بينما كان العالم منشغلا بجائحة «كورونا» وتداعياتها، شكل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع منافسه بيني غانتس حكومة وحدة إسرائيلية، يتضمن برنامجها ضم القدس المحتلة بشكل تام، إضافة لبعض الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، بما في ذلك غور الأردن وشمال البحر الميت والمستوطنات بكاملها أو جزئيا. وقد منحت خطة السلام التي اقترحتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 28 يناير الماضي فرصة تاريخية لتحقيق الأهداف الموضوعة منذ فترة طويلة الخاصة بالأراضي.
ويشكل غور الأردن أولوية لدى نتنياهو لأهميته الأمنية على الحدود الشرقية مع الأردن، كما يخدم أطماع إسرائيل الاقتصادية. فالأغوار من أخصب الأراضي زراعيا، وتتركز فيها العديد من آبار المياه، وإسرائيل تستغل 85% من المياه فيها، كما تسيطر على 55% من مياه نهر الأردن، وتريد السيطرة عليها بشكل كامل من دون أن تتقاسمها مع أحد. كما أن السيطرة على الأغوار تحول عمليا دون وجود أي سيادة للسلطة الفلسطينية على مناطقها، فضلا عن أنها مساحات كبيرة بعدد سكان قليل، وبذلك فهي منطقة مثالية للضم.
وبذلك، تتحكم إسرائيل بأهم مصادر المياه الموجودة في الضفة الغربية، وبمنطقة زراعية مهمة يستهلك المستوطن فيها ثمانية أضعاف ما يستهلكه الفلسطيني من المياه، مما يتيح للمستوطنين التمتع بحياة أفضل وتطوير زراعتهم على حساب الفلسطينيين (تمتد الأغوار على طول حوالي 120 كم، وعرض حوالي 15 كم، وتمتد على مساحة 1.6 مليون دونم، وتشكل ما يقارب 30% من مساحة
الضفة الغربية، ويسكن فيها نحو 65 ألف فلسطيني و11 ألف مستوطن إسرائيلي).
وحسب مراقبين ومحللين، هناك عقبات سياسية وعملية في وجه «مشروع الضم»، اهمها:
1 ـ الانقسام والتجاذب على الساحة الإسرائيلية، بين من يطالب بالحد الأقصى من الضم، ويرى أنه ينبغي استغلال هذه الفرصة التاريخية في هذا الاتجاه، ومن يصر على أن يبقى سقف الضم مخطط ترامب. ويحذر خبراء وجهات سياسية من أن الضم لن يغير من الوقائع الميدانية، فالاحتلال قائم مع الضم ومن دونه لكن أثمانه قد تكون سياسية، وبما يؤثر على مواجهة تهديد إيران والجبهة الشمالية التي تحتل رأس أولويات الأمن القومي في هذه المرحلة.
الضم يثير انقسامات شديدة في إسرائيل نفسها أيضا، خصوصا أن نتنياهو يخبئ تفاصيل مخطط الضم، ويمتنع عن اطلاع أصحاب الشأن عليها. لا أحد في جهاز الأمن الإسرائيلي، سواء وزير الأمن بيني غانتس أو رئيس أركان الجيش أفيف كوخافي أو أي من ضباط الجيش، يعلم ماذا يقصد نتنياهو بالضم، هل ينوي ضم الضفة الغربية بكاملها أم جزء منها؟ وهل هذا الجزء هو غور الأردن أم شمالي البحر الميت أم المستوطنات أم كل هذا معا؟ وهل سيفعل ذلك ـ كما يطلب غانتس ـ بالتنسيق مع الفلسطينيين أم من دونهم؟
وفي هذا الصدد، كتب المعلق العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» ألكس فيشمان قائلا ان غانتس على اتصال دائم مع المسؤولين في الإدارة الأميركية، إلا أنه هناك أيضا يواجه مصاعب، حيث يوجد في الإدارة الأميركية فريقان يعملان على موضوع «صفقة القرن»: فريق السفير فريدمان وفريق جاريد كوشنير، وكلاهما مقرب من ترامب، لكن الأول أقرب لفكره من اليمين المتطرف في إسرائيل الذي يعتقد أنه بالإمكان تنفيذ الضم الآن، وبشكل أحادي الجانب، والثاني (كوشنير) أقرب بأفكاره إلى غانتس، ويعد أن الضم يجب أن يتم بالتنسيق مع الفلسطينيين والأردنيين ودول المنطقة.
