تدفع إسبانيا ثمنا باهظا بسبب الخلل في نظامها السياسي، وهي في طريقها سريعا إلى أن تصبح الطفل المثير للمشاكل في الاتحاد الأوروبي.
وكان من المعتاد أن إيطاليا هي التي تعتبر الخطر الأكبر. ولكن القلق يساور المسؤولين في ألمانيا الآن إزاء مدى سوء تعامل إسبانيا مع جائحة ڤيروس كورونا. وتعد ألمانيا المحرك الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، وصاحبة النصيب الأكبر من المساهمات المالية لتمويل صندوق إنعاش الاتحاد الأوروبي في مواجهة الجائحة.
ورأى تحليل لوكالة «بلومبيرغ» للأنباء، أن زيادة الإصابات بڤيروس كورونا من جديد منذ نهاية الصيف، قد أدى إلى فضح الانقسامات الحزبية الشديدة في إسبانيا، حيث يتحدى مسؤولو الإدارة الإقليمية الذين ينتمون لتيار يمين الوسط في مدريد، بشدة القيود الجديدة التي فرضتها القيادة القومية الاشتراكية للبلاد، وهو ما أدى إلى تصاعد الأزمة الصحية في إسبانيا.
وقال مانويل دي كاسترو، الطبيب بمستشفى «12 دي أكتوبر في مدريد» والزعيم النقابي، «إنها حرب سياسية.. يشن الساسة حملات بدلا من التكاتف لمواجهة الجائحة.. إننا نفتقر إلى القيادة وإلى تسلسل قيادي واضح».
وعلى مدار سنوات، غض المسؤولون في أنحاء أوروبا الطرف عن الضغائن وعن مظاهر الخلل في إسبانيا حيث سار الأداء الاقتصادي للبلاد على نحو طيب، رغم ذلك.
ولكن بعد سقوط رابع أكبر اقتصاد في منطقة اليورو في أسوأ ركود تشهده أوروبا حتى الآن، وجد المسؤولون أنفسهم مجبرين على إلقاء نظرة فاحصة.
ونقلت «بلومبيرغ» عن مصدر مطلع على المناقشات الداخلية للحكومة الألمانية، أن هناك قلقا حقيقيا إزاء التداعيات على باقي الدول الأعضاء، وبينها ألمانيا.
ومع بدء تفشي الوباء، وجدت الإدارات العامة في جميع أنحاء العالم نفسها تواجه اختبارا. وكانت إسبانيا وإيطاليا بؤرتين مبكرتين للجائحة في أوروبا.
وبينما يبدو أن إيطاليا قد أحكمت قبضتها على إمكانية حدوث موجة ثانية من الوباء، لاتزال إسبانيا تواجه معاناة.
ولم تنعم إسبانيا بحكومة مستقرة منذ عام 2015، ولكن كانت هناك درجة من الرضا الذاتي عن قدرة البلاد على التأقلم، حيث كان الاقتصاد يسير على نحو متسارع، بفضل قوة الإنفاق الاستهلاكي والأعداد القياسية للسائحين.
وأعرب رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أيضا عن رضاه هذا الصيف عندما أعلن انتصارا، سابقا لأوانه، على ڤيروس كورونا المستجد.
ومنذ ذلك الحين، يحاول الساسة تحقيق مكاسب، وتجنب أن يتم إلقاء اللوم عليهم في فرض قيود على الحياة اليومية، في ظل تصاعد معدلات العدوى.
وأدى ذلك إلى أن تصبح العاصمة مدريد واحدة من البؤر العالمية لتفشي الڤيروس، كما سجلت إسبانيا انكماشا اقتصاديا في الربع الثاني وصل إلى 18%، وقد يتدهور الموقف من سيئ إلى أسوأ إذا لم تتمكن السلطات من السيطرة سريعا على الموقف.
في الوقت ذاته، تزداد التكاليف الاقتصادية، حيث حذر صندوق النقد الدولي من أن الانتعاش الاقتصادي في إسبانيا يواجه تهديدا، وأن المخاطر «تميل بقوة إلى الانحدار».
ويتوقع البنك المركزي الإسباني أن يسجل اقتصاد البلاد انكماشا بنسبة 12.6% لعام 2020 بأكمله.
وتحرك زعماء الاتحاد الأوروبي سريعا في مسعى لدعم الدول الأكثر تضررا من الجائحة، مثل إسبانيا، على النهوض مجددا، ووافقوا على خطة انقاذ بقيمة 750 مليار يورو (879 مليار دولار) للتعافي من تداعيات الوباء.
ولكن الخلافات المستمرة تهدد بتأجيل صرف هذه الأموال.
وعلى رأس القضايا الرئيسية التي يتعين على معظم الدول التعامل معها، كيفية إحداث توازن بين طلبات الشركات والعمال، والشباب والمتقاعدين.
وتواجه إسبانيا قضيتين رئيسيتين، تحجم مؤسسة الحكم عن مواجهتهما: النظام الملكي، وإقليم كتالونيا.
وتأججت المعارضة للعائلة الملكية في إسبانيا في أعقاب تردي مكانة العاهل الإسباني السابق الملك خوان كارلوس على مدار عقد من الزمن، ولكن فتح هذه المسألة الدستورية الحساسة، من شأنه أن يؤدي إلى فتح النقاش بشأن إجراء استفتاء على استقلال كتالونيا.
ويرى تحليل «بلومبيرغ» أن إسبانيا دولة معرضة للخطر، وقد أسفرت التداعيات المريرة للأزمة المالية إلى هدم نظام الحزبين القديم الذي كان يضمن تداولا سلسا للسلطة بين اليسار واليمين على مدار 35 عاما، بعد عودة الديموقراطية.
وأعاقت الانقسامات سبل التوصل إلى إجماع جديد بشأن كيفية إدارة شؤون البلاد، ما أدى إلى وجود سلسلة من الإدارات التي تتسم بالأقلية والضعف.