Note: English translation is not 100% accurate
الأغنية والثورة في مصر والعالم.. تاريخ من النضال الفني
7 ابريل 2011
المصدر : القاهرة ـ أ.ش.أ

لعل التاريخ الجديد لأهم الأغاني الثورية في العالم سيضم بين دفتيه بعض أغاني ثورة 25 يناير الشعبية المصرية، وتفتح هذه الثورة المجيدة الأبواب واسعة للإبداع وسط رغبة مجتمعية ملحوظة في أن يكون الفن بعد نجاح هذه الثورة معبرا بحق عن المصريين، فيما تبدو العلاقة بين الفن والثورة والسياسة على وجه العموم قضية مصرية بقدر ما هي قضية عالمية الطرح. وفى كتاب «تاريخ الأغاني الاحتجاجية.. ثلاث وثلاثون ثورة في الدقيقة» ـ الذي صدر قبل الثورة الشعبية المصرية وربما يشملها في طبعاته القادمة ـ يؤكد المؤلف دوريان لينسكي أن أنظمة الحكم الاستبدادية والفاسدة يهمها تكريس النزعة التجارية والابتذال في الفن وقتل روح الابتكار والتساؤل والخروج عن الانماط المعتادة في التفكير التقليدي مع السعي «لقولبة الجماهير في قالب واحد وافساد ذائقتها»، وهو ما يعيد للأذهان التراجع المؤسف في مستوى ونوعية العديد من الأعمال الفنية المصرية في ظل تحالف السلطة والثروة.
وجاء الكتاب في 864 صفحة ليعري أنظمة حكم تعاملت مع شعوبها باستخفاف وازدراء وجاء كل فصل من الفصول الـ 33 تحت عنوان أغنية من الأغاني الثورية الشهيرة بدءا من أغنية «فاكهة غير مألوفة» لبيلي هوليداي في عام 1939 وحتى أغنية «أميركي ابله» لجرين داي عام 2004.
وتناول الكتاب بإسهاب كل أغنية من الأغاني الثورية الـ 33 فيما يشرح بأسلوب صاف ودقيق ظروف كتابة الأغنية وملابسات ولادتها والحالة المزاجية والذهنية للفنانين الذين كانوا وراء كل أغنية من هذه الأغاني ومسيرتهم في عالم الفن مع اهتمام خاص بالسياق السياسي والموسيقى.
وإلى جانب هذه الأغاني الـ 33 يحوي الكتاب شذرات وإشارات لنحو 1000 أغنية من الاغاني الثورية والاحتجاجية حول العالم مع تركيز واضح على الغرب ومنطقة الكاريبي حيث تتردد اسماء فنانين مثل لي بيري وجون هولت وبوب ميرلي وميشيل مينلي الشهير في عالم السياسة بجامايكا غير أنه تناول ايضا الاغاني الثورية في شيلي ونيجيريا.
ومع ذلك فإن بعض النقاد قد أخذوا على مؤلف الكتاب أنه لم يول الاهتمام الكافي لبعض القضايا المثيرة للاهتمام حول الاغاني الثورية والاحتجاجية ومن بينها الدور الذي لعبته موسيقى الجاز في إيقاظ مشاعر الكرامة والبحث عن الحرية والعدالة من جانب الأميركيين المنحدرين من أصول افريقية.
ومن وجهة نظر مؤلف الكتاب، فإن الاغاني الثورية تظهر وستستمر لأن هناك أشياء ومشاعر لا يمكن للانسان السوي أن يكبتها أو يسكت عنها وفي مقدمتها قضية الثورة ضد الظلم كما أن الثورات كلحظات فارقة في تاريخ الشعوب تتطلب تفاعل الفنان الحقيقي والمنحاز لشعبه وهي لحظات لا تحتمل حتى أنصاف المواقف أو أنصاف الكلمات.
بل إن حادثا قد لا يرقى بأي حال من الأحوال لمستوى الثورة مثل مقتل أبرياء أو أطفال قد يهز وجدان الفنان الحق مثلما فعلت نينا سيمون في أغنيتها «الميسسيبي» والتي كانت كتلة غضب كرد فعل مباشر على مقتل أربعة أطفال في حادث تفجير وقع في بلدة بيرمينجهام بولاية الأباما.
ويؤكد الكتاب الجديد على أن بعض الأغاني الثورية تهز المتلقين وتسهم في التغيير وتسفر عن تأثير مباشر وقد تبقى حاضرة في المشاعر والأذهان لعدة عقود، كما أن هناك الأغاني التي تتسلل للوجدان ببطء وبسبل غير مباشرة كأنها نهر يمتد تحت سطح الأرض وتبقى طويلا وتؤثر في أجيال جديدة من الفنانين وليس من المتلقين العاديين وحدهم.
