Note: English translation is not 100% accurate
قصة مواجهة غيّرت مسار الحرب الكونية الثانية
"مونتي" عثر على "حدائق الشيطان" وقهر "رومل" وأثبت أن مساندة الحظ تكون مستحقة أحياناً
23 سبتمبر 2007
المصدر : الأنباء





مواجهات يشهد عليها التاريخ
اعداد: محمد الحسيني
التاريخ تسطره إنجازات صنّاع أحداثه من الرجال والنساء، وكم لنا في هذا التاريخ من عِبَر ومواقف تستحق أن نقف عندها لنستفيد منها أو نثري بها معلوماتنا.
في بحر الزمن نغوص لنستحضر على مدى 30 حلقة مواجهات لا تنسى من مختلف العصور والحضارات في مجالات الحرب، الأدب، الفن والرياضة، كان التاريخ شاهدا عليها وتستحق أن نستعيدها.
خُيّر "ثعلب الصحراء" بين المحاكمة بتهمة خيانة هتلر أو الانتحار فانتحر
هتلر طلب من رومل أن يقاتل حتى آخر رجل فرد عليه: طلبت منكم الوقود والإمدادات وليس الأوامر
على ارض الصحراء الغربية في مصر كان ليل 23 - 24 اكتوبر 1942 موعدا لاندلاع معركة العلمين الثانية، المواجهة التي غيّرت بشهادة المؤرخين مسار الحرب العالمية الثانية وشكلت كما قال ونستون تشرشل «بداية النهاية» في تلك الحرب لصالح الحلفاء ضد قوى المحور.
لقد جسدت تلك المعركة الشهيرة مواجهة تاريخية بين اثنين من اشهر القادة العسكريين على مر العصور المارشال برنارد مونتغومري (1884- 1976) الملقب بـ «مونتي» وغريمه المارشال إروين رومل (1891 - 1944) المعروف بـ «ثعلب الصحراء» والذي لم يشفع له ذكاؤه او خبرته لتفادي الهزيمة النكراء على يد الحلفاء علما انه كان لحظة انطلاق معركة العلمين في المانيا يتلقى العلاج من الحمى واستدعي من هناك على عجل.
حتى تاريخ نشوب معركة العلمين كان شمال افريقيا يشهد حالة من المد والجزر بين المعسكرين اللذين كان كل منهما يسعى الى السيطرة على قناة السويس كنقطة هامة واستراتيجية للمواصلات في الحرب الكونية.
وبعد سلسلة من الضربات الموجعة التي وجهها رومل الى الحلفاء شعر الانجليز بالحاجة الماسة الى حسم الاوضاع في تلك المنطقة فعملوا على حشد القوة والعتاد بكثافة لانهاء الامور لصالحهم.
حدائق الشيطان
كان رومل يعي جيدا الاختلال بميزان القوى عدة وعتادا مع الحلفاء ولذلك عرف منذ البداية ان المواجهة الوضعية ليست في صالحه فلجأ الى اسلوب المناورة والضربات الفجائية من خلال التحرك السريع للمدرعات ووضع تكتيكات مازالت حتى اليوم تدرس في الكليات العسكرية وتصلح لاعتمادها في الحروب والمواجهات التقليدية وخاصة في المناطق الصحراوية.
ولحماية جيشه عمد رومل الى تعزيز مراكزه الدفاعية بزرع اكثر من نصف مليون لغم في شريط امني فاصل اسماه «حدائق الشيطان» بطول 60 كلم وعرض 6 كلم.
وكان منذ منتصف عام 1942 ينتظر الدعم الجوي والبري وتوفير الوقود بكميات كافية كما وعده هتلر للقيام باندفاع مفاجئ وسريع يوفر له ضرب الانجليز الذين كانوا قد تراجعوا تحت وطأة الضربات المتلاحقة من ليبيا الى الصحراء المصرية.. لكن الدعم لم يأت، بل فضل هتلر تعزيز جبهات قواته في اوروبا وضد روسيا.
