة، وهو ما أفسد عليه طيلة فترة معاركه مع روما محاولات توحيد الجبهة الداخلية والحصول على الدعم.
في عام 218 ق.م وبعدما عبر هنيبعل جبال الألب ودخل إيطاليا ثم وصل الى ميناء كابوا واحتله، خرج شيبيو المكلف بقيادة جيش الرومان بعد ما اظهره من حماس وشجاعة الى سيسيليا واسبانيا واستطاع ان يخضعهما، مضعفا الجبهة الخلفية لهنيبعل الذي وجد نفسه بعد سنوات من محاصرة روما لا يملك ما يكفي من امدادات لاقتحام اسوارها، كما بلغه خبر وفاة شقيقه عزربعل عام 207 ق.م عاد شيبيو الى روما ثم تقدم نحو شمال افريقيا باتجاه ليبيا لإجبار هنيبعل على العودة الى قرطاجة، وقبل ان يصلها ولدت مشكلة اخرى، كانت «صفو نسب» احدى اميرات قرطاجة الحسناوات مخطوبة للأمير الأفريقي ميسينيسا الذي خاض معارك مع غريمه صيفقص وخسر قسما من اراضيه لصالحه، ورأى اعيان قرطاجة دون مراجعة هنيبعل انهم بحاجة الى دعم صيفقص لكن الاخير اشترط لتقديم مساعدته ان يقترن بـ «صفو نسب» وهذا ما كان، حيث ارتضت الأميرة الحسناء ان تتنازل عن حبها وتتزوج من رجل يكبرها بعشرات السنين ويتجاوز عمــره الـ 50 عامــا، ايمانا بضــرورة التضحيــة مــن أجــل قرطاجة.
النتيجة بالطبع كانت نيرانا اشتعلت في قلـب ميسينيسا الذي لم يجد أمامه إلا الانتقام، واي وسيلــة أفضل لإدراك هذه الغاية من التحالف مع شيبيو الذي - وبكل تأكيد - مد يده لحليفه الجديد ووعده بإعادة أراضيه اليه.
عاد هنيبعل فوجد ما وجده من فوضى ولم يكن جيشه بأفضل حالاته ففرسانه منهكون وعددهم تراجع وعتادهم غير كاف بفعل الاستنزاف، اضف الى ذلك ان الرومان اصبحوا اكثر حنكة ومعرفة بأسلوب القرطاجيين وطريقة هنيبعل في التخطيط بما في ذلك اعتماده على الفيلة والأفاعي السامة ويستغلون عبقريته الفردية التي قال فلاسفتهم انها غالبا - وبحسب ما يثبته التاريخ - ما تقود الشعوب الى الدمار والهلاك!
نظم هنيبعل جيشه قدر ما استطاع لأنه كان يعلم ان ساعة المواجهة آتية وان شيبيو قادم، وهذا ما حصل فعلا في «زاما» التي شهدت الحرب البونية الثانية، كان الجيشان متقاربين في عديدهما نحو 50 الفا، لكن الرومان كانوا اكثر استعدادا، خاصة مع انضمام 10 آلاف رجل من جيش ميسينيسا وفرسانه الاقوياء، اعتمد شيبيو على صف جنوده في طريقة عمودية واستعد لإرعاب الفيلة الـ 80 التي عادة ما تتقدم جيش هنيبعل، وبالفعل نجح في زعزعة الفيلة والتغلغل في صفوف القرطاجيين وإلحاق الهزيمة بهم.
قبل خوض المعركة عرض شيبيو في لقاء مع هنيبعل على قرطاجة عقد معاهدة تضمن عدم تقدمه مقابل شروط تراعي مصالح روما وتحول دون تهديدها مجددا، فوافق القرطاجيون مبدئيا ثم ابدوا تشككهم خوفا من انقلاب روماني خاصة ان روما كانت قد خرقت قبل اكثر من قرن المعاهدة التي عقدتها مع قرطاجة عام 348 ق.م وجددتها مرتين عام 328 ق.م و325 ق.م وكانت تقضي بأن يحترم الطرفان خط صقلية حدا فاصلا بين نفوذيهما وتنظيم حركة التجارة والتعامل مع الأسرى والشعوب التابعة لسيطرة كل منهما، ثم خرقتها روما عندما احتلت صقلية، كما كانت المعاهدة تنص كذلك على امكانية طلب مساعدة كل طرف للآخر بحال تعرضه للخطر، وعندما تعرضت روما لتهديد الأيبيريين (جورجيا وأرمينيا) الذين قرر ملكهم «پيروس» اجتياح روما عرضت قرطاجة ارسال أسطولها بقيادة أمير البحر «ماغون» لضرب الجيش الأيبيري، لكن مجلس الشيوخ الروماني رفض - على الأرجح - بسبب التخوف من انقلاب قرطاجة بعد تصفية پيروس، ففضل الرومان الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم.
ويمكن تلخيص ثغرة الرومان إلي خصومهم القرطاجيين من خلال الحديث عن تاريخ روما، فبينما كانوا يصفون پيروس بـ «الخصم الشريف» كانوا يرون في هنيبعل «العدو المفترس» ويحكون قصصه لأولادهم عندما كانوا يلجأون لتخويفهم كي يناموا!
ينظر الى «شيبيو» نظرة احترام عموما، فعندما احتل اسبانيا مثلا أهداه جنوده فتاة رائعة الجمال، ولما سألها عن وضعها الاجتماعي قالت انها مخطوبة الى ضابط، فأمر بإعادتها لخطيبها مع الفدية التي قدمت من أهلها. كما كان شيبيو واسع الاطلاع على الثقافة اليونانية ويجيد لغة اليونان ويهوى الفنون، ومع ذلك كان قائدا حازما وحاسما حيث يجب، فعندما هزم هنيبعل لم يطلب عزله، بل فرض على قرطاجة ألا تخوض أي حرب سواء هجومية أو دفاعية إلا بعد استئذان روما، لكنه بالمقابل حرص في طريق عودته الى ايطاليا على تصفية كل الرومان واليونانيين الذين تواطأوا مع هنيبعل في حملته على روما، فكان مصير الرومان الصلب واليونانيين الإعدام بقطع الرؤوس.
اضطر هنيبعل الى التنازل عن الحكم واختار النفي الى صور التي استقبل فيها بحفاوة ثم انتقل الى سورية، حيث تعرف على الإمبراطور انطيوكوس الثالث الذي كان يطمح لهزيمة الرومان وأسداه نصائحه بإعداد اسطول ومهاجمتهم ولكن كان مصير الأخير الفشل لأنه اختار القيادة بنفسه وعدم الاعتماد على هنيبعل، فتركه هنيبعل وتوجه الى تركيا، حيث الملك بروسياس وهو عدو آخر للرومان، لكن الأخير انقلب عليه عندما اشترط عليه الرومان تسليم هنيبعل لتفادي الحرب، امام هذا المأزق فضل هنيبعل الانتحار بتجرع السم على ان يسلم لأعدائه.
قرطاجة الضعيفة أصبحت صيدا سهلا للرومان بعد هنيبعل فساروا اليها وحطموا اسوارها ودخلوها وأضرموا النار فيها التي ظلت بحسب المؤرخين تشتعل 17 يوما حتى استحالت المدينة رمادا في رماد وبسط الرومان نفوذهم على شمال افريقيا وعلى حوض المتوسط ليخضــع العالم لحكم أحادي.