عبدالناصر كان زعيما كاريزميا صدّر مفهوم القومية العربية بهذا بدأ الخبير بالشؤون الخارجية مايكل سكوت دوران مقالته مجلة فورين بوليسي، متسائلا: عما إذا كانت الثورات العربية وتحديدا المصرية ستسهم في إعادة الفكر القومي العربي، واستدعاء الناصرية إلى الواجهة مرة أخرى بعد غياب طويل.
ويستهل دوران ـ الذي عمل في السابق مستشارا بالخارجية الأميركية ـ مقالته التي ستنشر في العدد المقبل من المجلة تحت عنوان «ورثة عبدالناصر.. من هم المستفيدون من الثورة العربية الثانية» بالإشارة إلى أن سلسلة من الحركات العربية القومية وقبل 50 عاما هزت الأرض تحت أقدام الحكام مدفوعة بالشعور القومي الذي ولدته أزمة السويس (العدوان الثلاثي على مصر).
ويستعيد الكاتب تلك الفترة بالحديث عن نجاح الرئيس الراحل جمال عبدالناصر خلال فترة الخمسينيات من القرن الماضي ـ مستفيدا من كاريزميته الجارفة ـ في قيادة القومية العربية في مواجهة إسرائيل والنفوذ الفرنسي ـ البريطاني ونجاحه نهاية عام 1955 في تشكيل علاقة إستراتيجية مع الاتحاد السوفييتي السابق أعقبه بعد ذلك بعام واحد تأميم قناة السويس والانتصار في حرب شاركت فيها 3 دول من أجل إسقاط النظام المصري.
لكن ـ يقول الكاتب ـ وعلى الرغم من وجود الشعور القومي وحالة الاضطراب السياسي الراهن في العالم العربي هناك 3 فوارق رئيسية بين الثورة المصرية عام 1952 وحفيداتها عام 2011 وأولها أن ثورة يوليو في مصر في الخمسينيات ركزت على التهديد الخارجي والاستقلال عن الاستعمار ومواجهة إسرائيل، في حين ان ثورات العالم العربي الحالية ذات بعد داخلي يتعلق بالقمع والفساد. ومن هنا يطرح الكاتب النقطة المركزية في مقالته، وهي إمكانية استعادة الناصرية مرة أخرى بالفكر الأيديولوجي لثورات 2011 وبروز مد قومي جديد.
يشير دوران إلى أن مسؤوليات العملية الديموقراطية الجديدة بمصر لن تسمح للنظام الحاكم بالحرية التي كان يتمتع بها الرئيس المخلوع حسني مبارك في الوقوف مع الغرب وإسرائيل في حال اندلعت أي مواجهات عسكرية مع الدولة العبرية، وبالتالي هذا ما سيعطي محور المقاومة بالمنطقة سلاحا جديدا وهو الشارع المصري الذي سيصبح ـ في العهد الجديد ـ أكثر حرية من ذي قبل.
أي وبعبارة أخرى، ستسهم أي مواجهة جديدة بين العرب وإسرائيل في إشعال الشارع العربي ليس في مصر فقط بل على امتداد العواصم العربية، مما يعطي صورة مستقبلية تكون فيها مصر الهدف الأول للطرف المعادي للولايات المتحدة وإسرائيل بالمنطقة عبر استغلال مكونات ثورة 25 يناير وعلى رأسها الجماعات ذات التوجه الديني ـ مثل الإخوان المسلمين ـ مما سيؤثر بشكل مباشر على النظام الحاكم ويضعه في حرج كبير وربما يخلق حالة من الضغوط الشعبية على المؤسسة العسكرية نفسها.
وفي هذا السياق، ترى دمشق وطهران حاليا في مصر ما بعد مبارك قطعة سقطت من التركيبة الأمنية التي شكلتها الولايات المتحدة بالمنطقة، وأنه من الممكن وبقليل من الجهد الإجهاز على هذه البنية بشكل تام لأن أي مواجهة إسرائيلية ـ عربية جديدة ستعني وببساطة تقويض معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية، وتعقيد العلاقات الأميركية ـ المصرية.
ويعود دوران إلى واشنطن ليؤكد أنه على الإستراتيجية الأميركية بالمنطقة أن تركز خلال المرحلة المقبلة على محاور أساسية وهي ضمان تدفق النفط بأسعار معقولة، منع انتشار أسلحة الدمار الشامل وحماية حلفائها الرئيسيين وهم إسرائيل والسعودية ومصر، ومكافحة الإرهاب وترويج الإصلاح الديموقراطي بطريقة ترسخ النظام الذي تقوده الولايات المتحدة بالمنطقة.