بالمقابل كانت الامور تسير على ما يرام في معسكر الحلفاء، فقد عُيّن مونتغومري قائدا للجيش الثامن خلفا لـ «اوكلينك» ومنذ تسلمه منصبه سعى «مونتي» الى رفع الروح المعنوية للجيش البريطاني الثامن. ومن ضمن ما قام به في هذا الاطار نقل مقر قيادته الى الخطوط الامامية واعلانه من البداية ان هدفه «سحق الالمان» وانه «لا مجال للانسحاب او التراجع مهما كان الثمن».
في بداية عمله واجه «مونتي» انتقادات بشأن جدارته واتهم بان الحظ والقدر قد خدماه كونه لم يكن المرشح المفضل لدى تشرشل بل الثالث على قائمة الخيارات ولكن المرشحين الاولين ماتا خلال العام 1941 احدهما في حادث طائرة والآخر بحادث سيارة.
وظل الجدل دائرا حول قدرات مونتي الفعلية حتى جاءت معركة «العلمين» ففي هذه المعركة فاجأ قادته بداية بلجوئه الى تعديل لخطته الهجومية، فبدلا من ان يبدأ بعد فتح ثغرات في حقول الالغام بتدمير مدرعات رومل ثم الانقضاض على عناصره غير المدرعة قرر ان يقوم باحتواء سلاح العدو المدرع وتدمير فرق المشاة بمساندة سلاح الجو، وشرح لضباطه من رتبة عقيد فما فوق اهمية قطع الامدادات عن رومل، ويُنقل انه توقع ان تستمر المعركة 10 ايام وان يتكبد خلالها الحلفاء ما لا يقل عن 10 آلاف قتيل، كما حرص «مونتي» على ان يضع القادة في اجواء التفوق العددي على خصومهم بنسبة 2 إلي 1 حيث كان جيش الحلفاء يضم 230 ألف مقاتل مقابل نحو 110 آلاف في جيش رومل اضافة الى التفوق عليه بالعتاد بنفس النسبة تقريبا حيث كان الحلفاء يملكون 1500 دبابة ونحو 900 طائرة وآلاف المدافع واغلب آلياتهم واسلحتهم اميركية الصنع وحديثة وكانت اسلحة جيش المحور اقل فعالية وتطورا.
ايمانا منه بأهمية المبادرة الى ضرب قوات المحور قبل وصول الامدادات حدد مونتغومري الساعة 12.05 من ليل 23 - 24 اكتوبر موعدا لاطلاق الحملة. وبالفعل انطلقت الحملة من الشمال والجنوب وسبقها تمويه عبر وضع اشكال دبابات ومدافع وخزانات نفط في قطاع لم يستخدم للهجوم.
استطاع الفيلقان 13 و30 تحقيق التقدم وفتح ثغر في احزمة الالغام وواجها المقاومة الصلبة من الالمان بقيادة الجنرال شتوم الذي حل محل رومل الموجود في المانيا للعلاج.
لم يتوقع الالمان الهجوم واكبر دليل على ذلك ان الجنرال شتوم خرج بدون حراسة لاستطلاع ما يجري فأصيبت سيارته وهرب سائقه وعثر الانجليز على جثته ميتا بسكتة قلبية، وتسلم قيادة الالمان ڤون توم حتى وصل رومل ليل 25 - 26 اكتوبر، وكان الحلفاء قد حققوا اجتياحات وتقدمات كبيرة وكبدوا الالمان خسائر ضخمة زادت من سوء اوضاعهم السيئة اصلا في ظل افتقارهم للامدادات والوقود وتفوق سلاح الجو المعادي عليهم.
خسر جيش المحور التلال والنقاط الاستراتيجية في العلمين ومحيطها الواحدة تلو الاخرى وفي 3 اكتوبر وصلت اوامر هتلر الى رومل: «اياكم والانسحاب، فاما النصر او الموت وقاتلوا حتى آخر رجل». فرد رومل: «ان ما نحتاج اليه هو الطائرات والمدافع والوقود وليس الاوامر التي تطلب منا الصمود».