2 ـ مشكلة الوجود الفلسطيني في هذه المناطق هي الأصعب والأكثر تعقيدا من بين القضايا، فعلى الرغم من أن المستوطنات مبنية على مساحات صغيرة ومتناثرة إلى حد كبير، إلا أنها بنيت في أماكن قريبة من التجمعات السكانية الفلسطينية وهو ما يعوق التوسع العمراني الفلسطيني في المستقبل. والمقلق في ذلك هو أن هذه المناطق تشكل خزان الضفة الغربية من الأراضي التي يمكن استثمارها في البناء والتوسع، لكن إسرائيل منعت عنهم تراخيص البناء. والضم سيعزل هذه المناطق عن بقية المناطق الفلسطينية الأخرى في الضفة، وسيواجه سكانها صعوبات أكبر في التنقل والتمدد والبناء، ومحاولة الاستقلال اقتصاديا عن الاحتلال، رغم كل ما يروج حول الطروحات الاقتصادية للحل. وستستمر السيطرة الكاملة على المعابر، كما هو واقع الحال، ويظل تنقل الفلسطينيين خارج فلسطين محكوما بموافقة الاحتلال. كما أن ضم مناطق من الضفة الغربية يعني منح الفلسطينيين وضعا شبيها بوضع فلسطينيي القدس، أي أقرب للإقامة التي ترافقها بعض الحقوق المدنية. كما أن ضم المناطق سيجبر إسرائيل، لأسباب أمنية واقتصادية وقانونية، على العودة وتحمل المسؤولية عن مناطق «أ» و«ب» وعن السكان الفلسطينيين فيها.
3 ـ موقف الإدارة الأميركية المتحفظة على التوقيت والممتنعة عن إعطاء ضوء أخضر لنتنياهو، فمسألة ضم أراض فلسطينية في الضفة الغربية، شكلت أحد محاور المحادثات التي أجراها الشهر الماضي وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في إسرائيل، مشددا على أن واشنطن تطلب تأجيل «الضم» الى حين استنفاد فرص إشراك الفلسطينيين ولا تلتزم بأي جدول زمني تضعه إسرائيل للشروع بإجراءات الضم خلال الفترة المقبلة.. أما إذا استمر الفلسطينيون في الجلوس جانبا واستمروا في رفض التفاوض حول «صفقة القرن»، سيكون لذلك عواقب وخيمة وسيسهل عندها اتخاذ قرارات تتعلق بضم إسرائيلي للمناطق في الضفة.. وأما التحفظ الأميركي على مسألة الضم، فيعود الى تداعيات محتملة مثل نشوب أزمة سياسية خطيرة مع الأردن ومع السلطة الفلسطينية، وحدوث تطورات ميدانية وزعزعة الاستقرار على الحدود الشرقية الآمنة مع الأردن. وبالفعل، جاء الرد الأول من العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الذي أكد أن ضم أجزاء من الضفة الغربية سيؤدي إلى صدام كبير مع بلاده، محذرا من انهيار السلطة الوطنية الفلسطينية، الذي سيتبعه المزيد من الفوضى والتطرف في المنطقة.
وفيما نقلت الإذاعة الإسرائيلية الرسمية عن مصدر إسرائيلي كبير قوله مؤخرا إن واشنطن أوعزت إلى نتنياهو بوقف خطة ضم الأراضي في الوقت الحاضر، لأن البيت الأبيض تلقى رسائل غاضبة ومعارضة لهذه الخطة، من دول عربية مؤثرة مثل مصر، والسعودية، والكويت، والأردن، أكد غانتس على صحة الأنباء التي تقول إن الإدارة الأميركية تعيد النظر في مسألة الضم من حيث طريقة التنفيذ وموعده، وذلك أولا بسبب انشغالها في الهبة الشعبية الداخلية، وثانيا بسبب اعتراضات من الدول العربية، وثالثا بسبب الخلافات بين المستوطنين ومظاهر العداء التي عبر عنها بعضهم ضد ترامب.
