Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
العراق أمام خيارين وطريقين لا ثالث لهما: تسوية سياسية من دون المالكي أو«حرب التفكك والتقسيم»
26 يونيو 2014
المصدر : بيروت

يقف العراق عند مفترق طرق حاسم بين أن يكافح للحفاظ على وحدة أراضيه ولو في حدها الأدنى «الوحدة الشكلية» عن طريق «تشريع الواقع» ونقل مشروع الفيدرالية الى «حيز التنفيذ» وإنشاء إقليمين شيعي وسني يضافان الى الإقليم الكردي «الواضح المعالم والمقومات والحدود»، وبين أن ينزلق الى حرب أهلية مفتوحة ولا تنتهي إلا الى التفكك والتقسيم وقيام دويلات منفصلة ومتناحرة.
الاعتقاد الراسخ الآن أن العراق، مثل سورية، لا يمكن أن يعود الى ما كان عليه.. «عراق ما بعد الانسحاب الأميركي»، «عراق المالكي» انتهى. والتطورات الدراماتيكية التي حدثت بدءا من سقوط الموصل ليست عابرة وسطحية، وإنما أحدثت تغييرا جوهريا وحفرت عميقا في الواقع العراقي وخلطت الأوراق ليست على مستوى العراق فقط وإنما على مستوى المنطقة الى درجة بدأ الكلام عن «سقوط شرق أوسط سايكس ـ بيكو».
وسريعا أدت هذه الأحداث الى إعادة تكوين الخارطة الجغرافية السياسية في العراق والمشهد السياسي بالكامل وعلى هذا النحو:
٭ الولايات المتحدة التي خرجت من الباب تعود من «النافذة». وبعدما انسحب الأميركيون انسحابا عسكريا شاملا وأخلوا الساحة العراقية لإيران، عادوا اليوم عبر تدخل عسكري «استشاري» وتدخل سياسي «ضاغط» لإعادة ترتيب الوضع و«وضع اليد عليه» بعدما أصبحت إيران غير قادرة لوحدها على «إدارة الوضع» وخرج عن سيطرتها.
٭ إيران تدرس خياراتها بدقة وعناية لأنها تدرك حجم المتغيرات التي اقتربت من حدودها، ولأنها تنتظر الشروط والمواصفات الأميركية للتسوية السياسية بعدما أيقنت أن واشنطن ليست في وارد اللجوء الى مد يد المساعدة «عسكريا» وتتعاطى مع الوضع الناشئ على أنه نزاع داخلي لا تريد التورط فيه.كما وتدرك إيران أن واشنطن تضع الكرة في ملعبها عندما تحدد المالكي جزءا أساسيا من المشكلة وتدعوها الى تحديد موقفها من حل سياسي لا يكون رئيس الحكومة نوري المالكي جزءا منه. وبالفعل القرار الأول الذي تواجهه طهران هو الموقف من نوري المالكي وما إذا كانت تتمسك به مثلما هي متمسكة في سورية بالرئيس بشار الأسد وتعتبره رئيسا منتخبا من الشعب وبات يمثل رمزا وعصبا للنظام ولا حل من دونه، أم أنها ترضخ للضغوط الأميركية الهادفة الى خطة «مواجهة سياسية عسكرية» ضد الإرهاب في أساسها المقايضة بين المالكي و«داعش».
٭ الشيعة الذين فرقتهم السلطة والمصالح جمعتهم المصيبة، ووحدهم الخطر الداهم.وتكتلات التحالف الوطني (المالكي والصدر والحكيم) التزمت بفتوى المرجع الديني الأعلى علي السيستاني ووضعت خلافاتها جانبا، بما في ذلك إسقاط تحفظات واعتراضات ضد المالكي من جانب خصومه الشيعة.
٭ الأكراد أيضا وحدتهم الأزمة الطارئة ومشكلة تشكيل حكومة إقليم كردستان وجدت لها حلا برئاسة نيجيرفان بارزاني، ولكن الأهم أن الأكراد، الذين وقفوا موقف الحياد في المواجهة الدائرة حاليا والتي اتخذت طابعا شيعيا ـ سنيا، متأهبون للتعاطي مع الوضع والإفادة منه الى أقصى حدود وواثقون من أن «الدولة الكردية» لم تعد حلما وإنما صارت واقعا وأن هذه هي اللحظة التاريخية المناسبة لاتخاذ قرار الانفصال عن العراق.
الموقف الكردي توضح في خلال محادثات وزير الخارجية الأميركية جون كيري مع الزعيم الكردي ورئيس كردستان العراق مسعود البارزاني، كيري قصد أربيل طالبا مساعدة البارزاني لأنه يعلم أن أي احتواء للأزمة سواء كان سياسيا أم عسكريا غير ممكن من دون العامل أو المكون الكردي الذي يلعب دور المرجح في العراق بين الشيعة الذين يشكلون أكثرية بسيطة والسنة الذين يشكلون أقلية كبيرة.لكن البارزاني كان واضحا وحازما في إبلاغ موقف للأميركيين يقوم على النقاط التالية:
ـ لا مجال لعودة التعاون مع المالكي بعدما انتهت التجربة معه الى فشل ذريع.
