تنعقد قمة عربية نھاية ھذا الأسبوع في تونس، قمة سياسية بعد القمة الاقتصادية التي شھدتھا بيروت، وفي ظل ظروف مختلفة تدفع الى إعادة ترتيب الأولويات والملفات العربية... في بيروت كان الملف السوري طاغيا. وكان موضوع عودة سوريا الى الجامعة العربية مطروحا بقوة وسط اندفاعة عربية باتجاه إعادة فتح السفارات والخطوط مع دمشق. وكانت دعوة الرئيس بشار الأسد الى قمة تونس أمرا مطروحا وواردا لتحقيق أول مشاركة في قمة عربية منذ العام ٢٠١١ ، بعدما جرى كسر الحظر العربي عبر مشاركة سوريا في إجتماع الاتحاد البرلماني العربي الذي انعقد في عمان... ولكن حصلت فرملة في ھذه الإندفاعة العربية باتجاه سوريا، تحت وطأة ضغوط ونصائح أميركية، وحصل
تحوّل في إتجاھات أخرى.
إذا كان الملف السوري سيُطرح في قمة تونس، فإنه سيُطرح ليس من زاوية ملف العلاقات وعودة سوريا الى الجامعة، وإنما من زاوية ملف الجولان وضمه أميركيا الى إسرائيل... وھذا التطور سيكون حاضرا في إجتماعات القمة وسيكون موضع مناقشات وسجالات تنطلق كلھا من رفض القرار الأميركي باعتباره يتجاوز القرارات الدولية والأسس والقواعد التي تقوم عليھا عملية السلام، وخصوصا معادلة "الأرض مقابل السلام". ولكن الدول العربية لا تتفق في مقاربة مرحلة "ما بعد الجولان". فھناك من يطرح سحب المبادرة العربية للسلام التي أقرت في قمة بيروت العربية عام ٢٠٠٢ بعدما تجاوزتھا الأحداث والسياسة الأميركية الجديدة... وھناك من يدعو الى إبقاء ھذه الورقة التفاوضية في يد العرب عندما يطرح الأميركيون بعد الانتخابات الإسرائيلية خطتھم الجديدة للسلام...
من الواضح أن الملف الإيراني تراجع الى المرتبة الثانية في ترتيب الأولويات العربية، ولم تعد قمة تونس تدور في فلك "مؤتمر وارسو" الذي أوجد نواة عربية لحلف دولي إقليمي أطلقته واشنطن ضد إيران وظل حتى الآن حلفا نظريا... ومن الواضح أن الملف الفلسطيني ھو الذي تقدم ليحتل رأس الأجندة العربية حاليا وسط اندفاعة، لا بل ھجمة، أميركية تعيد خلط أوراق اللعبة وتنسف قواعد السلام المتعارف عليھا من أساسھا و"تمطر" العرب وعملية السلام بوابل من القرارات المتلاحقة "المدمرة"، كان أولھا قرار الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليھا، وأخرھا قرار الإعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. وجاء كلام وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أمس في الكونغرس ليؤكد على ھذا المنحى الأميركي "الإنقلابي"، عندما يشير الى خطة سلام أميركية ستتخلى عن
السياسات الأميركية السابقة، وستُبنى على أساس الوقائع والحقائق الجديدة على أرض المنطقة... وقد يكون المقصود بھذه الحقائق الجديدة إيران وتعاظم خطر تمددھا وتوسعھا في المنطقة.
تونس تستضيف أول قمة عربية على أرضھا منذ أن كانت أول دولة عربية تطلق شرارة "الربيع العربي"، وعلى طاولة ھذه القمة تزدحم الملفات: القضية الفلسطينية، وأزمات سوريا وليبيا واليمن، ومكافحة الإرھاب، واحتلال إيران للجزر الإماراتية في الخليج، وتدخلاتھا في بعض الدول العربية، وتدخلات تركيا في العراق وسوريا، ودعم السلام والتنمية في السودان، ودعم الصومال، ومتابعة تطوير منظومة الأمن القومي العربي.
ولكن القمة العربية تغفل ملفا لا يقل أھمية عن كل ھذه الملفات ولم تدرجه على جدول أعمالھا، وھو بحث "الربيع العربي المتجدد" في الجزائر والسودان، وبحث ميثاق ونظام الجامعة العربية وجدوى إستمرارھا إذا لم يحصل تطوير في دورھا ووظيفتھا السياسية... وأغلب الظن أن نتائج قمة تونسستكون متواضعة ولا تعد بالكثير ليست أفضل من مصير الربيع العربي وما آل إليه.