4 ـ الموقف الأوروبي الذي تعبر عنه ألمانيا الصديقة والحليفة لإسرائيل والمؤيدة البارزة لها في المنظمات الدولية. فقد تسببت تصريحات نتنياهو عن ضم المناطق في أول يوليو بإحراج كبير في برلين، خصوصا أنها بالضبط في هذه الفترة، ستتولى مهام الرئيس المناوب للاتحاد الأوروبي، وفي موازاة ذلك رئاسة مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وهما الوظيفتان اللتان سيجبرانها على الاختيار بين إخلاصها للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، والتزامها التاريخي تجاه إسرائيل.
ولكن لا يبدو أن زيارة وزير الخارجية الألماني هايكو ماس الخاطفة الى إسرائيل والأردن آتت ثمارها، على الأقل أوروبيا. فالساعات القصيرة، التي بذلها ماس للتحذير من تداعيات ضم مناطق في الضفة المحتلة إلى الكيان الإسرائيلي وانعكاس ذلك على العلاقات بين برلين وتل أبيب، لم تلق آذانا مصغية لدى المسؤولين الإسرائيليين الذين أكدوا أن خطة ترامب فرصة ممتازة وسوف تطبق، لكن بالتعاون مع الإدارة الأميركية والتفاهم مع الدول المجاورة.
وفي موازاة الدور الألماني، بممارسة الضغط الهادف لتأجيل الضم، تستعد دول كثيرة للرد على إسرائيل. وحسب مصدر مقرب من السفارة الإسرائيلية في بروكسل، فإن فحصا يجري في الاتحاد الأوروبي حول إمكانية فرض عقوبات، مثل منع إشراك إسرائيل في اتفاقات التعاون ومنح جديدة في مجال الأبحاث الأكاديمية، وعقوبات على مستوى العلاقات المباشرة بين الدول. ولكن الضرر الحقيقي على إسرائيل لن يكون فقط في فرض أو عدم فرض عقوبات محددة، بل في إعادة فحص نظرة العالم للمستوطنات. فالآن يميزون في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بين إسرائيل نفسها وبين مستوطناتها في المناطق المحتلة، ويعتبرون هذه المستوطنات غير شرعية. ويوجد هناك تعاون في مجالات كثيرة مع إسرائيل نفسها، لكن من دون المستوطنات، حيث يتم إقصاؤها وإخراجها من الاتفاقات. ولكن، إذا أعلنت إسرائيل بأن المناطق هي جزء لا يتجزأ منها، فلن يكون بالإمكان التمييز، وكل تعاون مع إسرائيل سيكون في خطر حتى من دون الحاجة إلى الإعلان عن عقوبات.
5 ـ روسيا انضمت أيضا إلى عدة دول صديقة لإسرائيل في مطالبتها بالعدول عن فكرة ضم مناطق في الضفة الغربية. وقال ناطق بلسان السفارة الروسية في تل أبيب إن خطة الضم تثير قلقا في موسكو التي ترى فيها إجراءات أحادية الجانب تتنافى مع القانون الدولي. موسكو أوضحت للمسؤولين الإسرائيليين، خلال لقاءات واتصالات كثيرة عقدت بين الطرفين في الأسابيع الأخيرة، أن الضم يجعل من المستحيل أن تكون المناطق الفلسطينية قابلة للعيش المستقل في امتداد جغرافي ملائم، وأكدت أن التواصل الإقليمي هو أحد الشروط لقيام دولة فلسطينية بحدود عام 1967. وانتقدت روسيا، في هذه اللقاءات خطة الرئيس دونالد ترامب برمتها، وقالت ان «صفقة القرن» لا تستطيع أن تلغي قرارات أممية حددت الإطار الدولي لعملية السلام.
6 ـ الموقف العربي والإسلامي رافض تماما لهذه الخطوة، وهذا ما عكسه الاجتماع الاستثنائي الافتراضي الذي عقدته منظمة التعاون الإسلامي على مستوى وزراء الخارجية في الدول الأعضاء، واعتبرت هذا الإجراء تصعيدا خطيرا يهدد فرص استئناف عملية السلام لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة. فيما أوضح الأمين العام في كلمته موقف المنظمة الرافض لكل سياسات الاحتلال الإسرائيلي الرامية إلى تغيير الوضع الديموغرافي والجغرافي والقانوني للأرض الفلسطينية المحتلة.
