جاء الإعلان عن التشكيل الحكومي الجديد في فرنسا ليدشن مرحلة جديدة في فترة حكم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ويعكس المسار السياسي الذي يرغب في تبنيه خلال العامين المتبقيين من ولايته الرئاسية، استعدادا لإعادة ترشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة 2022.
ومن أبرز ملامح الحكومة الجديدة، التي يترأسها اليميني جون كاستكس، إجراء تعديلات على أهم الحقائب الوزارية وعلى رأسها الداخلية والبيئة والعدل، حيث عين جيرالد دارمانان وزيرا للداخلية خلفا لكريستوف كاستنير الذي دفع ثمن إدارته السيئة لما سمي «احتجاجات عنف الشرطة»، بينما تولت باربارا بومبيلي وزارة البيئة، التي كانت تنتمي لحزب الخضر قبل أن تلتحق بالحزب الحاكم «الجمهورية إلى الأمام»، في حين تولى المحامي إيريك دوبون-موريتي وزارة العدل، وهو معروف بمواقفه المناهضة لليمين المتطرف.
كما تميزت هذه الحكومة بالإبقاء على بعض الحقائب الأساسية، وكان أهمها الاحتفاظ بإيف لودريان وزيرا للخارجية، وفلورانس بارلي وزيرة للدفاع، وبرونو لومير وزيرا للاقتصاد وسيتولى مهمة تنسيق خطة الإنعاش الاقتصادي بعد ڤيروس كورونا.
وجاء تشكيل هذه الحكومة الجديدة في أعقاب الهزيمة الثقيلة التي مني بها الحزب الحاكم «الجمهورية إلى الأمام» في الجولة الثانية من الانتخابات المحلية، وشكلت نتائجها زلزالا سياسيا داخل فرنسا، لاسيما في ضوء التقدم الملحوظ لحزب «الخضر» الذي برز كقوة سياسية مركزية داخل المشهد الفرنسي في حين لم تفز لوائح «الجمهورية إلى الأمام» الخاصة أو تلك التي تشكلت مع اليمين بأي من المدن الرئيسية، وهو ما شكل انتكاسة مؤلمة لحزب ماكرون.
ويظهر اختيار هذه الحكومة تصميم ماكرون على الاعتماد على الجناح اليميني في تياره حتى نهاية ولايته مع اختيار مناصرين سابقين لنيكولا ساركوزي، وزراء فيها فيما كان كاستكس الذي كان نفسه مستشارا للرئيس الأسبق.
ويشكل اختيار دارمانان وروزلين باشلو التي كانت وزيرة سابقة للصحة في عهد ساركوزي لحقيبة الثقافة، ترجمة لهذا الانعطاف السياسي، كما يرى كتاب صحافيون ومحللون سياسيون.
ومع اختيار لومير، تكون الشخصيات المنبثقة من اليمين قد هيمنت على المفاصل الرئيسية في حكومة كاستكس، الأمين العام المساعد السابق للإليزيه بين 2011 و2012.
ويعتبر المحلل السياسي باسكال بيرينو ذلك «طريقة واضحة لإعطاء شخصيات ذات خلفية يمينية مناصب رئيسية».
ولخصت افتتاحية صحيفة «لا مونتاني» المحلية من جهتها خطوة ماكرون بالقول «مع ساركوزي من خلفه، أنهى ماكرون خنق حزب الجمهوريين (الحزب التقليدي لتيار اليمين) وعزز أكثر من أي وقت جانبه الأيمن، الوحيد القادر على ضمان دعم أقوى له» في الانتخابات الرئاسية عام 2022.
واعتبرت صحيفة لوفيغارو من جهتها أنها «انعطافة إلى اليمين»، بينما رأت لوموند أن «الخط اليميني بات في الحكومة»، معتبرة أن «هذا الفريق الجديد مهمته الدفع بالتيار الماكروني نحو اليمين قبل عامين من الانتخابات الرئاسية».
واستبعد في المقابل أشخاص كانوا من أوائل المؤيدين لماكرون، قادمين من صفوف الاشتراكيين أو اليسار، بعد حرقهم سياسيا، مثل وزير الداخلية والمتحدثة السابقة باسم الحكومة سيبيث نديايه.
