Note: English translation is not 100% accurate
مصر 2011: من مخاوف التوريث إلى مخاوف الأسلمة
14 ديسمبر 2011
المصدر : القاهرة ـ د.ب.أ

لم يكن أكثر كتاب الخيال جموحا يتوقع أن تتوارى كلمات مثل الحزب الوطني..
التوريث.. رئاسة الجمهورية.. التنظيم المحظور، من قاموس السياسة المصرية عام 2011 لتحل محلها الفلول.. المخلوع.. المجلس العسكري.. والحرية والعدالة.
لم يكن هذا الإحلال والتجديد الذي غاب عن القواميس المصرية لعقود يحدث لولا انتفاضة شباب أدركوا أن كلمة «أحرار» في مقولة الزعيم الراحل أحمد عرابي «لقد ولدتنا أمهاتنا أحرارا» لم تعد إلا كلاما يتردد، وأن مصر على وشك التحول إلى «تراث أو عقار» وأن جمال مبارك قد لا يجد منافسا له إذا ما قرر والده الرئيس السابق حسني مبارك عدم الترشح للرئاسة لفترة سادسة في ظل قوانين حيكت على مقاس النظام وأبنائه. عانى المصريون لسنوات من قانون طوارئ جعل الشعب والشرطة في خدمة النظام ومن افقار جعل 80% من الشعب يعيشون على خط الفقر أو أسفله ثم تطور الأمر إلى الاستهانة بحياة الإنسان. وكانت الطامة الكبرى انتخابات مجلس الشعب نهاية العام الماضي، فرغم الاستياء الذي لم تكن تغفله عين من النظام وحزبه انتهت النتائج إلى حصول الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم سابقا والمنحل حاليا على 97% من مقاعد المجلس.
إلا أن الثورة التونسية التي جعلت الرئيس التونسي زين العابدين بن علي يهرب من شعبه في 14 يناير الماضي أحيت في المصريين الأمل في أن «الشعب هو مصدر السلطات»، فقررت قوى سياسية الخروج إلى الشوارع في يوم 25 يناير في يوم عيد الشرطة في مصر تعبيرا عن السخط على ممارسات الجهاز الأمني القمعي وللمطالبة بـ «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية»، ولكن مع سقوط أول قطرة دم في السويس شرق العاصمة بدأ سقف المطالب يرتفع ويرتفع حتى وصل إلى المطالبة بإسقاط النظام ثم محاكمة النظام، وقد كان.
وعلى مدار 18 يوما هي عمر «ذروة الثورة» راح النظام يقدم القرابين للشعب ليرضى عنه. وكان أحمد عز أمين التنظيم السابق بالحزب الوطني المنحل أول كبش يقرر النظام التضحية به.
ولا يليق بالمقام تجاهل «القول المأثور» لعز بعد انتخابات مجلس الشعب، الذي حله المجلس العسكري بعد تسلم السلطات من مبارك، حيث قال: «العنوان الأمثل لانتخابات مجلس الشعب هو: كيف أسقط الوطني التنظيم المحظور»، في إشارة إلى الإخوان المسلمين. وعزا عز ذلك إلى «الأسلوب المبتكر» الذي انتهجه الحزب الحاكم. وتطورت الأحداث بصورة «أسرع من الخيال»، ليخرج اللواء عمر سليمان مدير المخابرات نائب مبارك الأول والأخير في 11 فبراير بكلمات سجلها التاريخ: «أيها المواطنون.. في ظل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، لتزول بذلك العقبة التي كان كثير من المصريين يعتقدون أنها هي التي تحجبهم عن الرخاء. ومع مضي الأيام، يبدو أن المصريين جميعا اكتشفوا فجأة أن لديهم طلبات ملحة وخرجوا بالتناوب إلى الشارع وأضربوا واعتصموا غير آبهين بأحوال اقتصادية متردية أجبرت المجلس العسكري على التراجع عن موقفه المصر على عدم مد اليد إلى الخارج للاقتراض قبل أن تخرج الأمور عن سيطرته. كما تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي من 36.1 مليار دولار قبل الثورة إلى 20.15 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي. ولم تكد مصر وعاصمتها قاهرة المعز تفيق من عثرة إلا حتى تسقط في أخرى من إمبابة إلى ماسبيرو ثم محمد محمود، راح ضحيتها العشرات بين قتيل وجريح، ولكن يظل يصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم فينا «أهل مصر في رباط إلى يوم القيامة» كما يصدق الإنجيل: «مبارك شعب مصر».
وبين إضرابات هنا واعتصامات هناك، و«إفتاءات» تلفزيونية هنا وصحافية هناك، وائتلافات هنا وتحالفات هناك، مرت أيام العام ليأتي يوم الثامن والعشرين من نوفمبر لتنطلق أولى مراحل الانتخابات البرلمانية المصرية، وفجأة تحول «حزب الكنبة» إلى «حزب الطابور» وبدل المليونية خرجت مليونيات وتحدث كل مصري رسميا باسم نفسه وعزل الفلول، وبالفعل أذهل العقول. إلا أن نتائج الانتخابات حتى الآن أثارت مخاوف من أن تكون «الأسلمة» هي البديل الوحيد للتوريث، وذلك في ظل سطوع وتوهج التيار الإسلامي المعتدل منه والمتشدد. وللأسف تجد هذه المخاوف ما يزكيها في ظل ما يثار عن أدب نجيب محفوظ وتغطية التماثيل وحجب صور المرشحات على قوائم الأحزاب السلفية في الانتخابات. العجيب أن البعض تمادى في مخاوفه ورأى التهديد بالنزول إلى الشارع حلا إذا استمرت النتائج على هذا الحال حتى نهاية الانتخابات، دون أن يكلف نفسه عناء السؤال من سينزل إذا كانت هذه النتائج هي اختيارات الشعب؟ وعلى فرضية أن المعارضين سينزلون: ماذا سيكون موقف المؤيدين؟ وتسعى زعامات التيار الديني جاهدين إلى وأد هذه المخاوف، ولكن دون جدوى حتى الآن.