رسالة رومل وصلت فتراجع هتلر وغير اوامره وبدأ انسحاب رجال رومل الى ليبيا ثم الى تونس حيث خاض معركة «الميدنين» وخسرها بعدما فقد اغلب دباباته ونضبت مخزونات جيشه بغياب الامدادات، فاستدعي الى المانيا وتسلم مكانه الجنرال ڤون ارنيم الذي اضطر هو و90 ألفا من مقاتليه ان يسلموا انفسهم للحلفاء مع ما تبقى لديهم من اسلحة في واحدة من اكبر عمليات الاستسلام في التاريخ في منتصف مايو 1943.
وكان الحلفاء قد قاموا بعملية الانزال «تورش» في شمال افريقيا مستقدمين المزيد من التعزيزات الضخمة ليحكموا سيطرتهم بالكامل على المنطقة ويقضوا على تواجد المحور فيها.
تحليلات سير المعركة تؤكد ان هزيمة رومل لم تكن بسبب تقاعسه او غياب رؤيته وانما لعدم تلقيه الدعم من القيادة المركزية في المانيا اضافة لعدم وصول سفن الامداد له التي دمرها سلاح الجو التابع للحلفاء في المتوسط، قبل ان تعبر المتوسط والتفوق النوعي والعددي للحلفاء عدة وعتادا.
وبالمقابل لم يكن التفوق العسكري السبب الوحيد في الانتصار الحاسم للخلفاء بل كان الدور الذي لعبه مونتغومري برفع معنويات جنوده اساسيا وكذلك عزمه على المبادرة بالهجوم، وكان دور كاسحات الالغام في فتح الثغرات التي طلبها فعالا وسريعا ومن ابرز العوامل التي ساهمت بانتصار الحلفاء.
تحظى معركة العلمين باهتمام كبير من محللي الحروب لعدة اسباب اهمها ضخامة الحشد العسكري فيها واستخدام المدرعات وسلاح الجو والمشاة والمدفعية على نطاق واسع اضافة لنشر مساحات واسعة من الالغام.
واستراتيجيا كانت المعركة بداية التحول بميزان القوى لصالح الحلفاء واكبر ضربة تلقاها هتلر الى جانب هزيمة ستالينغراد لاحقا. كما قضت معركة «العلمين» على طموحات «الفوهرر» بفرض الكماشة التي كان يطمح اليها من جهة القوقاز والسويس للسيطرة على آبار النفط في الشرق الاوسط.
نهاية رومل
كان رومل قائدا لامعا شارك في اجتياح فرنسا 1940 واحتلالها وقاد الفرقة المدرعة السابقة «البانرز» التي لقبت بالشبح بفعالية كبيرة. بعد ان عاد الى المانيا اتهم بخيانة هتلر ومحاولة الانقلاب عليه، وخُيّر بين الانتحار او المحاكمة فاختار الخيار الاول وانتحر في 14 اكتوبر 1944.
مونتي
اما مونتغومري فعاش امجاد انتصاره حتى توفى عام 1976 واصبح بعدها يعرف بـ «مارشال مونتغومري اوف علمين» وفي عام 1967 وفي الذكرى الـ 25 لمعركة العلمين وجه رسالة الى الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر طالبا منه ان يقوم مع مجموعة من الضباط بزيارة موقعة المعركة لاخذ صور تذكارية، وانه يتمنى من الرئيس المصري ان يوافق على ذلك رغم القطيعة بين بريطانيا ومصر منذ العدوان الثلاثي، فرد عبدالناصر على مونتغومري بالترحاب واستقبله خلال الزيارة بحفاوة.
معركة العلمين الأولى
معركة العلمين الاولى وقعت من 1 - 27 يوليو 1942 بين قوات الحلفاء بقيادة كلود اوكلينك والمحور بقيادة رومل، وكان الانتصار فيها لصالح «ثعلب الصحراء» الذي وجه ضربات قاسية للانجليز واجبرهم على التراجع من العلمين الى مرسى مطروح.