ـ لا مجال لتنازلات ومرونة إضافية من جانب الأكراد في تعاطيهم مع حكومة بغداد المركزية بعدما فعلوا كل ما عليهم خلال السنوات العشر الماضية من دون أن يقابلوا بتطبيق الدستور والاتفاقات.
ـ الأكراد على الحياد في الحرب الدائرة حاليا، هي ليست فقط «حرب الإرهاب» وإنما أصبحت ستارا للصراع الطائفي في العراق والأكراد لن يكونوا جزءا من هذا الصراع.
ـ هجوم «داعش» في مناطق واسعة من العراق خلق واقعا جديدا وعراقا جديدا، وفي ظل هذا الوضع يحق للأكراد تقرير مستقبلهم ومصيرهم، وهم لن يعودوا الى الوضع السابق.
ـ أي حل للأزمة الحالية يجب أن يأخذ المتغيرات والحقائق السياسية والأمنية الجديدة في الاعتبار.وهناك شرطان لنجاح أي حل وتسوية: البحث عن رئيس جديد للحكومة العراقية وعن شخصية جدية ومرنة وملتزمة تطبيق الدستور، والشرط الثاني هو إحداث تغيير في العملية السياسية وتصحيح مسارها بما يلبي مطالب الأكراد والسنة العرب، فإذا لم يحصل ذلك فإن الأكراد ليس أمامهم إلا إعلان انفصالهم عن العراق وإعلان كردستان دولة مستقلة.
٭ السنة أيضا مثل الأكراد، ليسوا في وارد العودة الى الوضع السابق ويريدون استثمار التغييرات الحاصلة على الأرض لتحصيل مكاسب جديدة في السلطة واعتراف بـ «حقوقهم ودورهم» و«إقليمهم»، هم ضد الإرهاب الذي تمارسه «داعش» ولكنهم ليسوا ضد الواقع الجديد الذي أنتجته «داعش» ويجبر حكومة بغداد المدعومة من إيران على تقديم تنازلات، خصوصا أن التغيير الطارئ لا يقتصر على الميدان والأرض وإنما يكمله تغيير سياسي في التحالفات وميزان القوى مع إمكانية قيام تحالف كردي ـ سني على أنقاض التحالف الكردي ـ الشيعي الذي لم يعد من الممكن إحياؤه مع المالكي.
خلاصة كل هذه المتغيرات والمعطيات تعني أن العراق الواقف عند حافة الهاوية ومفترق طرق حاسم يواجه «خيارين ـ احتمالين» أو «اتجاهين ـ طريقين» لا ثالث لهما:
1 ـ إما استمرار الوضع في الدينامية الجديدة الناشئة بعد سقوط الموصل وما تلاه، وهي دينامية صراع وحرب أهلية بأبعاد إقليمية مع دخول إيران والسعودية وتركيا، وربما مصر أيضا، ومن وراء الستار إسرائيل، أطرافا في هذه الحرب التي تعيد تكوين خارطة المنطقة على أنقاض «العراق السابق» ومع «عراق جديد مفكك ومقسم»، ومسار الصراع والتفكك لا يقف عند حدود العراق وإنما يتواصل في سورية التي تعيش وضعا مماثلا وتبدو الحرب فيها حاليا امتدادا للحرب في العراق ولاحقا ستبدو فرعا لها، وسيصيب بشظاياه الأردن وتركيا ولبنان.
2 ـ اما السير بتسوية سياسية جديدة في عناصرها وشروطها وقواعد اللعبة فيها.وهذه التسوية تجري وفق السيناريو التالي:
ـ تشكيل حكومة وحدة وطنية جامعة برئاسة شخصية أخرى غير نوري المالكي العاجز عن إدارة الأزمة الحالية والعاجز عن إدارة الحل لها (الأسماء المطروحة تتراوح بين مرشح من ائتلاف دولة القانون (المالكي) مثل حسين الشهرستاني، أو من المجلس الأعلى (الحكيم) مثل عادل عبدالمهدي، أو من التيار الصدري (مقتدى الصدر) مثل جعفر محمد باقر الصدر).
ـ إعادة إطلاق العملية السياسية وفق أسس جديدة أهم ما فيها نقل العراق دستوريا وعمليا الى مرحلة «الفدرلة» (أقاليم وكيانات من ضمن عراق موحد في حدوده الدولية).
ـ في موازاة ذلك، شن حرب مفتوحة ضد الإرهاب وضد «داعش» بشكل أساسي لإخراجها من المعادلة العراقية.وهذه الحرب غير ممكنة وغير ناجحة من دون دعم دولي (أميركي) وتنسيق إقليمي (إيران والسعودية وتركيا) ومشاركة عراقية (الأكراد والاعتدال السني)، هذه الحرب غير متاحة مع المالكي والذي إذا استمر في موقعه ستنقلب من حرب على الإرهاب الى حرب أهلية وسيتحول العراق من وضع مفتوح على أفق التسوية الى وضع مقفل في نفق الحرب.