بعد سنوات من التوتر المتصاعد الذي كاد يؤدي للحرب، يبدو أن إيران تتجه لتغيير مقاربتها تجاه الغرب، وذلك بالتحول من سياسة التحرش إلى سياسة التعاون المحدود. وربما يعكس هذا التحول جهدا لتجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» للصحافيتين أليسا روبين، وفرناز فصيحي، فإن هذا التحول في السياسة الإيرانية أوضح ما يكون في العراق، حيث دعمت إيران رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي المقرب من واشنطن وأمرت وكلاءها بالتوقف عن هجماتهم الصاروخية ضد القوات الأميركية.
أما الأميركيون فبينما لم يقروا علنا بأي تغير في الموقف الإيراني، إلا أنهم بادلوا طهران الموقف بطرق غير مباشرة.
وفي هذا الصدد، قالت رندة سلم، الزميلة في معهد الشرق الأوسط: «هناك احتمال أقل بوقوع حرب، كما ان هناك خطر المواجهة.. ولكن ذلك أقل احتمالا لأن نوايا اللاعبين الرئيسيين تغيرت».
ويبدو أن التحول الإيراني تكتيكي بحسب رأي المحللين الذين أشاروا إلى أن إيران لا تزال تعارض بشدة مطلب إدارة ترامب بالتفاوض ثانية مع الغرب على الاتفاق النووي ولم تتراجع عن هدفها بطرد القوات الأميركية من الشرق الأوسط. وفي العلن لا تزال البلدان في حالة حرب كلامية.
ووفقا للتقرير الذي ترجمه موقع «عربي 21»، فإن هناك بعض المؤشرات على تخفيف في التصعيد بين واشنطن وطهران منها:
- بعد أشهر من الهجمات على القوات الأميركية في العراق في يناير الماضي، أوقفت إيران ميليشياتها الحليفة وتوقفت الهجمات بشكل كبير.
- تواصلت إيران في أبريل الماضي مع أميركا لفتح التفاوض على تبادل سجناء وعرضت إطلاق سراح أحد قدماء المحاربين مقابل إطلاق سراح طبيب إيراني ـ أميركي تحتجزه واشنطن.
ويشير الديبلوماسيون والمسؤولون والمحللون العراقيون والإيرانيون إلى مجموعة من الأسباب للتغيير في سياسة طهران، بما في ذلك الخوف من الحرب مع أمريكا. كما أنهم يقولون إن إيران تتحمل فوق طاقتها بسبب كورونا والاقتصاد وتحتاج لإثبات نفسها.
وفي هذا الصدد، كتب محمد حسين ملائك، وهو ديبلوماسي إيراني مخضرم وسفير سابق في الصين، في مجلة الديبلوماسية الإيرانية مؤخرا: «تقوم إيران بإعادة تعريف سياساتها الإقليمية بعد اغتيال قاسم سليماني.. تقوم بإعادة ترتيب أوراقها، وتقوم بالتأكد من إمكانياتها ودخلت الميدان بنظرة وخطة جديدة».
كما أن إيران استنتجت بأن تصعيد التوتر مع أميركا قد يثير صراعا مسلحا والذي بالإضافة لكونه مؤلما لإيران قد يفيد ترامب سياسيا ويحسن من فرص إعادة انتخابه، بحسب من هم مطلعون على السياسة. فمنذ تسلمه الرئاسة قام ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات اقتصادية صارمة على إيران.
وقال محللون إنه بالإضافة للانتخابات الأميركية، فإن إيران تنظر إلى قرار لمجلس الأمن الدولي المرتقب التابع للأمم المتحدة في أكتوبر المقبل، حيث سيتم النظر في تمديد الحظر الدولي على الأسلحة، وحتى ذلك الوقت تسعى إيران لعدم تنفير أعضاء مجلس الأمن.
وفي الوقت نفسه، بالرغم من التصريحات الأميركية التي تسعى للحصول على كل مطالب واشنطن، إلا أن الأخيرة بقيت على تفاعل مع إيران بشكل غير مباشر.
وبعد أن قبلت طهران بالمرشح المدعوم من أميركا في العراق لرئاسة الوزراء، مصطفى الكاظمي، قامت أميركا بمنح العراق استثناء لمدة أربعة أشهر من العقوبات المفروضة على إيران كي تستطيع بغداد شراء الغاز من طهران. وهذا الاستثناء يمنح إيران فرصة للحصول على أموال هي في أشد الحاجة لها.
كما أن التواصل تضمن مناقشات حول تبادل سجناء محتمل يشمل المحارب القديم في البحرية الأميركية، مايكل وايت، وطبيبا إيرانيا مسجونا لدى أميركا.
وفي إيماءة محتملة أخرى، قال محافظ البنك الإيراني المركزي، عبدالناصر هيماتي في مارس الماضي، بأن أميركا سمحت لبعض الأموال الإيرانية المجمدة في بلدان أخرى بأن تدفع لإيران. ومن المعروف أن تلك الأموال كانت أثمان نفط مباع.
وقال جاريت بلانك، الزميل في معهد كارنيغي للسلام: «يمكن شرح ما رأيناه من إيران على مدى الشهرين الماضيين بسهولة على أنه تحول تكتيكي بدلا من كونه تحولا استراتيجيا».