تبدو العلاقات الاميركية ـ الايرانية بالغة التعقيد والتشابك والمراوحة بين التصعيد والمهادنة من كلا الطرفين، مما يجعل من الصعب التنبؤ بالمسار الذي يمكن أن تكون عليه هذه العلاقات في المستقبل القريب.
فقد صعَّدت واشنطن نبرتها التهديدية ضد طهران، معلنة أنها ستعمل على تجديد عقوبات حظر السلاح الى ايران في مجلس الأمن الدولي وهي العقوبات المرتبة بالبرنامج النووي الايراني، وكشف نواب في الكونغرس الاميركي عن مساعيهم لشن تشريع يتضمن عقوبات «قاسية» على طهران.
وجاء ذلك بعد ايام قلائل من خروج الرئيس الأميركي دونالد ترامب من وضعه الداخلي الذي يحاصره بمشاكل ومتاعب على بعد مسافة قصيرة من الانتخابات الرئاسية، ليخاطب إيران ويشكرها على إطلاقها الجندي السابق في البحرية مايكل وايت الذي احتجزته لسنتين، معتبرا أن هذا الإفراج يظهر إمكان إبرام اتفاق بين العدوين اللدودين، وفي المقابل اطلقت الولايات المتحدة سراح سجينين ايرانيين كانا محتجزين لديها.
ويرى مراقبون أنه من الواضح أن تبدلا إيجابيا قد طرأ على موقف ترامب من إيران، على أقل تقدير على طريقة مخاطبته لها، وبعدما كانت «تصادمية» تعكس رغبة في المواجهة، أصبحت «تصالحية» تنم عن توجه الى المهادنة.. ولم تكن صفقة «تبادل الأسرى» إلا واحدة من المؤشرات التي تدلل على وجود انفراجات وحصول حلحلة في الموقف الأميركي، ومن بين هذه المؤشرات:
٭ العرض الأميركي لتزويد إيران، إبان أزمة «كورونا»، بمساعدات من خلال منظمة الصحة العالمية (إيران رفضت المساعدة إذا لم تتضمن رفع العقوبات).
٭ التغاضي الأميركي عن إرسال إيران خمس ناقلات نفط الى ڤنزويلا، وهو ما لم يحصل أبدا منذ اندلاع الأزمة الڤنزويلية. وبينما أقدمت الولايات المتحدة على احتجاز ناقلة نفط إيرانية في اغسطس الماضي عند مضيق جبل طارق كانت متجهة الى سورية، إلا أنها لم تحتجز ناقلات النقط الإيرانية رغم مرورها في مسار بحري تتحكم به (قناة السويس ـ مضيق جبل طارق).
٭ إعلان واشنطن عن حوار استراتيجي مع حكومة بغداد ابتداء من الشهر الجاري ومن خلفية التحضير لإعادة انتشار القوات الأميركية، أو ربما لانسحاب القوات الأميركية من العراق.
في المقابل، هناك مؤشرات على «مرونة إيرانية» أيضا:
امتناع المرشد الأعلى علي خامنئي في آخر خطاب له عن مهاجمة أميركا بخلاف خطبه النارية المعتادة. فهذه المرة جاءت اللهجة والنبرة مختلفة ولم تكن عدائية تجاه أميركا.. وبعدما أشار الى استفادة إيران من العقوبات الأميركية التي جعلتها مكتفية ذاتيا في كل المجالات.. أغفل الحديث عن إخراج الولايات المتحدة من العراق والمنطقة.
ـ موافقة طهران على حكومة رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي المقرب من الأميركيين بعد اصطدامها بتوازنات داخلية، والقبول الإيراني بحكومة «تقاسم النفوذ مع الولايات المتحدة» في العراق، معطوفا على وقف الهجمات الصاروخية ضد المقرات والقوات الأميركية، يفيد بأن طهران تحولت من أجواء المواجهة و«الحرب» التي سادت بعد اغتيال قاسم سليماني، الى أجواء المساكنة وفتح قنوات اتصال خلفية ديبلوماسية واستخباراتية.
ـ إعطاء إشارات إعادة انتشار وتموضع للوجود الإيراني العسكري في سورية، في موازاة الإشارات الأميركية للانسحاب من العراق.
ـ ابتعاد إيران عن الأوروبيين ردا على مواقفهم المخيبة والمحبطة، بدءا من وضع حد لنشاطاتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة، وصولا الى دعوتها للانخراط في مسار تفاوضي مع واشنطن يفضي الى الاستقرار الإقليمي.
ومع وجود هذه المؤشرات يمكن استبعاد أجواء المواجهة واحتمالات الحرب تماما بين إيران والولايات المتحدة، وتأكيد قيام هدنة في الفترة الفاصلة عن الانتخابات الأميركية التي تشكل محطة أساسية وفاصلة في مسار المنطقة والعالم، وحيث تلتقي مصلحة الطرفين الإيراني والأميركي على تهدئة اللعبة وتبريد الوضع في المنطقة، وهذا ما بدأه الرئيس ترامب بسحب فتائل التوتر والتفجير في المنطقة، بما في ذلك دعوة إسرائيل الى تجميد مسألة ضم أراضي في الضفة الغربية ووضع «صفقة القرن» على الرف، فالرئيس الأميركي الذي باغتته تطورات وأزمات داخلية لم تخطر على باله، لا يريد مزيدا من المتاعب خصوصا في الشرق الأوسط البالغة الدقة والخطورة، وبات مستعدا لتليين موقفه من إيران وشروط التفاوض معها. أما إيران، فإن الأولوية لديها الآن هي الوصول الى محطة الانتخابات الأميركية التي أصبحت أكثر إثارة ومصير ترامب فيها أكثر غموضا.. إيران اتبعت مع ترامب «استراتيجية صمود» والآن «استراتيجية انتظار وكسب الوقت»، وما تبديه من مرونة وتهدئة تصب في خدمة هذا الهدف.. إيران مستعدة لفتح خطوط اتصال وحوار سري ليس أكثر في هذه المرحلة.. وأما اتفاق المفاوضات الرسمية والعلنية في إطار مشروع اتفاق جديد، فإن القرار في شأنها مؤجل الى ما بعد الانتخابات الأميركية، وعندها لكل حادث حديث.. فإذا فاز ترامب يغلب عندها التوجه الى مفاوضات واتفاق، وإذا فاز جو بايدن سيكون الحوار أسهل وأسرع بعد رد الاعتبار للاتفاق النووي، وإكمال ما كان بدأ مع الرئيس السابق بارك أوباما.