أما الحقيقة التي يرسخها هذا الكتاب فتتمثل في أن الجماهير هي التي تغير الواقع والعالم وليس الفنانين وإن لعبوا دورا مهما على هذا الصعيد. وتتفق رانيا هاشم الطالبة بجامعة القاهرة مع هذا الرأي فيما تتمنى أن يكون الفن في المرحلة الجديدة بعد نجاح ثورة 25 يناير معبرا بحق عن المصريين، معتبرة أن كثيرا من الأعمال الدرامية في ظل النظام السابق وخاصة في السينما لم ترق للحد الأدنى من معايير الفن فيما سادتها اتجاهات عدمية وهزلية بصورة بالغة السخف والاسفاف، على حد قولها. وإذا كان ابن خلدون أحد شوامخ الفكر العربي قد تطرق لقضية نهوض وانحطاط الفن في العصر الوسيط ولاحظ بألمعيته، العلاقة الوثيقة بين الفن وبقية مكونات بنية المجتمع، فإن شابا يعيش في قاهرة 2011 مثل محمود رمضان يتحدث بسعادة عن بعض الأغاني التي ألهبت المشاعر الوطنية المصرية في غمار ثورة يناير المجيدة ورأسمالها الرمزي في ميدان التحرير. وإلى جانب أغنية «مصر تتحدث عن نفسها» لكوكب الشرق الراحلة أم كلثوم، كانت رائعة المطربة المعتزلة شادية «يا حبيبتي يا مصر» قد اقترنت بثورة 25 يناير، إذ ترددت بقوة في الشوارع والفضائيات، ناهيك عن ميدان التحرير طوال أيام الثورة الشعبية حتى استحقت هذه الفنانة المصرية الكبيرة وهذه الأغنية كتابا للمؤلف والصحافي المصري سامي كمال الدين بعنوان «شادية وثورة 25 يناير». وتحفل الصحف ووسائل الإعلام في مصر بآراء ومناقشات وطروحات حول واقع الفن وما ينبغي أن يكون عليه بعد ثورة 25 يناير، فيما كان لافتا أن يشهد ميدان التحرير في خضم الثورة الشعبية مسرحيات فكاهية، فضلا عن أغان قدمها شباب من المشاركين في الثورة تحت نيران القناصة والعنف المتوحش من جانب الاداة القمعية للنظام السابق. وإلى جانب أغاني أم كلثوم وشادية تعرض العديد من المواقع الالكترونية على شبكة الانترنت خدمات تنزيل أغاني الثورة الشعبية المصرية مثل «يا بلادي.. إزاي.. 25 يناير.. و80 مليون والله اكبر.. ونهار جديد.. وايد واحدة.. والبلد بلدنا.. وثورة مصرية.. ويارب.. ويا بيوت السويس.. وتحمل بعضها اسماء طريفة ودالة مثل «فين فلوسي».
وفى معركة الفوز بالقلوب والعقول، يلعب الفن دورا جوهريا يؤكد عليه الكتاب الجديد «تاريخ الأغاني الاحتجاجية» فيما يعرض صورا من التنافس بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الساحة الأميركية لم يتردد فيها الجانبان عن استخدام سلاح الأغاني.
غير أن هناك مجموعة من الفنانين رفضت توظيف فنها لصالح أي حزب، معتبرة أن فنها ينبغي أن يخدم المواطن العادي والبسيط وأحلامه بعيدا عن ألاعيب السياسة وحسابات المعارك الانتخابية مثل أغنية «أوهايو» التي اشتهرت في سبعينيات القرن العشرين بنبرتها الاحتجاجية العالية.
ويرصد الكتاب مسيرة فرقة غنائية موسيقية تخصصت في الأغاني السياسية ذات الطابع الاحتجاجي في الولايات المتحدة وهي الفرقة المعروفة بـ «فرقة ريم»، وكانت في مستهل أنشطتها تستخدم الرمز والتورية والتلميح أكثر من التصريح السافر، غير أن السياسات اليمينية المتشددة في عهدي الرئيسين رونالد ريجان وجورج بوش الأب دفعت مؤلف الفرقة مايكل ستيب لكتابة أغان أكثر اشتباكا مع الواقع وأشد رفضا للممارسات التي لا تتوافق مع أفكار هذه الفرقة الشبابية الليبرالية.
ويلاحظ المؤلف أن النبرة الاحتجاجية لفرقة ريم تراجعت في ظل إدارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون لأن سياسات هذه الإدارة الديموقراطية كانت تتوافق إلى حد كبير مع رؤى الفرقة الموسيقية وأفكارها السياسية.