ورأى زعيم اليسار الراديكالي جان-لوك ميلانشون أنه بخطوته تلك، أبدى ماكرون «رغبة أكثر وضوحا ومباشرة بنيته أن يكون زعيم اليمين».
لكن حزب الجمهوريين ينفي ذلك، فيما يحاول التصدي لمحاولات ماكرون استقطاب جمهور اليمين وشخصياته. وقال نائب رئيس الحزب غيوم بيلتييه «بالتأكيد هذا ما يحاول فعله»، منتقدا «إستراتيجيات (التجنيد) الفردية».
ورغم أن الحكومة الجديدة تعكس عزم الرئيس على التوجه أكثر إلى اليمين، إلا أن ماكرون لم يجند في الواقع شخصيات كبرى من هذا التيار، باستثناء باشلو، ولا من اليسار. لذلك فإن التشكيلة الحكومية الجديدة هي بالأحرى أشبه بإعادة توزيع للموارد البشرية أكثر منها نقطة تحول مفصلية.
قلب ماكرون المشهد السياسي الفرنسي عند انتخابه عام 2017، خصوصا في أوساط تيار اليمين، وكان يفترض أن يدمج تشكيله السياسي المنبثق من فوزه في الانتخابات كلا من جناحي اليمين واليسار. لكن حزب «الجمهورية إلى الأمام» تعرض لضربات عدة مذاك بسبب مغادرة نواب له، وتسببت الانتكاسات الانتخابية الأخيرة في إضعافه.
يأتي ذلك وسط مشهد سياسي يسعى فيه الحزب الاشتراكي إلى التقارب مع المدافعين عن البيئة الذين حققوا مؤخرا مكاسب في الانتخابات البلدية، ويحاول فيه اليمين التقليدي أن يحافظ على حضوره بين حزب الجمهورية إلى الأمام، و«التجمع الوطني» برئاسة اليمينية المتطرفة مارين لوبن.
وكتبت المحللة السياسية كلويه موران من مؤسسة جان جوريه (يسار) في لوفيغارو تعليقا على الحكومة الجديدة «لا مكاسب من اليمين أو من اليسار، لا مكاسب رمزية، باستثناء باشلو وإريك دوبون-موريتي، وهما شخصيتان وازنتان، لكنهما مجرد تفصيل يخفي خلفه الصورة الشاملة».
وأوضحت أن «هذه التشكيلة الحكومية الجديدة تهدد الجاذبية السياسية للتيار الماكروني: فأين هم المنشقون عن حزب الجمهوريين والحزب الاشتراكي وحزب أوروبا البيئة/الخضر (يسار)، الذين وعدنا بهم؟».
وكان ماكرون قد أعرب عن رغبته في إعادة «ابتكار نفسه»، لكن موران رأت أن التشكيلة الحكومية لا تعكس تلك الرغبة.
ويأتي على رأس مهام هذه الحكومة في هذه الظروف الاستثنائية إعادة إطلاق عجلة الاقتصاد بعد توقفها لأشهر في ظل الصعوبات التي تواجهها الشركات الكبرى وهشاشة كثير من القطاعات مثل الصناعات الجوية وصناعة السيارات والنقل والسياحة، فضلا عن ارتفاع ديون الدولة التي تجاوزت سقف 120% من الناتج الداخلي الخام.
وستواجه الحكومة الجديدة أيضا التداعيات الناتجة عن أزمة كورونا وما ترتب عليها من فقدان للوظائف وغلق بعض الشركات الصغيرة أبوابها مع تسريح أعداد كبيرة من العمال، وارتفاع نسبة البطالة بشكل مقلق لدى فئة الشباب.
والملف الصحي ضمن أبرز الملفات التي ستواجه حكومة كاستكس، حيث عانى هذا القطاع كثيرا خلال أزمة كورونا، ويعد إصلاحه من بين الملفات الساخنة التي تقع على عاتق الحكومة الجديدة.
ومن المتوقع أن يتناول الرئيس ماكرون أولويات حكومته الجديدة بشكل مفصل خلال كلمة يلقيها بمناسبة العيد الوطني في 14 يوليو الجاري، ليستعيد بذلك تقليدا رئاسيا كان قد ألغاه.