وسط كل ما تقدم، مازال من غير الواضح أو المحسوم، إسرائيليا، حتى بالنسبة للقوى اليمينية القومية والدينية، إمكان ضم الضفة الغربية كاملة أو بعض منها، إذ ترجح أغلب التوقعات أن الضم سينحصر في مناطق الكتل الاستيطانية الكبرى القريبة من الخط الأخضر، ومنطقة غور الأردن، لسبب بسيط يتعلق بحرصها على الإبقاء على معادلة ضم أكبر مساحة من الأرض مع أقل قدر من السكان، مع الحفاظ على بقاء نوع من الكيان الفلسطيني. وبالنسبة للتغيرات، فمن الواضح أن عملية الضم لن تغير من الواقع الذي يرزح تحته الفلسطينيون منذ احتلال إسرائيل للضفة وغزة عام 1967 لجهة سيطرتها على حياتهم، وتحكمها بالأحوال الاقتصادية والاجتماعية عندهم، وإنشائها المستوطنات، ومحاولتها تهويد القدس والضفة، لكن ما سيتغير هو تعامل إسرائيل مع تلك المنطقة باعتبارها جزءا من أراضيها، وهو أمر من المبكر تبين تفاصيله أو ترجماته في مختلف المجالات. ما يعني أن الخطوة الإسرائيلية المقبلة، مهما كان شأنها أو حجمها، ستضع إسرائيل أمام مسؤوليات وتحديات عديدة، أهمها:
٭ ستنفض يدها من عملية التسوية مع الفلسطينيين، بعد أن كانت دفنت اتفاق أوسلو ورفضت تنفيذ الاستحقاقات المطلوبة منها في الحل الانتقالي المنصوص عليه في ذلك الاتفاق.
٭ ستكون مسؤولة مباشرة عن وجود عدد كبير من الفلسطينيين ضمن دائرة سلطتها في كل المجالات، ما يضعها في احتكاك، أو في اختبار جديد مع السلطة الفلسطينية، وربما الأمر يصل إلى حد الإطاحة بتلك السلطة أو الإبقاء عليها كسلطة حكم ذاتي إداري.
هذه الخطوة ستعيد داخليا، طرح قصة «القنبلة الديموغرافية»، والمخاوف على يهودية الدولة، كما سيعيد خارجيا، قصة التناقض بين إسرائيل كدولة ديمقراطية وبين كونها دولة استعمارية وعنصرية، وفي الحالين فإنها ستكون مستقبلا أمام تحد كونها دولة أبارثايد، أو دولة مواطنين متساوين.
٭ لا شك أن أية خطوة إسرائيلية في هذا الاتجاه ستفضي إلى ردة فعل فلسطينية، من ضمنها إلغاء التنسيق الأمني، وهناك اعتقاد أن السلطة الفلسطينية ستمتنع عن قطع العلاقات بالكامل مع إسرائيل، لكنها أيضا قد تبادر إلى خطوات ضد مصلحتها إذا واجهت معارضة داخلية، خاصة من جانب حماس، التي يتوقع أن تحاول استغلال الأحداث كي تعزز مكانتها في الضفة على حساب السلطة الفلسطينية. ذلك إنهاء حال التنسيق الأمني. وهناك تداعيات أخرى قد تنشأ عن ذلك، أبرزها احتمال انتفاضة شعبية جديدة.
ليس واضحا بعد ماذا سيحتوي قرار الضم وما هو حجمه، وإن كان سيشمل غور الأردن فقط أو مزيدا من الكتل الاستيطانية، وهل سيكون بمنزلة ضم جغرافي أو فرض القانون الإسرائيلي. وواشنطن أوعزت إلى نتنياهو بوقف خطة ضم الأراضي. في المقابل، هناك من يعتقد أن المصالح المتطابقة لاسرائيل والولايات المتحدة (إذا تم انتخاب ترامب لولاية ثانية) من شأنها أن تلين موقف واشنطن قليلا. كما أن المصالح الاقتصادية المشتركة وعدم الاستقرار في أوروبا في ظل وباء «كورونا» وزيادة قوة الاحزاب القومية المتطرفة من شأنها أن تلين الردود وحتى تخفيها.
نتنياهو لن يضيع هذه الفرصة. ولكن، وعلى رغم وعده تنفيذ الضم بدءا من مطلع شهر يوليو، ترجح المعطيات والمؤشرات سيناريو تأجيل الضم، أو أن يقدم نتنياهو على ضم ثلاث مناطق في الضفة كمرحلة أولى، وهي التي تحظى بإجماع إسرائيلي داخلي وأميركي، مع الامتناع عن ضم الأغوار خشية تدهور العلاقات مع الأردن.