فيما بدا تراجعا عن تهديدات أطلقها قبل أيام قليلة باللجوء إلى الجيش لضبط الأوضاع، وهو ما أقام عليه الدنيا ولم يقعدها، أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس بسحب الحرس الوطني من العاصمة واشنطن، مبررا ذلك بأن الوضع صار تحت السيطرة، وذلك بعد يوم واحد من أكبر احتجاجات تشهدها الولايات المتحدة رفضا للعنصرية وعنف الشرطة والتي أججتها وفاة الأميركي من أصل أفريقي جورج فلويد خنقا تحت ركبة شرطي ابيض في 25 مايو الماضي.
وكتب على موقع تويتر: «أصدرت الأمر للتو إلى حرسنا الوطني بالشروع في الانسحاب من واشنطن بعدما صار كل شيء تحت السيطرة».
وأضاف انهم سينسحبون «ولكن بإمكانهم العودة سريعا إذا اقتضى الأمر. متظاهرون عددهم أقل بكثير مما كان متوقعا»، في إشارة إلى احتشاد عشرات الآلاف من المتظاهرين في العاصمة الأميركية واشنطن ومثلهم في مدن أخرى في أنحاء الولايات المتحدة مطالبين بوضع حد للعنصرية ولوحشية أجهزة إنفاذ القانون.
ولم يقع أي حادث خلال التجمع في العاصمة الفيدرالية على مقربة من البيت الأبيض الذي طوق بأسلاك شائكة.
والحرس الوطني هو قوة احتياط في الجيش الأميركي يمكن الاستعانة بها في حال حصول كوارث طبيعية أو أعمال شغب.
ويأتي أمر ترامب بعد تسريبات أوردتها شبكة «سي.بي.إس» التلفزيونية الأميركية، وقالت فيها ان البيت الأبيض يسعى لنشر حوالي عشرة آلاف جندي من العاملين في الخدمة الفعلية لقمع الاحتجاجات في العاصمة واشنطن وأماكن أخرى في الولايات المتحدة.
وقال مسؤول بارز بوزارة الدفاع «الپنتاغون» للقناة التلفزيونية أمس الأول إن وزير الدفاع مارك اسبر ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي رفضا استخدام أي من القوات العاملة.
وذكر التقرير أن اسبر كان قد نقل على ما يبدو حوالي 1600 من الجنود العاملين إلى العاصمة، للرد حال الضرورة. غير أن قوات الحرس الوطني البالغ عددها خمسة آلاف جندي والمتواجدة بالفعل هناك لم تحتج لمساعدة وبدأت القوات العاملة المغادرة ليلة الخميس الماضي.
وكانت حشود من الاميركيين من مختلف الأعراق والأجناس ملأت شوارع العاصمة واشنطن خصوصا تلك المحيطة بالبيت الأبيض الذي سيج بالحديد، على الرغم من مخاطر صحية بسبب فيروس كورونا المستجد، لكن لم تصدر تقديرات رسمية لأعداد المشاركين.
ومثل تجمع قرب النصب التذكاري للينكولن ومسيرة للبيت الأبيض أكبر تدفق للاحتجاجات لكن الحواجز وحراسا غير مسلحين منعوا المتظاهرين من الوصول إلى عتبات النصب، حيث ألقى أيقونة حركة الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ خطابه الشهير «لدي حلم» عام 1963 مطالبا بإنهاء العنصرية في الولايات المتحدة.
وكان عناصر من الجيش يراقبون التجمع، وطافت طوافات في الأجواء.
وقال مايكل دروموند (40 عاما) وهو موظف بالحكومة وهو يشرح سبب مشاركته «بصفتي رجلا أبيض أنا مستفيد من الوضع الراهن.. لذا فإن عدم مشاركتي (في الاحتجاج) والعمل على تفكيك العنصرية الراسخة يجعلني متواطئا».
وفي مسقط رأس فلويد في رايفورد بولاية نورث كارولاينا، اصطف مئات عند كنيسة لإلقاء نظرة الوداع على جثمان فلويد قبل إقامة مراسم تأبين خاصة ستقتصر على أفراد الأسرة، حيث من المقرر أن تقام جنازته غدا في هيوستن التي عاش فيها قبل أن ينتقل إلى منطقة منيابوليس.
وأملت كارترينا فرنانديز (42 عاما) التي شاركت في الاحتجاج قرب البيت الأبيض «أن يسفر ذلك عن بعض التغيير لما يحدث. يحتج الناس ويتوسلون منذ فترة طويلة، وكفى لهذا الحد.. لا يمكننا تحمل المزيد».
وخرجت مظاهرات مماثلة في عدد من المدن الكبرى منها نيويورك وأتلانتا وفلادلفيا وشيكاغو ولوس انجيليس وسان فرانسيسكو وبوسطن وميامي إضافة الى احتجاجات شهدتها تجمعات سكانية ريفية صغيرة في أنحاء البلاد.
وكان أحد التجمعات المثيرة للدهشة لحركة (بلاك لايفز ماتر) أو «حياة السود مهمة» احتشاد ما بين 150 و200 شخص في مدينة فيدور شرق تكساس والتي تشتهر منذ فترة طويلة بارتباطها بجماعة كو كلوكس كلان العنصرية.
وباستثناء سياتل التي استخدمت فيها الشرطة قنابل الصوت في مواجهات مع المحتجين في حي كابيتول هيل بالمدينة، اتسمت احتجاجات ومظاهرات أمس الأول بشكل عام بالهدوء مقارنة بنظيراتها في الأيام الأولى من موجة الاحتجاجات.
وفي نيويورك، عبر حشد كبير من المحتجين جسر بروكلين صوب مانهاتن السفلى ومروا عبر برودواي الخالية تقريبا. واحتشد آلاف آخرون في هارلم قرب الطرف الشمالي الغربي من متنزه سنترال بارك للسير إلى متنزه واشنطن سكوير بالمدينة.
وقرر عمدة نيويورك رفع حظر التجوال الذي تم فرضه في مختلف أنحاء المدينة لتهدئة الاضطرابات التي اندلعت في الأيام الأولى للاحتجاجات.
وقال العمدة بيل دي بلاسيو في تغريدة له على موقع (تويتر) «مدينة نيويورك: إننا نرفع حظر التجوال، وسيصبح ذلك ساريا على الفور. أمس والليلة الماضية رأينا أفضل ما في مدينتنا».
وكانت مدينتا لوس انجيليس وواشنطن، اللتان شهدتا مظاهرات تخللتها أعمال عنف أوائل الأسبوع الماضي، قد ألغتا بالفعل حظر التجوال بهما، وحذت معظم المدن حذوهما.